|
في عالم السياسة الواسع الذي لا يعرف
الصديق والعدو, فأن الحقائق والمفاهيم والرؤى تتغير ما بين
لحظة وأخرى , وفقا للمصالح والأهواء, لكن ما يمكن قوله حقيقة
أن التاريخ والحقائق لا يمكن لأي فكر سياسي أو إيديولوجي أن
يغييرها, وخاصة إذا ما كانت القضية تتعلق بشعب عريق له امتداده
التاريخي ولغته وثقافته, له أرضه التي يعيش عليها وكل مكونات
وعناصر الأمة.
هذه هي حقيقة الشعب الكردي في سوريا , والذي الحق بالدولة
السورية نتيجة التآمر الاستعماري البريطاني والفرنسي على شعوب
المنطقة , وكان نصيب الشعب الكردي من هذا التقسيم ثريا جدا إذ
قسّم ما بين أربعة دول وهي ( العراق – سوريا – تركيا – إيران )
ودون اخذ إرادة الشعوب في هذا التقسيم وأولها الشعب الكردي ,
وكل هذا التقسيم جرى وفقا لاتفاقية سايكس بيكو 1916 , وبذلك
أصبح جزءا من كردستان الوطن القومي للكورد منضويا دون إرادته
تحت كيان الدولة السورية .
هذه هي الحقيقة التي لابد للجميع الاعتراف بها , ولكن مع الأسف
نجد الأعلام العربي والسياسيين والمثقفين منهم يعترفون بحقيقة
التقسيم في الجانب المفيد لهم العروبي ووفق مصالحهم السياسية ,
وينددون بسايكس بيكو دون ذكر انه تم تقسيم ارض كردستان, وتشتيت
شعب قد وصل عدده إلى أكثر من أربعين مليون كوردي .
وقد تعرض الكورد في الجزء الكردستاني الملحق بدولة سورية
لاضطهاد وغبن وظلم منذ استيلاء البعث على الدولة السورية
واستئثاره بكل شيء, وقد تشكلت مجموعات وتنظيمات كردية عديدة
تناضل لأجل شعبها الكوردي , تقسم هذه الأحزاب إلى كتلتين :
لجنة التنسيق والمتابعة والتي تتشكل من أحزاب يكيتي – ازادي –
تيار المستقبل .أما الكتلة الثانية فهي التحالف الكردي والجبهة
وهي تتألف من ثمانية أحزاب صغيرة وكبيرة .
هذه الأحزاب السياسية وجميعها لها برنامج سياسي ونظام داخلي.
وفي مقدمة مطاليبها يأتي ( النضال من اجل الحقوق القومية للشعب
الكردي في سوريا ).
ورغم الانتظام والجماهيرية الكردية لمجموع الأحزاب الكوردية
السورية , إلا أنها حتى هذه اللحظة لم تستطع أن تقدم خطابا
كورديا موحدا , أو تضع على الطاولة السياسية أجندة نضالية متفق
عليها لأجل حل القضية الكوردية في سوريا , حيث يتنازعها خطابان
: الأول أن القضية الكوردية في سورية هي قضية ارض وشعب !
والثانية أن القضية الكوردية في سورية هي قضية حقوق مواطنة !
بالنسبة لقضية الأرض والشعب نجد هذا لدى لجنة التنسيق
والمتابعة والتي أعلنت مرارا من خلال الإعلام العربي والكوردي
ذلك. وآخرها كانت رؤيتهم من القضية الكوردية في سورية , والتي
طالبوا من خلالها الأطراف الكوردية الأخرى وقوى المعارضة
السورية وحتى السلطة , بالاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية
والسياسية , وهو أن الكورد في سورية لهم أرضهم التي يعيشون
عليها, والتي اقتطعت من كردستان وألحقت بدولة سوريا , وأيضا
لهم لغتهم الكوردية وثقافتهم وخصوصيتهم القومية , وهذا
الاعتراف سيشكل مدخلا إلى حل القضية الكوردية بشكل ديمقراطي
عادل بعيدا عن فكرة تقسيم البلاد , وإنما العمل معا لأجل
التغيير السلمي الديمقراطي وبناء دولة مدنية علمانية تعددية ,
وهذا هو الحل المناسب لشعب كوردي يتعرض لاضطهاد مزدوج وممنهج .
أما الأحزاب الأخرى التحالف والجبهة ورغم تواجدها القديم في
الساحة السياسية ,إلا أنها تعيش في واقع سياسي ضبابي وغامض.
