Syrian Observatory

الرئيسيةأخبار

14/04/2008

      المعيار الحقيقي لأي تقدم هو الإنسان الحر وكل ما عداه كلام لا طعم له ولا لون
المفكر الفلسطيني أحمد برقاوي لالراية( 1ـ2 )

المجتمع العربي يعيش منذ الثمانينات حالة من العطالة التاريخية
ليس هناك معتدل وغير معتدل ولا معسكرات في إطار السلط العربية الحاكمة
العرب فاقدو الإرادة السياسية ولا دور إيجابياً فاعلاً لهم في مصير المنطقة
إيران تعتقد أن لها رسالة ومجالها الحيوي للنفوذ هو المنطقة العربية
غياب الحريات والاصلاح هو المشكلة العقد والأهم فى الوطن العربي
لكى يستعيد المجتمع قوته الأخلاقية والاقتصادية والسياسية يجب أن يستعيد حريته
إ يران تفكر بمصالحها وليس بمصالح الأخريين ولذلك تدعم عملاء الاحتلال بالعراق

 

 

الدكتور أحمد برقاوي مفكر وفيلسوف فلسطيني معروف بأطروحاته المتوازنة والعميقة في تشريح الواقع العربي المعاصر. هو أحد أشد دعاة الحرية ويعتبر غيابها نتيجة وسبباً في آن معاً لحالة الركود التي يعيشها العالم العربي.

يري الدكتور برقاوي في هذا الحوار مع "الراية" أن غياب الحريات يمثل المشكلة الأعقد والأهم بالنسبة للعرب، ذلك أن قمع الحريات يؤدي إلي قمع الأنا في أن يعبر عن ذاته بحرية، وبالتالي يجعل المجتمع مجموعة من الكائنات الحيوانية التي لا حول لها ولا قوة.. وبحرمان المجتمع من هذه الكائنات يصبح التطور في مأزق. ويؤكد برقاوي أن المعيار الحقيقي لأي تقدم هو الإنسان الحر وكل ما عداه كلام لا طعم له ولا لون.

ولد أحمد برقاوي عام 1950. يعمل أستاذاً في قسم الفلسفة بجامعة دمشق منذ عام 1980. وهو نائب رئيس الاتحاد الفلسفي العربي. من مؤلفاته: "محاولة في قراءة عصر النهضة، العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ، أسري الوهم، العرب والعلمانية، العرب وعودة الفلسفة، الأنا".. وغيرها.

الراية زارت المفكر الدكتور أحمد برقاوي وأجرت معه الحوار التالي:

إذا أردت أن تطلق توصيفاً للواقع العربي الراهن.. ماذا يمكن أن تقول؟

إن أدق توصيف للواقع العربي هو أنه واقع يتميز بالركود.. وأقصد بالركود غياب أي قوة مجتمعية صاعدة تطرح مشروعاً تاريخياً يتجاوز الواقع الراهن. وبكلمة أدق يتميز الوطن العربي بركود تاريخي لأن قلب المجتمع وتحديداً الفئات الوسطي قد جري تدميرها عمداً، وبتدمير هذه الفئات دمرت الثقافة والأفكار والإيديولوجيات، ودمر أيضاً المجتمع السياسي الذي يقوم في الأساس علي قوة هذه الفئات، فكان من جراء هذا التدمير أن عاش المجتمع العربي ويعيش منذ الثمانينات وحتي الآن حالة من العطالة التاريخية.

ولذلك تفهم كيف يجري الواقع علي نحو سلطة ضعيفة علي المستوي التاريخي لا حول لها ولا قوة، يقابلها مجتمع ضعيف مستمر علي هذا النحو، وبذلك لا تستطيع أن تفسر استمرار هذا الوضع للسلطة إلا باستمرار هذا الوضع للمجتمع، ذلك أنه لا يقوم صراعاً بين ضعيفين.

واقع كهذا من الصعب أن يستمر

ثمة حالة انقسام عربي ظهرت بجلاء في قمة دمشق الأخيرة.. يضاف إلي ذلك عملية الفرز بين محور معتدل وآخر غير معتدل، ممانع أو متطرف.. وما إلي ذلك من تسميات. في ضوء ذلك كيف تستشرف المشهد السياسي العربي وفي أي اتجاه يسير برأيك؟.

