المرصد السوري

 

الرئيسيةأخبارتصريحاتمقابلاتمقالاتأخبار الوطن

 

واشنطن تطلب من الأكثرية توخي الحذر الشديد حتى نهاية أيار المقبل
مسيحيو الأكثرية يؤسسون لمستقبل لا يلحظ وجودهم السياسي

09-04-2007

حين عاد وليد جنبلاط من زيارته الاخيرة الى واشنطن حيث التقى الرئيس الاميركي جورج بوش، ‏روى لسعد الحريري ومعه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ما سمعه من الرئيس الاميركي، فقال لكل ‏منهما ان بوش بادره بالكلام قائلا: قولوا لصديقكم جاك شيراك الا يكلف نفسه ويصرف من ‏رصيده، فانا انتظر منكم تحويل المحكمة الدولية على مجلس الامن. وبات في جيبي 9 أصوات من ‏مجموعة اعضاء مجلس الامن. واجابه الوزير مروان حماده والذي كان يرافق جنبلاط: لكن الرئيس ‏الفرنسي جاك شيراك قلق من موقف روسيا والذي ستتأثر به الصين...‏
واجاب بوش مقاطعاً: قولوا له الا يضيع وقته، لقد تحدثت مع روسيا، وهي لن توافق لكنها ‏ايضاً لن تعترض على المحكمة الدولية في مجلس الامن والان نحن ننتظر منكم تحويل المحكمة الى مجلس ‏الامن.‏
واجاب جنبلاط: هنالك القمة العربية والتي ستعقد في الرياض، ولذلك نفضل احالة المشروع ‏بعد انتهاء القمة لكي لا تنعكس سلبا على اعمال القمة وتحرج السعوديين.‏



المحكمة والمخادعة


وعلى هذا الاساس، تولد انطباع لدى المجموعة المحيطة بسعد الحريري ان جنبلاط هو صاحب الفضل ‏في احالة المحكمة الى مجلس الامن الدولي وتأمين مستلزمات النجاح لها. في اي حال فان اسلوب ‏تمرير المحكمة في لبنان من خلال المخادعة عبر التفاوض الممل، ثم مفاجأة الجميع باحالته، هو ‏اسلوب جنبلاطي بامتياز.‏
لكن الفريق المحيط بالحريري يخطئ مرة جديدة في تقويمه، لان احالة الملف هو مطلب اميركي، ‏وهدفه التقاط الاوراق الصعبة تمهيدا للتفاوض.‏
ولا عجب ان يقف مشروع المحكمة عند ابواب مجلس الامن «لأخذ وقته» في التشاور، في مقابل ‏اندفاع الامم المتحدة في مسألة ضبط الحدود اللبنانية ــ السورية، وبالتزامن مع فتح ‏ابواب التفاوض الاميركية مع دمشق عبر الزيارات الكثيفة للمسؤولين الاميركيين وعلى ضفاف ‏طاولة التشاور حول الوضع العراقي. وحمل بوش ورقة المحكمة الدولية وهو يلوح بكيفية ‏اقرارها، تحت الفصل السادس ام السابع، انها لعبة الامم الدائرة منذ سنوات على رقعة ‏الشرق الاوسط. وهي بدأت بالحروب واستمرت عبر شد الحبال الامني وعض الاصابع والرسائل ‏الدموية، وتدخل الآن باب المفاوضات وتجميع الاوراق املا بظهور التسويات المنشودة.‏
ومما لا شك فيه ان الحشد العسكري الاميركي في البحر المواجه للنشاط الايراني يدخل في هذا ‏الاطار ايضا.‏