فنجدها تارة تنساق إلى العمل الميداني , فتعتصم وتتظاهر ,
وأحيانا نجدها تدفن إيديولوجيتها السياسية في أنفاق مظلمة,
وتتقاطع مع مصالح النظام وتحطم كل الأماني القومية للكورد,
والتي يتعطش ملايين الكورد البسطاء لنيلها , ويصابون بانتكاسات
سياسية واجتماعية حينما يجدون أحزابهم يسّوقون القضية وفقا
لمصالحهم الحزبية, وكل هذا تحت وقع ارث تاريخي من الخوف من ردة
فعل السلطة , أو أمراض شخصية توارثوها منذ عهد الاشتراكية
والحرب الباردة , وأكثر تلك الأحزاب فوضوية وضبابية هو الحزب
التقدمي ( جماعة عبد الحميد درويش ) .
إن جل الخلاف السياسي الكوردي مابين أطراف الحركة يكون هذا
الحزب مسؤلا عنه , فالتقدمي وعبر تاريخه نجده مّيالا إلى فتح
قنوات شرعية وغير شرعية مع السلطة , سواء جاءت هذه القنوات
ملائمة مع نضالات الكورد و طموحاتهم القومية أو لم تأتي, ودون
أن يعطي أهمية لرأي حلفائه من الأحزاب الأخرى, والتي أضحت
تخبيء نفسها تحت عباءة التقدمي , وتتحول القضية الكوردية معهم
إلى قضية ثقافية أحيانا والى حقوق مواطنة , أو إلى قضية إعادة
جنسية للمجردين من الجنسية السورية ؟؟
إذا الجرح الكوردي في سوريا مازال ينزف , وهذا النزيف سببه
استبداد السلطة , وجاهلية بعض القوى الكوردية , والتي مازالت
تهرب من الوقائع وتعيش في ممالك رملية تنخرها رياح التغيير
والعولمة وثقافة الكلمة وقول الحق بعيدا عن كل الصمت السياسي
الذي تجاهد السلطة للبقاء عليه .
آخر ورقة كوردية كانت من قبل لجنة التنسيق والمتابعة والتي
حاولت جاهدة لملمة الشتات الكوردي , وإحياء الروح الكوردية
النائمة وإعادة الاعتبار للحركة السياسية الكوردية في سوريا.
وخاصة إن القضية الكوردية السورية صبغت بدماء قافلة من الشهداء
في الانتفاضة الكوردية , وتجد نفسها أمام التاريخ والله والشعب
انه آن الآوان لأجندة كوردية سياسية شفافة وواضحة بعيدا عن
الرياء والخوف والازدواجية في الرؤى !
وعرضت على التحالف والجبهة تبني مشروع موقف أحزاب التحالف
والجبهة من القضية الكوردية السورية,و مناقشة رؤيتهم لحل
القضية الكوردية في سوريا, وتوصلت إلى أن هذه الرؤية قاصرة
وغير شفافة, وان حل القضية الكوردية في سورية يكمن في الاعتراف
بأنها قضية ارض وشعب, وهذا اعتراف يجب أن يكون بمثابة كسر كل
الجليد ما بين جميع الأطراف ,وذلك سيكون طريقا لحل جميع
القضايا. وأيضا الإقرار الدستوري بوجود الشعب الكوردي كثاني
قومية في البلاد وحل القضية الكوردية حلا ديمقراطيا على قاعدة
الحقوق القومية وإعادة النظر في التقسيمات الإدارية الراهنة
بما يجعل المناطق الكردية الثلاث ( كوباني- عفرين- الجزيرة)
منطقةادارية واحدة وتمكين الشعب الكوردي من إدارة شؤونه
التشريعية والقضائية والإدارية في إطار النظام الديمقراطي
البرلماني.
لكن وقبل أن تعطي أطراف التحالف والجبهة جوابا, لم نجد قيادة
التقدمي وكعادته إلا أن يحطم كل الآمال, وليتحول إلى بوليس
يقمع كل خطاب كوردي نحو الاندماج والتوحد, و تحت سيل من الحجج
والذراع الصدئة والمخجلة , ويقوم بنشر مقال في جريدته المركزية
مفاده أن الحقيقة الكوردية ( ارض وشعب ), هي شعار وهمي, وأن كل
من ينادي بها هو عنصري وشوفيني ويجسد فكرة السلطة, بأن الكورد
يسعون لتقسيم سوريا والانفصال !!
وهنا نجد أن التقدمي يحاول أن ينسف كل ماهو تقارب كوردي .