أولاً أنا لا أري أن هناك اختلافاً جوهرياً عميقاً في المشهد العربي كما يُظن، وأنت تتحدث هنا علي مستوي مواقف السلط العربية وكأن هناك سلطاً مختلفة. لكن في الواقع ليس هناك سلطاً مختلفة اختلافاً يصل حد التناقض أو حد قيام معسكرين. ولو سألت أي شخص مما يتشكل المعسكران؟ من هو المعتدل ومن هو غير المعتدل؟ لن تجد جواباً وافياً ومقنعاً.. إذا أنت لا تستطيع أن تعطي توصيفاً علي هذا النحو لأن هناك انقساماً عربياً في الوقت الذي ليس هناك انقسام، ولا تستطيع الحديث عن معسكرين في إطار السلط الحاكمة لأنه ليس هناك من معسكرات. إذا كان موقف دولة من الدول مختلف عن دول أخري فهذا لا ينتج معسكرين بل ينتج موقف دولة تجاه سياسة معينة، وإذا قلت لي بأن هناك تناقضاً بين المجتمع والسلطة.. فهنا نحن أمام معسكرين، والمشهد الحقيقي أن جميع السلط العربية هي بهذا الشكل أو ذاك تابعة للإدارة الأمريكية وتنفذ أجندة أمريكية.. هناك دول فاقعة التبعية إلي حد عدم الخوف من الفضيحة وهناك دول تابعة ولكن ما زال في وجهها نوع من الحياء تخفي تبعيتها شيئاً ما.. هذه السلط في تناقض مطلق مع المجتمع وهنا نتحدث عن معسكرين.

أما أن نقول حزب الله وحماس وسوريا والجهاد والمقاومة فهذا لا يشكل معسكراً سلطويا بالقياس إلي ذلك المعسكر المتشكل.

وفيما يتعلق باتجاه المنطقة، لا أعرف إلي أين يسير ولا أحد يستطيع أن يعرف.. بالنسبة للتاريخ الاجتماعي السياسي صحة التوقعات تكاد تكون صفراً، أنت لا تعرف ما الذي سيجري مستقلاً.. يمكن اليوم إذا ثار الشعب المصري من أجل رغيف الخبز أن يغير المنطقة.

ولكن إذا بقي الأمر علي هذا الحال فإن حجم التناقضات بين السلط والمجتمعات سيكبر وحجم العنف سيكبر، والمشهد العراقي والفلسطيني سيؤثر علي المشهد العربي ككل، وإذا ما وقعت حرب ما في المنطقة، كأن تشن أمريكا حرباً علي إيران أو إسرائيل تشن حرباً علي حزب الله.. فإننا لا نستطيع أن نتوقع حجم التغييرات الراديكالية التي ستحدث.. أنا لا أعرف إلي أين نسير وكل ما أعرفه أن واقعاً كهذا من الصعب أن يستمر.

هل تعتقد بأن العرب ما زالوا قادرين علي لعب دور في حل الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية؟.

العرب فاقدو الإرادة السياسة.. أنت عندما تريد أن تلعب دوراً يجب أن تقرر أن تلعب هذا الدور، وأقصد هنا دوراً إيجابياً فاعلاً في مصير المنطقة، لا دوراً مكلَّفاً به، فإذا لم تكن أنت ذا سيادة علي أرضك ومجتمعك وسياساتك فإنك لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور.. ممكن أن تقوم دولة كبري مثل مصر بوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل بتكليف من الولايات المتحدة الأمريكية أو دولة مثل السعودية أن تقوم بدور إذا هوجمت إيران وهكذا.. أما أدوار فاعلة ففاقد الشيء لا يعطيه.

ازدياد النفوذ الإيراني

هناك من يقول بأن النفوذ الإيراني يزداد في المنطقة العربية من العراق إلي غزة مروراً بلبنان.. ويعلل ذلك بعدم وجود استراتيجية عربية واحدة.. هل توافق علي ذلك التوصيف؟.

