11-10-2008

الرئيسيةأخبارأخبار الوطناتصل بنا 
 

مدينة بانياس... وما زال الفساد مستمراً

معن عاقل 

 

جبران خليل جبران سيرافقنا في رحلتنا هذه، ليس بوصفه أديباً أو شاعراً ولا باعتباره صاحب سيرة ذاتية شهيرة في كتاب تراجم، إنما فقط كاسم لشارع أو جادة في مدينة بانياس، اسم قال بالتأكيد وكتب عبارات أستطيع أن أجزم أنها تنبؤية وقادرة على تلخيص واقع هذا الشارع المسكين الذي صار شارعه رغم أنفه، شارعه القادر على إلهامه بأبيات شعر أشد أثراً وتأثيراً من أبياته الملازمة لكل طلاب المرحلة الثانوية:


والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا به ويستضحك الأموات لو نظروا


فالسجن والموت للجانين إن صغروا والمجد والفخر والإثراء إن كبروا


وقاتل الجسم مقتول بفعلته وقاتل الروح لا تدري به البشر


حسن، إن دخلتم إلى شارع جبران خليل جبران في منطقته بعمرائيل أوبين العقارية ستجدونه مستقيماً على غرار الاستقامة التي دعا إليها أديبنا في حياته، ومعبداً وعريضاً مثل كل الطرق المؤدية إلى الجحيم، وفي نهايته ستشاهدون بنائين على الهيكل أشيد بسرعة فائقة، ولن يلفت نظركم أي شيء غير طبيعي إلا إذا كان أحدكم يحمل كاميرا ويريد التقاط بعض الصور، عندئذ، ربما سيفاجئكم حارس أو بواب يركض نحوكم طالباً منكم الحصول على إذن صاحب الأبنية.


هنا، قد يخطر ببالكم أن تعيدوا النظر إلى المشهد بعين أخرى وتطرحوا على أنفسكم مجموعة أسئلة منطقية:


لماذا الشارع معبد وباستقامة واحدة لمسافة 300 متراً تقريباً وبعرض 18 متراً وفي نهايته بنائين يبدوان كسد، أو كأنهما أوجدا ليحجبا الواجهة البحرية، ولماذا جرى تعبيد الطريق كل هذه المسافة وتوقف عند الأربعين متراً المتبقية التي يفترض بها أن تفضي إلى الكورنيش؟


لو كنتم مكاني لأجبتم ببراءة أيضاً: إن المنطق والحس الجمالي لا يستدعي مثل هذا التشويه لطريق يعتبر جزءاً من الكورنيش، إضافة إلى عدم وجود عائق طبيعي أو اصطناعي يستدعي مثل هذا الانحراف.


بيد أن الأمر لا يتعلق بالمنطق ولا بالجمال ولا حتى بالقانون والمخطط التنظيمي، إنه يتعلق بعامل أكثر جوهرية: المصلحة.


واهتمامنا هنا لا ينصب على المخالفة بحد ذاتها، إذا أمكن إثبات أنها مخالفة، إنما يتركز حول ردود الأفعال المختلفة لأعضاء مجلس مدينة بانياس إزاء ما يمكن اعتباره مشكلة تحثهم على الإجابة سواء بطريقة قانونية أو منطقية، ما يعني أن البنائين المشادين في شارع جبران خليل جبران هما مجرد حدث ذي طبيعة خاصة: يحرك الشخصيات دون أن يكون فاعلاً فيها.


يقول أبو رضوان إنه أفرز العقار 1039 بموجب المخطط التنظيمي لعام 1987 بعد أن تنازل رضائياً عن 701 م2 للشارع وتحول إلى أربع عقارات, وعلى الطرف الآخر من الطريق هناك العقار 1038 الذي استملك منه ما يقارب 350 م2 لصالح الطريق أيضاً عام 1994 بالقرار 351.


لكن أبو رضوان فوجئ برفع شارة الإستملاك عن العقار 1038 عام 2005 من قبل مجلس المدينة بعد أن تنازل صاحبه عن مساحة 128 م2 في غير جهة الاستملاك وفرزه وحصل على ترخيص بالبناء عليه وهو ما اعتبره تزويراً فاضحاً لأن قرار الاستملاك لا يلغيه مجلس مدينة ولأن امتداد طريق جبران خليل جبران تعرض للتضيق وبالتالي حرم من حقه بالترخيص لبناء أربع طوابق وفق نظام ضابطة البناء, في حين أن العقار المقابل استفاد من 128 م2 المتنازل عنها على طريق آخر عرضه 18م مربع وأعطي رخصة لبناء بأربعة طوابق, إضافة إلى أن مجلس المدينة باعه فضلة ليستطيع استكمال الترخيص.