يتساءل الشارع الكوردي عن مثل هذه التصرفات الهستيرية : هل هي
بدافع الخوف , أم أن أيادي سلطوية مخابراتية تتحكم بمصير
الكورد , أم إن الحزب التقدمي أصبح هو الحزب الشمولي الواحد
الذي يملك المصير والقرار والمستقبل لقضية ثلاثة ملايين كوردي
, ولا اعتبارات في حساباته لأي حزب كوردي سواء حليف له أم ليس
بحليف!!!
إن جل ما يعانيه الكورد عبر تاريخهم السياسي هي تلك الانكسارات
التي كانت تحدث فيما بينهم, سواء بفعل الأنظمة الغاصبة
لكوردستان, أو بفعل غباء وعنجهية وتأمر بعض قياداتهم السياسية
وخوفهم من العقاب, وفقدان المنصب السياسي, وفكرة الزعيم الخالد
المتوارث من ثقافة الشرق الأوسط , وعبادة القائد وتقديسه .
كل ذلك يدفع بالكورد نحو الهاوية والمصير المجهول , وما يدل
على أن الحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي يعيش بعيدا عن
الديمقراطية ويتجه نحو الفكر الشمولي الاستبدادي, بقاء أمين
عامه حميد درويش سنوات وسنوات زعيما لحزبه , وأيضا مازال بعيدا
عن التغيير في كل شيء , ويجد نفسه غريبا عن الواقع الكوردي
الجديد, ويقف عائقا أمام أي ثورة كوردية برتقالية أو صفراء أو
حمراء, تحاول القوى الكوردية أحداثها داخل البيت الكوردي, لأجل
بلورة واقع كوردي جديد ومخاطبة العالم اجمع, أن حّل القضية
الكوردية يكمن في الحل التاريخي والسياسي والوطني بديمقراطية
شفافة, وانه لايمكن امحاء التاريخ الكوردي والقفز فوق الحقائق
والانتقال إلى القشور والفتات الذي يحاول بعض الغلاة توزيعه
على الكورد ,.
إذا المشكلة في عدم أي تقارب بين القوى السياسية الكوردية هي
تدخلات السلطة ما بينهم , ولجوء بعض الأحزاب المريضة
والدونكيشوتية إلى الفيتو الكوردي في وجه كل طموح كوردي قومي
يلبي رغبات الجماهير الكوردية, وأكثر الأحزاب تلجأ إلى استعمال
الفيتو: ( التقدمي ) . والجريمة أن نجد أحزاب أخرى متحالفة معه
تلتزم الصمت, وتعطي صورة سلبية عن فكرها ومواقفها من القضية
الكوردية , وتدفع هذه المواقف بالسلطة إلى الإرهاب المتزايد
تجاه الكورد, وبالمعارضة السورية إلى الاستقواءعلى الأحزاب
الكوردية واستغلالهم وفرض شروط إذعانية عليهم , وهنا تتحول
القضية الكوردية ليس من قضية ارض وشعب بل إلى قضية خبز ومدرسة
ومنصب سياسي بين أحزاب الجبهة الوطنية الرديفة لحزب البعث كما
يحلم التقدمي وغيره بذلك؟؟؟؟.
و الحقيقة أن تاريخ الشعوب لا يمحى, وانه مهما حاول البعض
تقزيم وتشويه القضية الكوردية, وحقيقتها التاريخية أنها قضية
الأرض والشعب , لابد أن تظل الحقائق واضحة وشفافة بفضل صدق
الأوفياء والشرفاء من أبناء الشعب الكوردي , وفي النهاية الله
في السماء, والتاريخ يدّون كل شيء, والشعب سيحكم بالعدل ذات
يوم والمستقبل قريب ليس ببعيد, وأقلامنا وأوراقنا دفاتر
للأيام... ولا يمكن أن تحترق تحت وقع أقدام الجبناء وتجار
قضايا الشعوب المضطهدة . وان قضية الشعب الكردي في سورية والتي
هي قضية ارض وشعب بامتياز , باتت تطوف على السطح السياسي
السوري العام , وكل من يخجل أو يخاف من هذه الحقيقة الشفافة
عليه أن يتحول إلى نعامة تدفن آثامها وجبنها وخوفها في رمال
الصحراء, وأفعالنا هي مرايا تعكس مصداقية نوايانا تجاه القضية
الكوردية وتجاه وطننا السوري الديمقراطي ألتعددي , وطن
المستقبل والحريات.
جهاد صالح \ صحفي كوردي – سورية
|