أوافق علي الشطر الأول أن النفوذ الإيراني يزداد.. فإيران دولة أمة، وهي من بقايا الدول الإيديولوجية، تحركها إيديولوجيا دينية وكل الدول الإيديولوجية تعتقد أن لها رسالة ويجب أن يكون لها مجال حيوي للنفوذ.. إيران كأمة دولة كبيرة وغنية وذات إيديولوجيا دينية فهي بهذا المعني دولة رسولية تريد أن تمتد في هذا المجال الحيوي ومجالها الحيوي هو في الدول العربية والإسلامية عموماً، في المنطقة الأضعف. لذلك تري مثلاً أن لا نفوذ لإيران في باكستان أو إندونيسيا مثلاً كما هو الحال لدينا، نحن لسنا أمة دولة بل مجموعة من السلط ولذلك من الطبيعي أن يكون لإيران نفوذ من خلال خطابها الراديكالي ضد إسرائيل وأمريكا، ومن خلال قوتها المادية، العسكرية والمالية التي تدعم بها القوي الراديكالية وهذا شيء طبيعي.. يخاف العرب من النفوذ الإيراني ليس علي مجتمعاتهم ولا علي إسلامهم بل علي وضعهم خشية أن تتحول إيران إلي داعمة لحركات راديكالية دينية في المنطقة، ولذلك هي تتصرف بوصفها دولة تتطلع إلي نفوذ خارج حدودها الإقليمي وهذا طبيعي. ومن هنا تري أن إيران تفكر بمصالحها وليس بمصالح الآخرين فهي داعمة لعملاء الاحتلال في العراق وداعمة لحزب الله ضد إسرائيل وأمريكا.. لو كانت حقائق الرياضيات ضد مصالح الدول لأنكرتها.

الإصلاح وغياب الحريات

هناك من يري أن الواقع العربي الصعب والأزمات التي يشهدها ما هو إلا انعكاس لحالة الاستبداد وغياب الحريات وبرامج الإصلاح الداخلي بالدرجة الأولي.. أين تكمن أزمة العرب الحقيقية في رأيك؟.

أنت تطرح الآن المشكلة الأعقد والأهم بالنسبة للوطن العربي. المجتمع يتطور بقوانين موضوعية عفوية مع انتشار الانترنت مثلاً، وهذا واقع موضوعي، فالمواطن العربي عبر الانترنت يتعرف علي العالم. والآن حاجات هذا المواطن تنمو، اقتصادياً يتطور بشكل عفوي وهذا التطور ينقل المجتمع من حالة إلي أخري، هذا المجتمع الذي يتطور يكون صغيراً ثم يتوسع تدريجياً.. فإذا أُنتجت سلطة علي قياس المجتمع في لحظة من لحظات التاريخ، وسأفترض أن هذه السلط التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية هي علي قدّ المجتمع، منذ الحرب العالمية وحتي الآن عدد السكان تزايد والوعي تزايد والتعليم انتشر والاقتصاد تطور والتعرف علي العالم صار أوسع والفئات المثقفة صارت أكبر.. إذاً المجتمع كبر، وبالتالي هذه السلط يجب أن تكبر مع كبر المجتمع، لكن المشكلة هنا أن السلط هي هي.. لم تتغير في حين أن المجتمع كبر وتغير ولم يعد هو هو.. وبالتالي نحن أمام واحد من اثنين، إما أنها يجب أن تتلاءم مع التطورات الموضوعية للمجتمع فتغير من طبيعتها لتتلاءم، أو ستبقي ولكنها ستحتاج لأدوات قمع شديدة لكي تبقي، لكنها اختارت هذا الخيار ولم تختر الخيار المنطقي والطبيعي.

مثال علي ذلك: المملكة العربية السعودية مع بداية القرن الماضي كان المجتمع شبه بدوي وكانت هذه السلطة مطابقة لهذا المجتمع شبه البدوي والرعوي، أما الآن فقد نشأت المدن في السعودية ولم تكن هناك مدن، نشأت الجامعات والمؤسسات.. ومن المفترض أن يتغير هذا الشكل الذي نشأ في بداية القرن الماضي بتغير المجتمع وتطوره، ولكن ذلك لم يحدث، بقي هو هو، وقس علي ذلك كل السلط.