بتاريخ 4/4/2005 تقدم أبو رضوان إلى رئيس مجلس المدينة بطلب الحصول على بيان وضع تنظيمي للعقارين (1893 ـ 1892) المفروزين من العقار (1039) فجاء الجواب التالي:


إن العقار رقم 1893 عليه إشارة استملاك بمساحة تقريبية 156 م2 والباقي سكن أول نسبة البناء 50 بالمئة ولأربعة طوابق والعقار 1892 عليه إشارة استملاك بمساحة تقريبية 180 م2 والباقي سكن أول نسبة البناء 50 بالمئة ولأربعة طوابق.


في عام 2008 تغير الوضع واكتشف أبو رضوان أن العقار 1893 مكتسح منه بحدود 370 م2 والعقار 1892 مكتسح منه نحو 310 م2.


المهندس جمال ياسين مدير الرخص في مدينة بانياس لم يستغرب الأمر, فحالة وجو كروكيين في بانياس مختلفين لنفس العقار شائعة جداً وبالصدفة نادى لأحد المارة في رواق مجلس المدينة يدعى المحامي محمد مخول روى قصة شبيهة تماماً بحالة أبي رضوان:


أفرز العقار 1576 في عام 1956 ودخل التنظيم عام 62 والمساحة المتبقية للعقار 1698م2 وتقدم بطلب وضع تنظيمي فجاءه الجواب أن العقار معد للبناء بمساحة 551 م2 والباقي مرافق عامة وإثر هذا الشرح اشترى الأرض وعند ما جاء في المرة الثانية للحصول على بيان وضع تنظيمي قيل له إن العقار بسبب وضعه لا يصلح للبناء ويتساءل مخول في النهاية كيف أعطوني جوابين متناقضين حول الموضوع ذاته والنتيجة تورطت واشتريت أرضاً بثلاثة ملايين ليرة.


يعلق المهندس جمال ياسين مختصراً: مجلس مدينة بانياس هو عبارة عن مافيات وهم عالقون ببعضهم البعض, صراعهم على المال وليس على المبادئ.


بدوره رئيس مجلس المدينة عدنان الشغري أكد هذا الوضع بقوله: هنا, عن جد مافيات، فماذا تفعل؟


جاءت هذه العبارة في سياق حديثه عن الرد المنشور في جريدة الثورة على تحقيق حول واقع المخالفات في بانياس, إذ يعتبر الشغري أن رئيس الدائرة الفنية آصف صخرغشه وجعله يوقع على الرد معتقداً أنه سينشر باسم صاحبه ويعترف بالنهاية أن الخطأ خطأه كرئيس مجلس مدينة, فما كان ينبغي عليه التوقيع.


يقول الشغري: أنا مهندس ميكانيك ولست مهندساً مدنياً, جاءتني شكوى أبو رضوان وأحلتها إلى دوائر الفنية والتنظيم والرخص فكان جوابهم: الرخصة صحيحة, والخطأ ارتكب عام 2005 عندما فرزت الأرض وعليها إشارة استملاك, مضيفاً أن ما يجب البحث فيه هو اللعبة التي حدثت حتى وصلت الرخصة إلى هنا, لا البحث في الرخصة لأنها سليمة مئة بالمئة.


هنا أود أن اقتطف بعض العبارات لرئيس مجلس المدينة قالها أثناء حواري معه:


*إذا كل معاملة إفراز يجب أن آتي بها وأفتحها وآتي بالمسطرة وأقيسها وأذهب على الواقع, فمعنى ذلك السلام عليكم.


*أنا كرئيس مجلس مدينة إذا كان يجب أن أكون مسؤولاً عن صحة منح الرخصة فمعنى ذلك السلام عليكم.


وعندما طرحت على الشغري مسألة البنائين من زاوية منطقية وجمالية رد علي بالواقعة التالية:


جاءني حكم بالسجن لثلاثة أشهر لأنني عملت منطقي مثلك, حصل شخص على حكم قضائي ضد البلدية لتدفع بموجبه 23 مليون ليرة وأنا أعرف أنه كله سرقة بسرقة ولا يستحق 5 ليرات سورية, وله عشر سنوات يقيم الدعاوى.