الملف الايراني


ثمة من سمع في واشنطن ان هنالك تياراً قوياً داخل المؤسسات الاستراتيجية يجنح بقوة لتطوير ‏العلاقة مع ايران، من ضمن مفهوم الخارطة الجيوسياسية العريضة لكامل المنطقة. ذلك ان ‏هذا التيار متمسك باحياء التناقضات الشيعية - السنية، والسنية المعتدلة مع السنية ‏الاصولية، والقوميات المختلفة مثل الاكراد مع القوميات الاخرى، والتمايزات العديدة التي ‏يزخر بها الشرق الاوسط. ورغم خيبة الامل الاميركية من الرهان على ايران التي تريدها، الا ‏ان اصحاب هذه النظرة ما زالوا مصرين على استراتيجيتهم مع بعض التعديل.‏
فزوار واشنطن يسمعون بوضوح انتقادات اميركية لسياسة احمدي نجاد. فهم يعتبرونه مخادعاً ‏ومتهوراً. في اي حال يعتبر هؤلاء ان استراتيجيتهم حينما بنيت، انما كانت على قياس الرئيس ‏الايراني السابق خاتمي، او حتى على قياس رفسنجاني، لكنهم ما يزالون يأملون بتعديلات ‏ايرانية داخلية تسمح باعادة صياغة دور ايراني وفق المفهوم الاميركي.‏
وقد وصلت الى بيروت وتحديداً الى فريق الاكثرية الحاكم ان الوضع الداخلي في ايران بدأ يلفحه ‏التبدل نتيجة الضغط الاميركي المستمر. وحسب هذه المعلومات الاميركية ان مصدر القرار في ‏ايران ينبع من ثلاثة شرائح: رجال الدين والجيش والتجار المعروفين باسم البازار.‏
وحسب هذه المعلومات فان اهل «البازار» باتوا جميعاً متململين من الوضع وخائفين من مسار ‏تصادمي مع الولايات المتحدة الاميركية، وان هؤلاء حولوا معظم ارصدتهم المالية الى بنوك دبي ‏حيث تسجل نسبة هائلة من المخزون النقدي، مما ادى الى طفرة نقدية.‏
كذلك وحسب ما جرى ابلاغ فريق الحكومة، فان قيادات الجيش غير مرتاحة لقرارات نجاد التي ‏ستدفعه باتجاه المواجهة العسكرية وهو ما قد يؤدي الى ان تدفع القوات المسلمة ثمناً كبيراً.‏
الا ان هذه المعلومات تشير الى ان رجال الدين ورغم الانتقادات التي يبديها رفسنجاني ما ‏زالوا يشدون أزر الرئيس الايراني وحسب النصائح الاميركية التي اسديت لهذا الفريق ان ‏هنالك فترة مفاوضات وجس نبض ستمتد حوالى الشهر، ذلك ان موعد اعادة طرح الملف الايراني ‏النووي مع مجلس الامن هو في نهاية شهر ايار. لذلك فانه لا بد من توافق او فشل قبل هذا ‏التاريخ. وعندها يمكن الحديث عن ضربة عسكرية او في حد ادنى حصار وعزل ايران وتعديل في ‏الاستراتيجية الاميركية. وانه في هذه الحالة على حلفاء واشنطن اخذ الحذر بدءا من منتصف ‏ايار حيث تتوقع واشنطن هجوماً ايرانيا استباقيا في كل من العراق ولبنان. وهنا تضمنت ‏النصائح الاميركية لمجموعة الاكثرية اتخاذ اقصى درجات الحذر بدءاً من منتصف ايار وهو ما يعني ‏ايضاً بت مجلس الامن في موضوع المحكمة الدولية في مجلس الامن (في حال بقي التواصل السوري -‏الايراني) وفتح ابواب التصعيد والمواجهة في كل المنطقة. اما في حال التفاهم فان ذلك ‏سيفتح الباب امام انجاز التسوية في لبنان.‏



جنبلاط يقود المجموعة


وحسب احد البارزين في الاغلبية، فان جنبلاط يقود عملياً وفعلياً هذه المجموعة، وهو صاحب ‏الافكار الغزيرة التي تشكل خارطة طريق لها. فهو من نسق سابقاً مع الرئيس الفرنسي في ‏موضوع ارسال تظاهرة الى قصر بعبدا واقتحامه ودفع الاحداث باتجاه حصول مجزرة لان ذلك ‏سيفتح باب التدويل.‏
وهو ينتهج في كل الاحوال خطاباً هجومياً خلال الاجتماعات فيردد امام الجميع وبوضوح ان ‏التدويل جيّد ولم لا ؟، وانه يجب فتح البلد وجعله هونغ كونغ اخرى وفصله عن ازمات ‏المنطقة. هو يبدو هجومياً في معظم الاحيان وصاحب المبادرة، فيما سعد الحريري مترجرج في ‏مواقفه. مرة يتقدم خطوة الى الامام ومرات يتراجع خطوات الى الوراء. هذا هو انطباع معظم ‏اعضاء فريق الاكثرية.‏
وقد يكون سعد الحريري غير قلق من موقع جنبلاط المتقدم. ففي نهاية المطاف هو غير قادر على ‏تكبير حجمه كثيراً فهو زعيم طائفة صغيرة وحجمه النيابي يمكن تحجيمه ايضا وفق قانون ما، ‏حسب اعتقاده.‏
لكن جنبلاط «الثعلب» يبدو في سلوكه وكأنه يهزأ من حلفائه. ذلك انه قال مرة بطريقة ‏المزاح التي تحمل الكثير من العبر لدى مناقشة حلف رئاسة الجمهورية: «يمكنني ان اكرر ما فعله ‏والدي في العام 1970 حين ارسل نصف نوابه لينتخبوا الياس سركيس والنصف الثاني لانتخاب ‏سليمان فرنجية».‏
ضحك هؤلاء كثيراً «لطرفة» جنبلاط، لكنه في الحقيقة كان هو من يضحك كثيراً في سره. والاهم انه ‏كان يضحك على المجموعة المسيحية في فريق الاكثرية.‏
ذلك ان الاحداث المتلاحقة التي حصلت والتي جاءت من نتاج افكار جنبلاط، انما اعطت انطباعاً ‏ان البلد يمكن ان يُحكم من دون وجود رئاسة جمهورية، ومع الاسف بتصفيق وتشجيع من هذه ‏المجموعة المسيحية او الراكضين للوصول الى قصر بعبدا بأي ثمن. والا فماذا يعني ارسال وفدين ‏الى مؤتمرات خارجية احدهما برئاسة رئيس الحكومة. فهذه شكلت سابقة سيجري تكرارها مستقبلاً ‏مع الاسف. ولن يستطيع الفريق المسيحي «المفتون» بهذه الافكار منع حصولها لاحقاً في حال الخلاف ‏بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مستقبلاً.‏
وكذلك فان مبدأ الثلث والذي اخذ نقاشاً طويلاً في الطائف، انما هدف في الحقيقة كي لا يكون ‏رئيس الجمهورية الذي يحضر مجلس الوزراء ولا يصوّت، «خيال كرسي» ومجلس الوزراء يكون حقيقة ‏خاضعا بشكل كبير لرئيس الحكومة ووزير المال لحاجة الوزراء اليهما لتسيير اعمالهما. وكان ‏ان درجت الامور منذ ان تولى الرئيس رفيق الحريري رئاسة الحكومة في العام1992 على الامساك ‏بالموقعين. وبذلك تكاد تكون المسألة عرفاً يجب احترامه، في مقابل عدم مأسسة مجلس الوزراء ‏ووضع نظام داخلي له. فلماذا اذا تكلف رئيس الجمهورية من الان وصاعدا بحضور جلسات مجلس ‏الوزراء اذا ما نزعنا من يده مبدأ الثلث.‏
وبذريعة معارضة الرئيس اميل لحود نقوم بضرب ما تبقى للمسيحيين من مكتسبات في السلطة ‏مستقبلا.‏



