|
|
|
|
|
|
هل تكفي إدانة التفجير الإرهابي؟
|
المحامي ميشال شماس
|
من
الطبيعي إدانة العمل الإرهابي الإجرامي
الذي تعرضت له دمشق في السابع والعشرين من
الشهر الجاري أياً تكن مبرراته و"أسبابه"
، وبغض النظر عن الجهة المستهدفة أو الجهة
التي تقف وراءه وأياً كانت جنسيته وأهدافه
والمستهدفين به والقائمين عليه تنفيذاً
وتخطيطاً وتحريضا وتمويلاً ، ومن الطبيعي
أن أعلن وقوفي مع الحكومة في مواجهة هذه
الأعمال الارهابية ، بالرغم من موقفي
الانتقادي لعملها، وأن أتقدم بتعازي
الحارة لعائلات الضحايا، وتمنياتي بالشفاء
العاجل لكافة المصابين والجرحي، فهذا أضعف
الإيمان تجاه أخوة لي سقطوا في هذا
التفجير الأرهابي. ولكن السؤال الذي يطرح
نفسه هنا بإلحاح هو : هل تكفي بيانات
الشجب والاستنكار والإدانه لهذا العمل
الإجرامي، وهل تكفي كلمات العزاء والتضامن
مع ذوي الضحايا والمصابين والجرحي؟
فمنذ أن أغتصب الصهاينة أرض فلسطين وشردوا
شعبها والإعتداءات الأسرائيلية على
البلدان العربية مازالت مستمرة، ولم نسمع
غير كلمات الشجب الإدانة ، تلك الكلمات
التي لم تمنع اسرائيل من احتلال بيروت في
القرن الماضي، ولم تمنعها أيضاً من شن حرب
شعواء منذ سنتين على لبنان وهي التي
مازالت تحتل أراضينا وتنكل بشعبنا العربي
الفلسطيني، كما لم تمنع تلك الكلمات
الولايات المتحدة الأمريكية من غزو العراق
واحتلاله.
وليس جديداً القول إن هذا العمل الإجرامي
الجبان لا يخدم إلا أعداء سورية،وأن
إسرائيل ومن ورائها أمريكا هما أكثر
الجهات الخارجية استفادة ليس مما حدث في
دمشق وحسب، بل وما حدث في لبنان منذ
اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق
الحريري وما تبعه من اغتيالات وتفجيرات،
وما حدث ويحدث أيضاً على الساحة
الفلسطينية من اقتتال بين الأخوة، خاصة
بعد انقلاب حماس على السلطة الوطنية
الفلسطينية وسيطرتها على قطاع غزة، وما
يجري في العراق والسودن..الخ.
ولا أفشي سراً إن قلت أيضاً إن هذا
الاعتداء الآثم، هو بمثابة إنذار لحجم
الأخطار المحدقة ببلادنا سواء تلك الآتية
من الخارج، أو تلك التي تتربص بنا في
الداخل والتي يأتي في مقدمها الفساد،
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بإلحاح يتعلق
بمدى قدرة السوريين وإمكانيتهم في التصدي
لتلك الأخطار، وتحصين جبهتهم الداخلية في
مواجهة تلك التحديات.إذ لم يعد يجدي
القول: "يكفي سورية أنها من البلدان
القليلة في العالم التي تنعم بالاستقرار
والأمن بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء"،
فالأمن على أهميته القصوى في استقرار أية
دولة، لا يكفي وحده للمحافظة على استقرار
تلك الدولة وأمنها ونجاحها في عملية
التنمية، وفي مقدمها تلبية الحاجات
المتزايدة لشعبها، وتأمين قدر معقول من
الحياة اللائقة لمواطنيها.
بتقديري المتواضع فإني أرى إن أفضل رد على
ذلك التفجير الآثم ومنعه من أن يتحول إلى
ظاهرة، هو في جعل مسؤولية الأمن مسؤولية
جماعية،أي أن يكون الرد ليس أمنياً فقط ،
بل وسياساً من خلال إعادة صياغة العلاقة
القائمة بين الدولة ومواطنيها على أساس
عقد جديد يقوم على الالتزام الطوعي
والاحترام المتبادل والمساواة بالمشاركة
الفعالة لجميع السوريين في تحمل مسؤولية
بناء الوطن ، وبعيداً عن أي ولاء قسري أو
تهميش أو عزل أو إهمال، على أن يترافق كل
ذلك بضرورة إطلاق حرية العمل السياسي
والنقابي والإعلامي، ورفع حالة الطوارئ
وإلغاء الأحكام العرفية المفروضة منذ أكثر
من أربعين عاماً، وعدم تطبيقها إلا عند ما
تستدعي الضرورة، وتحديد نطاق تطبقيها
الجغرافي والزمني، والالتزام التام بمبدأ
سيادة القانون على الجميع حكاماً
ومحكومين، وبضمانة قيام سلطة قضائية ذات
نظام قوي تتألف من رجال أكفاء نزيهين
يتمتعون بالاستقلال المطلق تجاه بقية
السلطات، وعلى رأسها السلطة التنفيذية، مع
توفير الاحترام للأحكام التي تصدرها
السلطة القضائية من جميع السوريين بلا
استثناء.
إن أفضل تعزية يمكن أن نقدمها لضحايا
التفجير الآثم ولشعبنا السوري الذي يناهض
العنف بأكثريته الساحقة ، تتمثل بالأفراج
عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي
والذين أدانوا بشدة حادث التفجير الإجرامي
الذي تعرضت له دمشق مؤخراً وتألموا مثلنا
إن لم يكن أكثر منا لسقوط ضحايا.وإن خطوة
كهذه يمكن لها أن تفتح الباب واسعاً
أمام وقف الاحتقان السياسي وقيام أوسع
تحالف لمناهضة العنف في مجتمعنا.
وإن أفضل طريقة تمكننا من المحافظة على
هذا الأمن الذي نعيش في ظله ونحتمي في
فيئه، تتمثل في تهيئة الظروف التي تمكننا
من ممارسة حياتنا بحرية وانفتاح على بعضنا
البعض في إطار فكر وسياسة تتسع للجميع
بصرف النظر عن أي انتماء سياسي أو ديني أو
عرقي، بعيداً عن أي قسر أو إكراه أو إقصاء
أو تهميش أو إلغاء. فالمجتمعات البشرية
تسمو وترتقي إلى أعلى، كلما تمتع أبناؤها
بقدر واسع من الحرية والكرامة والعيش
الكريم والمشاركة، والإنسان الحر الكريم
هو الذي يبني دولةً سيدةً حرةً مستقلةً،
وهو القادر في النهاية على المحافظة على
أمن واستقرار بلده ، وحمايته والدفاع عنه
ضد أي خطر يتهدده ومن أية جهة أتى،سواء
أتى من خارجه أو داخله.
إن سورية تنتظر كل جهد منا, وهي تستحق منا
جميعاً كل تضحية من أجل عزتها وكرامتها ،
وإن اختلفنا، فهل من يسمع؟
|
المصدر:كلنا
شركاء
-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه
|

 
|
|
|
|
|
|
|
|