يمكن تشبيه ما حدث هكذا: لدى أحدهم أرض يملكها منذ خمسين عاماً, جاء آخر واشتراها منه وأقام في اليوم الثاني دعوى ضد البلدية أنها شقت فيها شارعاً وأنه يريد فوائد عن ثلاثين عاماً.


الطريف أن البلدية ليست من شق الشارع والمسألة تعود إلى عهد فرنسا وقبل وجود الدولة السورية المستقلة.


عملوا لعبة, غيروا الصفة التنظيمية للجزء الثاني من العقار إلى حديقة وتملكوا كامل العقار وجاء المحافظ وشجرها في عيد الشجرة وجاء في الدعوى أن البلدية هي من شجرتها وأخذوا سعر الشجر فيها.


جاءني حكم قضائي يقضي بدفع فوائد لثلاثين عاماً, فحولته إلى المحاسب لإجراء اللازم, لكن هذا الأخير أوقف الصرف لمدة أسبوع وكتب أن هذا سرقة, فأقاموا علينا دعوى إساءة استخدام سلطة, وسجن المحاسب وحكمني القاضي، وعندما تحدثت إلى رئيس قضايا الدولة بالأمر قال لي حتى لو كنت تعرف أن الحكم القضائي كله كذب وغلط نفذه.


المهندس سمير ديوب نائب رئيس مجلس المدينة قال إنه نبه إلى الخلل في الرخصة في محضر رسمي أعطانا صورة عنه وفوجئ بأنها منحت في اليوم ذاته مضيفاً أن الشارع مستملك وأن التنظيم غير الاستملاك, أي التنظيم منحرف عن الاستملاك, لذلك قدمنا طلب للمحافظ عندما كان أدهم جركس رئيس مجلس مدينة بأن الجمعية تريد تنفيذ الشارع وهو مستملك باتجاه التنظيم فأتانا توجيه بإعادة الشارع إلى الوضع المستملك.


يضيف ديوب: جاء رئيس الدائرة الفنية الذي حدثت الصفقة عنده فقال إن اللجنة كلفته بكل الشارع ماعدا هذين العقارين فسألته لماذا رسمت الشارع وأعلنته لمدة شهر ما عدا هذين العقارين, أجابني أن البنات أخطأوا بالرسم, طيب, إذا البنات أخطأوا, هل آتي ثاني يوم وأصحح بالكوريكتر قانون الاستملاك, هذا ما حدث.


عندما سألت م. ديوب عن ملكيته لجزء من العقار المفروز رد بأنه صاحب مكتب هندسي ومن حقه البيع والشراء, وأنه اشترى جزءً من العقار وباعه ناعتاً أولئك الذين يستخدمون هذه الواقعة ضده بأنهم وسخون أبناء وسخين.


المفاجأة كانت عند سامر شاهين, فهو يؤكد أن من فرز الأرض وسعى بالمعاملات هو على حد زعمه سمير ديوب وبناء على ذلك معظم المالكين اشتروا بمن فيهم سمير ديوب نفسه وسامر شاهين هو صاحب الرخصة مع شريكه علي عباس للبنائين موضوع هذا التحقيق.


شاهين وزع نيرانه في جميع الاتجاهات, بدأ بأبي رضوان وأولاده متهماً إياهم بالتزوير والخداع, مبرزاً بعض الوثائق التي جمعها تمهيداً لرفع دعاوى جزائية ضدهم وعندما قلت له إن المسألة برمتها ليست شخصية وأن هناك خللاً حدث بغض النظر عن أسماء المالكين, وجه نيرانه إلى ديوب ومن ثم إلى مجلس المدينة كله, مؤكداً أنه اشترى الأرض وفق التنظيم وسورها أمام عيونهم وأنه بحسب علمه التنظيم الجديد أقوى من القديم ومسألة الاستملاك لا تعنيه بشيء ولا يعرف عنها شيئاً لأن سمير ديوب هو من فرز الأرض.


شاهين, الذي خسر طابقاً في بنايته إثر شكوى أبو رضوان لأنه فرغ الوجائب, قال إنه لا توجد بناية في بانياس كلها غير مفرغة الوجائب بما فيها بنايات سمير ديوب مبدياً استعداده لجولة وتصويرها كلها مضيفاً: الله يلعن.. أخته لمجلس المدينة منذ تأسيسه حتى الآن لأن كله مصالح شخصية وأنا يا غافل إلك الله أعمر بناية وفرغت الوجيبة من أجل إنارة القبو لكنني لا أعلم أنها ممنوعة.