المسيحيون الى اين ؟


والاخطر ما يتباهى به بعض «الموارنة» من ان جلسة انتخاب رئيس للجمهورية يمكن ان تحصل من ‏دون نسبة حضور الثلثين، فهل يدرك هؤلاء ماذا يعنون بذلك؟ والى اي مصير قاتم يأخذون الحضور ‏السياسي المسيحي؟.‏
ذلك انه خلال النقاشات التي ادت الى ظهور اتفاق الطائف، صار الفرقاء المسيحيون على ‏موضوع نصاب الثلثين.‏
فالصراع يومها كان مسيحيا - اسلاميا، وهو يمكن ان يعود مستقبلا كذلك.‏
الا يعني ذلك مثلا قيام النواب المسلمين زائد نائب مسيحي واحد بانتخاب في يوم ما رئيس ‏للجمهورية؟ وهل هذا يعني قيام نواب من لون واحد ومن مذهب واحد في هذه الجلسة بانتقاء ‏اسم الرئيس المقبل؟ ومع مجلس نيابي جرى زيادة نوابه عشرين نائبا ليصبح 128، وهو ما ‏كرس الارجحية الاسلامية السياسية في مجلس النواب، كيف يمكن ضمان المستقبل؟ هل يعي اصحاب ‏هذه النظرية «الفذة» انهم يسرعون في الانهيار السياسي للمسيحيين مستقبلا، او على الاقل ‏التمهيد للقضاء عليه، حسنا، ولكن ماذا لو قرر النائب سعد الحريري مستقبلا ووفق قاعدة ‏حضور الاغلبية فقط، ان يطرح نفسه بعد مدة رئيسا للجمهورية؟ ‏
خصوصا وان الدستور لم يحدد طائفة الرئيس. هل يعي هؤلاء مدى الاخطار التي يزرعونها ‏للمسيحيين مستقبلا؟.‏
قد لا يكون ذلك غريبا اذا ما رأينا كيفية التعاطي مع قانون الانتخاب، فمن اجل بضعة ‏مقاعد نيابية يعمل البعض على ضرب تقسيمات على مستوى القضاء لصالح الدوائر الوسطى، ‏ووفق خطة تقضي بالمطالبة بالدائرة الفردية بداية وهو ما سيؤدي الى اصوات معارضة في ‏المقابل، على ان ينتج في نهاية هذا الجدل تحقيق الدوائر الوسطى كحل وسطي والتي هي ما بين ‏تسعة و11 دائرة.‏
وليس مهما عندها خسارة الحضور السياسي لجزين ولا لزحلة التي ستلصق بالبقاع الغربي ولا ‏للاشرفية ولا لبعبدا، ولا لاقضية الشمال.‏
فالمهم بالنسبة للبعض حساباته بعيدا عن مصلحة المجموعة.‏
حين جرى التفاوض لاقرار اتفاق الطائف، كان رأي البعض ان ذلك لا يعني شيئا، لان اتفاق ‏الطائف سينفجر من الداخل وهو لن يرى النور. وان حصل العكس.‏
واليوم هنالك من يبدد ما تبقى من الرصيد السياسي للمسيحيين على اساس انه قادر على ‏اعادة تقويم الوضع مستقبلا «سذاجة» لا تجد لها مكانا في احداث التاريخ القريب والبعيد على ‏السواء مساكين هم المسيحيون في لبنان.‏
المصدر - الديار