لذلك فكرة الإصلاح هي أن تتطور السلط بما يتطابق مع تطور المجتمعات، هذه هي فكرة الإصلاح وهي مطلب اجتماعي ومطلب داخلي، ماذا يعني أن تصلح السلطة نفسها؟ أي أن تأخذ بعين الاعتبار التطور الموضوعي للمجتمع، خياراته الحرة.. تعليمه.. تطوره وروحه.. هذا التطور يعبر عنه الخيار الديمقراطي وقيام المجتمع المدني.. وهذا هو جوهر الإصلاح. لكن السلطة تفكربالإصلاح وفقاً لحاجاتها للإصلاح.. ما هو المدي الذي تذهب فيه السلطة للإصلاح مع ضمان بقائها؟ وبالتالي وعيها للإصلاح محدود بحاجاتها كسلطة، ووعي أمريكا للإصلاح مشروط بوعي حاجة أمريكا للاصطلاح وليس بحاجة المجتمعات العربية.

أنت من أشد دعاة الحرية.. هل يمكن القول بأن غياب الحريات وافتقاد الشعوب العربية لها هو السبب الأول والأساسي لهذا الواقع العربي الصعب؟.

غياب الحرية نتيجة وسبب في آن معاً، أنت عندما تقمع الحريات تقمع الأنا في أن يعبر عن ذاته بحرية، فأنت جعلت المجتمع مجموعة من الأشياء ومجموعة من الكائنات الحيوانية التي لا حول لها ولا قوة.. وبحرمانك المجتمع من هذه الكائنات جعلت التطور في مأزق.. وبالتالي لكي يستعيد المجتمع قوته الروحية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية يجب أن يستعيد حريته، أنت لا تستطيع أن تصل الشمس بيدين وقيد، يجب أن تكون جناحاً ولا أجنحة لهذا العالم العربي.. ومن هنا ضرورة الكفاح من أجل الحرية.. ضرورة الكفاح من أجل التقدم.. والمعيار الحقيقي لأي تقدم هو الإنسان الحر وكل ما عداه كلام لا طعم له ولا لون.. فإذا وجدت أحراراً وجدت مجتمعاً طبيعياً وإذا وجدت عبيداً فأنت في مجتمع لا حول له ولا قوة. مجتمع عبيد يعني أن هناك طغاة بالتأكيد، وكما قلت سابقاً إن الطغاة يُعبّدون الطريق أمام أقدام الغزاة لأن الطغاة ضعفاء ولا سند اجتماعي لهم، لذلك تراهم ضعفاء أمام الأمريكان وأمام الأجنبي عموماً.

الإرث الثقافي

هل تعتقد أن الإنسان العربي يمكن أن يكون حراً مع وجود هذا الإرث الهائل من العادات والأعراف والتقاليد والتراث؟ وإلي أي مدي يعطل هذا الإرث الثقافي التطور الطبيعي للعرب كدول ومجتمعات؟.

لا حرية تعطي لأحد. الحرية تؤخذ. الحرية تُفترس. ولا أحد يعطيك الحرية، وبالتالي من يريد الحرية يجب أن يدفع أتاوةً.. ثمناً لهذه الحرية. عمال لا يستطيعون أن يأخذوا حقوقهم دون كفاح عمالي.. فلاحون لا يستطيعون أن يأخذوا حقوقهم دون كفاح فلاحي.. مثقفون إذا ظلوا يخشون القول فإنهم لن يستطيعوا أن يحققوا أي حرية لذاتهم. وبالتالي كل في مجاله يجب أن يدافع عن حريته حتي ينالها، أما أن تنتظر منة من السلطة كي تعطيك الحرية فلن تنالها.. من مصلحة السلطة أن لا تكون هناك حرية لأن فاقد الشيء لا يعطيه.. هم المشكلة، فهل يمكن للمشكلة أن تحل مشكلة؟!.

أما بالنسبة للعادات والتقاليد والقيم.. فهل تري أن هذه البلدان العربية هي هي قبل خمسين عاماً؟ هل قيمها وعاداتها هي هي؟ هذه القيم والعادات والتقاليد تتغير بتغير العصور.. بلد مثل الإمارات هل هي نفسها قبل خمسين عاماً مفهوم البيت لم يكن موجوداً في الإمارات. الثقافة بطيئة التغير لكنها تغيرت ونحن نسارع في التغير إذا ناضلنا من أجل الحرية.. لذلك لا يمكن القول بأن هناك واقعاً قاسٍياً لا يمكن التحرر منه.. عندما افتتحت جامعة دمشق كان هناك امرأة واحدة في الجامعة أما الآن فإن 60 % من طلاب جامعة دمشق هم من النساء.

هل تعتقد أننا قادرون كعرب علي تغليب المصلحة الوطنية علي الأنا الطائفية والعرقية والعشائرية...؟.

طبعا قادرون.. لو لم نكن قادرين لما كنا نناضل من أجل هذا.. جاء حين من الدهر كانت تجري انتخابات في بلدان المشرق العربي بمعزل عن الانتماءات الطائفية والعرقية، وبالتالي يجب أن نطرح الخطاب من جديد دون خجل أو وجل.. خطاب الهوية من جديد، لأن هذا الخطاب الطائفي الأمريكي المستند إلي قوي طائفية يريد أن يكرس هويات ضيقة. الآن في العراق بعد خمس سنوات من النزاعات الطائفية بدأ الوضع العراقي يستيقظ علي هشاشة وقذارة الانتماء الطائفي والهوية الطائفية.. أدرك هذا الوعي العراقي انحطاط الحكيم وما شابهه بوعيه الطائفي وانتمائه غير العراقي، وبالتالي كلما ازدادت مشاكلنا بسبب الطائفية والعشائرية نما وعينا بضرورة تجاوز هذا النمط من الانتماء للهوية، وهذا باعتقادي ممكن.

المشكلة أن السلط لا تريد للمجتمع أن يعبر عن ذاته.. لو أن المجتمع قادر علي التعبير عن ذاته لرأيت خطاباً جديداً وقوي جديدة تخرج إلي السطح، البعث أسسه ميشيل عفلق المسيحي، وحكم بلدين سوريا والعراق ولم يهتم الشامي أو العراقي إلي أن هذا الرجل مسيحي.. لم يكن لدينا مثل هذه الانتماءات.

أنتم كما يُولّي عليكم

هل تري أن الواقع العربي الراهن هو نتاج لضعف البنية المؤسساتية أم لبنية مجتمعية غير منسجمة مع متطلبات النهوض بهذا الواقع؟.

الضعف العربي له أسباب كثيرة، ضعف المؤسسات هو أيضاً نتيجة وليس سبباً، والمشكلة أننا يجب أن نري النتيجة كيف تتحول إلي سبب.. ماذا يعني ضعف المؤسسة؟ كلما كانت السلطة ملتهمة للمجتمع والدولة ضعفت المؤسسة، وكلما ضعفت المؤسسة ازدادت عذابات المجتمع وتخلفه.. وبالتالي أنت لا تستطيع أن تصلح المؤسسة دون إصلاح السلطة، فإصلاح السلطة شرط لإصلاح المؤسسة. ماذا يصلح المؤسسات؟ هذا قرار سياسي وليس قراراً مؤسساتياً، وبالتالي هم أضعفوا المؤسسة فأضعفوا المجتمع.

لكن هناك وجهة نظر تقول بأن هذه السلط هي نتاج لثقافة المجتمعات العربية السائدة بمعني "كما تكونوا يولي عليكم"؟.

قد تكون السلط عبرت في لحظة ما عن مستوي تطور المجتمع، لكن بعد أن تطور المجتمع لم تعد تعبر عنه، والحقيقة أنتم كما يولي عليكم، وليس كما أنتم يولي عليكم. السلطة تقوم بدور هائل بطبع المجتمع بطابعها، أي أن وعيها الاستبدادي ينتشر بواسطة ليصبح وعي كلي.. انحطاطها الأخلاقي ينتشر ليصل إلي انحطاط كلي.. وفسادها ينتشر بفساد كلي.. وبالتالي هي التي تخرب المجتمع وكما هي يصير المجتمع علي هواها.

الإسلام السياسي والسلطة

الكثير من المثقفين يرجعون تنامي شعبية التيارات الإسلامية في العالم العربي إلي فشل نماذج الحكم التقليدية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.. بمعني أن حركات الإسلام السياسي ما هي إلا نتاج أو رد فعل علي عجز الأنظمة العربية عن بناء دولة المواطنة والمؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية.. ماذا تقول في ذلك؟ وهل تري أن هذه الحركات صادقة وجادة في شعاراتها وبرامجها؟.

أولاً: أن تكون السلطة هي التي أنتجت هذه الحركات بشكل غير مباشر بسبب سلوكها فهذا لا شك فيه.. ثانياً: السلطة لم تفشل لأن من يفشل يكون قد حاول ثم فشل، لكنها لم تحاول أصلاً حتي تفشل.. ما قامت به عملياً هو ما تريده، ولم يكن لديها المشروع وفشل، لو كان لديها مشروع وفشل فهذا شيء جميل، عندها نستطيع أن نرتب ونغير بهذا المشروع كي ينجح.. وهي إما أنها مارست ما مارسته عن سابق تصميم وإصرار، بمعني أنها لم تكترث بردود الفعل التاريخية للطبقات الاجتماعية والسياسية الاجتماعية فهي باعتقادها وقد دمرت المجتمع السياسي قد أمنت نفسها من أية حركات راديكالية يمكن أن تزعجها، ونسيت أن هذا المجتمع لا يطيق الفراغ، وبالتالي بعد أن فقد المجتمع شخصيته السياسية شيئاً فشيئاً وجد طريقة إلي الله.. إلي الإسلام الذي ينطوي علي المقدس والذي فيه أوامر إلهية بضرورة الجهاد وبضرورة القيام علي الحاكم الجائر.. وهكذا انسحب جزء من المجتمع من ركوده وملله إلي حركات راديكالية إسلامية اعتقاداً بأنه بالاتكال علي الله يمكن أن يغير هذا الواقع.. وكما تعلم كلما تعست الأرض ازدهرت الإيديولوجية الدينية، وبالعكس كلما كانت الأرض سعيدة وحرة تخف الإيديولوجية الدينية.. فعندما أفقدت السلطة المجتمع حرية التعبير و حرية القول وأفقدت المجتمع لقمة العيش خرج الإسلام السياسي، مشروع الإسلام السياسي مشروع ماضوي وليس مشروع مستقبل، يقوم علي إعادة الماضي إلي الحاضر، وهذا أمر مستحيل.. وهكذا نعيش مأزقاً فظيعاً ونعيش تناقضاً بين قوي إسلامية شبيهة بقوي السلطة، وبالتالي هما حدان متشابهان، وهذا الصراع لا يثمر جديداً بل يثمر خراباً مجتمعياً، ولهذا فان هذا الصراع يقوي الدولة الأمنية ويقوي أجهزة السلطة لأنها لا تريد أن تفكر بأسباب ظهور هذه الفئات اجتماعياً وسياسياً، فتلغي الشروط التي أنتجتها، بل تريد أن تفكر فقط كيف نقضي علي هذه القوة المسلحة، وهؤلاء لديهم وعي ديني إلهي قدري بالمقاومة، وهكذا نكون نحن أمام خراب تاريخي، سلطة متخلفة تاريخياً تقاتل فئات متخلفة تاريخية.

أما بالنسبة لصدق هذه الحركات فأنا أري أنها صادقة مئة في المئة، وأسامة بن لادن صادق مئة في المئة وكل إسلامي يموت من أجل مبدئه صادق مئة في المئة وجاد مئة في المئة.. نحن لا نناقش هذا، ولو لم يكن جاداً وصادقاً فإنه لا يموت من أجل موقفه، لكن أن يكون صادقاً ومبدئياً وملتزماً التزاماً أخلاقيا بمبدئه شيء، وأن يكون قادراً علي صنع تاريخ جديد شيء آخر. يوجد شيء جميل في الحركات الإسلامية لذلك ليس صحيحاً أن هؤلاء ليسوا مسلمين بل إن هؤلاء مسلمون حقيقيون وأكثر إسلاماً من أي رجل سلطة في الوطن العربي.

الإسلام السياسي والديمقراطية

في حوار سابق مع "الراية" رأي المفكر صادق جلال العظم أن خطاب التيارات الإسلامية تملقي تكتيكي.. هو توافقه علي ذلك؟.

الخطاب الإسلامي ليس خطاباً تملقياً.. هو خطاب صادق وحقيقي ينطبق علي جميع الحركات الإسلامية، هم مسلمون وينطلقون من إيديولوجيا إسلامية.. إذاً ما الذي يدعوهم للكذب؟ أعتقد أن خطابهم صادق ولكن إذا وصلوا إلي السلطة فللسلطة موقفها ولا يكونوا يكذبون، لأنهم إذا وصلوا إلي السلطة فإنهم يعتقدون أن هذا تكليف إلهي ولذلك لا يتركون السلطة، لكن إذا وجدت تجربة ديمقراطية قوية في المجتمعات ودستور يخضع له الجميع وقوي مجتمعية ومؤسساتية تحمي الدستور، فإن تغيّراً في الحركة الإسلامية قد يحدث بالقبول بتداول السلطة كما هو حاصل في تركيا.

لكن ألا تري أن الواقع الموضوعي الذي سمح بإنتاج حزب العدالة والتنمية في تركيا غير متوفر لدينا في العالم العربي.. بمعني أن علمانية تركيا وديمقراطيتها هي التي سمحت لحزب إسلامي بالترشح للانتخابات والفوز بها؟.

الآن في الوطن العربي التجربة العربية تختلف عن التجربة التركية. تركيا مرت بسلسلة حركات وانقلابات وفي النهاية أخذت بالخيار الديمقراطي، عبر هذا الواقع وعبر هذه الحالة جاء حزب العدالة، لكن هذا الحزب خاضع لدستور ولدولة ذات طابع علماني لا يستطيع أن يغيرها.. أنت قادر علي فعل ذلك أم لا؟ إنك قادر لكنك لا تريد.. فإذا أردت القيام بإصلاح جدي في مؤسسات السلطة والمجتمع لانتقلت إلي نظام علماني ديمقراطي.. لكن ما يجري أنك تضعف الحركات الأصولية ويظهر إسلام كالإسلام السياسي التركي.

هل تري أن العلاقة بين الإسلام والديمقراطية هي علاقة انفصام وتناقض أزلي.. أم أن هناك تقاطعات وقواسم مشتركة؟.

لا يوجد شيء اسمه علاقة بين الإسلام والديمقراطية بل يوجد شيء اسمه علاقة بين واقع ما يعيشه المسلمون وبين الديمقراطية. لا يوجد شيء اسمه فكر سياسي إسلامي بل يوجد أفكار وإيديولوجيات إسلامية.. ما هو الإسلام؟ هل هو إسلام ولاية الفقيه في إيران. أم الإسلام السني؟ أم إسلام بن لادن؟ أم إسلام الوهابية؟ أم الإسلام العلوي أو الدرزي أو الاسماعيلي؟... أم إسلام المؤسسات الرسمية كوزارات الأوقاف ذات العلاقة مع السلطة؟.. عن أي إسلام تتحدث إذاً؟!.

الإسلام تاريخي.. متعين تاريخياً بأشكال متعددة.. كل حالة قد تستند إلي إسلام ما وتُؤوّل الإسلام وفق حاجاتها، فيمكن أن يكون الإسلام أساساً لوعي ديمقراطي، ويمكن أن يكون أساساً لوعي استبدادي.. وبالتالي إذا أقمت مجتمعاً ديمقراطياً علمانياً، فانك تضع أساساً لإسلام ديمقراطي.. والعكس صحيح، لذلك الإسلام الأصولي "البنلادني" لم يظهر إلا برد فعل علي سلطة تشبهه بشكل أو بآخر.

الواقع الفلسطيني

الانقسام الفلسطيني الفلسطيني مستمر بصور مختلفة.. إلي أي مدي في رأيك يمكن أن يؤثر بقاء هذا الانقسام علي القضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني؟.

إذا نظرت إلي الاختلاف الفلسطيني تري أنه قديم لكنه دائماً كان اختلافاً إيجابياً بالنسبة للقضية. عندما يكون هناك جبهة رفض ومعسكر مع حل سلمي يختلفون علي شعار سياسي غير قابل للتحقق.. بمعني أن الذين كانوا مع دولة فلسطينية كفتح والديمقراطية والذين كانوا ضد، كانوا مختلفين لكنهم كانوا يحافظون علي منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، فكان هذا الاختلاف محموداً، حتي أبو عمار كان بحاجة ذلك الاختلاف ليقوي ظهره أمام الآخرين، وحتي الاختلاف بين حماس ومنظمة التحرير كان محموداً.. أما أن يصل الاختلاف إلي حد أن حماس تحكم غزة وفتح تحكم الضفة فهذا فضيحة الفضائح ولا يليق بشعب قدم مئات الآلاف من التضحيات.. وهنا تبرز قذارة السلطة ووعي الآخرين للسلطة، وكأن السلطة هي الهدف في النهاية.. ماذا يعني أن تحكم غزة ولا تستطيع أن تخرج من غزة ولا تستطيع التحكم في شيء في غزة؟.. هم عوضاً عن أن يفكروا بالمشروع الفلسطيني ويختلفوا حول المشروع يختلفون حول السلطة.. هذه مهزلة وفضيحة.. وبالتالي هي مضرة بقضية الشعب الفلسطيني ومضرة بوعي الناس الآخرين للقضية.. لقد أصبحنا مهزلة أمام العرب والأوروبيين، صرنا مهزلة أمام المؤيدين لقضيتنا الفلسطينية، وبالتالي يجب أن يتخلوا عن منطق السلطة ويجرون انتخابات ويعترفون يبعضهم البعض.

أين تجد نفسك كمثقف ومفكر فلسطيني من هذا الانقسام.. وهل تري أنه يمثل التحدي الأكبر الآن أمام الفلسطينيين؟.

أنا ضد هذا الانقسام، وأدعو إلي تجاوزه.. أنا ديمقراطي وعلماني، أريد سلطة علمانية ديمقراطية في فلسطين الدولة المستقبلية، أنا لا أفكر بهذا الذي يجري.. خمسة آلاف حاجز في بقعة صغيرة.. إذا كانت الديمقراطية قد أفرزت أغلبية لحماس في المجلس التشريعي، ولدينا قبل ذلك رئيس سلطة تنفيذية أفرزته انتخابات.. صار عندك ازدواج في السلطة.. لكن ألم تجرِ هذه الانتخابات علي أساس أوسلو؟.

أنت أمام خيارين وأنا أقول لحماس ما يلي: إما أن تكوني جزءاً من السلطة التي أنتجتها أوسلو لأنك ثمرتها، أو لا تشتركي في الانتخابات لأن السلطة التي أنتجتها أوسلو هي السلطة التي تقيم علاقات مع إسرائيل وتحاور إسرائيل.. كوني راديكالية تحققي أهدافاً أكبر بكثير من كونك في السلطة، أنتِ في السلطة لا تستطيعين تحقيق شيء لأنك مجبرة علي أن تكوني جزءاً من أوسلو، وهذا هو المقتل الذي ارتكبته حماس لذلك أنا أدعوها للتخلي عن السلطة والاتجاه إلي المقاومة.

الواقع العراقي

بعد أكثر من خمس سنوات علي احتلال العراق.. كيف تري الأوضاع في هذا البلد؟ وهل تعتقد أن الوضع السابق بما انطوي عليه من استبداد كان أفضل بشكل عام من الوضع المأساوي الحالي أو "النموذج الديمقراطي" بحسب التوصيف الأمريكي؟.

لكي تفهم ما يجري في العراق فهماً صحيحاً يجب أن تنطلق من سؤال مهم هو ما العراق؟ العراق هو دولة عربية يبلغ عدد سكانها 28 مليون إلي 30 مليون نسمة ومساحتها الجغرافية 438 كيلو متر مربع.. منطقة ثرية زراعياً وتسبح علي بحر من النفط، هويتها عربية باستثناء منطقة كردية، شعورها بالانتماء العربي شعور قوي.. دائماً كانت تفكر بلعب دور إقليمي خارج العراق، دولة تقع في الخليج العربي وفي أهم منطقة استراتيجية في الوطن العربي بالنسبة للولايات المتحدة والغرب.. أليس هذا هو العراق؟ هذا العراق يجب أن لا يبقي عراقا كهذا في الاستراتيجية الأمريكية والغربية.. هذا العراق الخطر يجب أن يتحول إلي عراق ضعيف مقسم مجزأ فقير.. يحتاج إلي مئات السنين لكي يستعيد عافيته.. وهذا الهدف تحقق باحتلال العراق.

النظام السابق بدكتاتوريته وأنا أمقت الدكتاتور وأمقت صدام حسين كان محافظاً علي العراق، وبالتالي لإزالة العراق كان يجب إ