منير بيضون عضو مكتب تنفيذي استغرب ما يقوم به سمير ديوب, مؤكداً أن هذا الأخير هو من فرز العقار ويعرف المشكلة واشترى الجزء المتعلق به أخفض بـ 4-5 آلاف ليرة عن جيرانه مقابل أن يمشيه في البلدية واستغل نفوذه وأساء استعمال سلطته مضيفاً أن شباب البلدية لم يعملوا له ببلاش, فلماذا يثير الآن الموضوع.


وأوضح بيضون أنه عندما أخذ مجلس المدينة قراراً بالعقارات وأرسلوها إلى اللجنة الإقليمية ظن رئيس قسم التنظيم أن التعديل يشمل حتى نهاية العقارين وعندما جاء قرار اللجنة الاقليمية فوجئ بأنهما غير واردين بالتعديل, هنا عمد رئيس قسم التنظيم إلى محوها بالكوريكتر فقال سمير والشباب إن هذا تزوير, ومقابل أن يمشي الإفراز, أشرف بنفسه على التزوير, إن كان هناك تزوير, وهو آذى جميع المهندسين الذين تعاملوا معه.


آصف صخر قال إن الكروكي يطابق المخطط التنظيمي وما يجري الحديث عنه اليوم قديم فالمواطن اشترى أرضاً وذهب إلى المصالح العقارية ولم يجد عليها أي إشارة وجاء إلى البلدية وجرى تطبيق مخطط تنظيمي سكني كامل, فهل هناك ما يمنع.


علي البوز لا يتوقع وجود أي خطأ في عملية الإفراز لأنها تأتي إلى البلدية والخدمات الفنية مرتين وتحتاج إلى موافقتين مبدئية ونهائية, وعندما جاء الإفراز لم يكن هناك استملاك أول مرة, وذهبت المعاملة إلى الخدمات وحصلت علي موافقتها ولا شيء يدل على الاستملاك بالنسبة لي, بل إنني علمت به الآن فقط.


ويضيف البوز: في عام 1995 طرأ تحديث على المخطط التنظيمي لبانياس وحدث انزياح في 3-4 مناطق وأعلنت في البلدية والمواطن لم يتوقع أن لديه مقسماً انضرب ولا أحد يأتي ليراجع وعندما يأتون ليرخصوا يكتشفون الأمر.


قلت في البداية إن الأمر يتعلق بمصالح, وبحسب بيضون ربح سمير ديوب في هذه الضربة أكثر من عشرة ملايين ليرة وبالمقابل خسر أبو رضوان بهذه الطريقة الملايين, لكن المهم في الحالتين هو استعداد أولي الأمر في مجلس مدينة بانياس للتفكير بمصالحهم قبل مصالح مدينتهم أو الأصح عدم قدرتهم على تمرير مصالحهم الشخصية إلا على حساب مصلحة مدينتهم وجماليتها.


في اتصال هاتفي لرئيس مجلس المدينة عدنان الشغري وافقني الرأي على أن المشكلة تكمن في أن أغلب أعضاء مجلس مدينة بانياس متعهدون وتجار أراضي وبناء وأضاف: تصور أن أحد أعضاء مجلس المدينة يدعى أسامة عثمان رفع دعوى على المجلس إذا ربحها سنضطر لدفع ما يقارب 300 مليون ليرة، وأكثر من ذلك تصور أن سعر إشغال المتر على البحر كان في العام 1992 نحو 20 ليرة وأصبح الآن بعشر ليرات فقط واتخذ مجلس المحافظة قراراً بذلك لأن بعض أعضاء مجلس المدينة والمحافظة تقتضي مصالحهم اتخاذ مثل هذا القرار، وطلب مني أن أتخيل كيف يمكن لمثل هؤلاء الأشخاص أن يدافعوا عن مصلحة مدينتهم وكيف يكونون في مجلس ويرفعون دعاوى عليه.


جبران خليل جبران لن يستيقظ أبداً ليقول شعراً في شارعه لكنه لو سمع كلمة مافيا التي ترددت على ألسن معظم أعضاء مجلس المدينة ولو سمع الشتائم النابية التي تفوهوا بها إزاء بعضهم البعض, ربما لتجرأت روحه على الاحتجاج على الجحيم الذي أقحم اسمه فيه.
 

المصدر:صحيفة الخبر السورية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها