Syrian Observatory

الرئيسيةأخبار

14/08/2008

هل تغيّر روسيا سياستها فى منطقة الشرق الأوسط؟

د. عبد اللّطيف الحنّاشى

تمثل الأحداث الأخيرة التى عرفتها إحدى مناطق القوقاز، فى عمقها، مجابهة غير مباشرة بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة أخرى، حول دور كل منهما فى المنطقة لتمتد تلك المجابهة وتلامس الكثير من القضايا الحساسة فى منطقة الشرق الأوسط والملف النووى الإيرانى بالخصوص.

وان تمكنت روسيا، على ما يظهر، من تحقيق ما كانت ترغب فى الوصول إليه على الأرض، رغم احتجاج بعض الدول وتردد البعض الآخر وصمت الأغلبية من المؤسسات والأطراف الدولية الفاعلة، فإن من أهم ما كشفت عنه الأحداث وأماطت اللثام عنه الحرب الأخيرة هو الحضور الإسرائيلى فى تلك المنطقة، وتاليا فى هذه الحرب وذلك من جهة دعم "إسرائيل" العسكرى بكل أشكاله لجورجيا.

وكان التعاون العسكرى بين الطرفين قد عرف تطورا كبيرا على خلفية توتر العلاقات بين جورجيا وروسيا منذ منتصف التسعينات من القرن الماضى وذلك بسبب الخلاف على الحدود فى أبخازيا وأوسيتيا وأجاريا. وكان هذا التوتر قد ازداد أكثر فى عهد الرئيس بوتين وخصوصاً بعد الثورة الوردية فى جورجيا وتولى ميخائيل سكاشفيلى الحكم خلفا لشيفرنادزه.

وكتعبير عن أهمية العلاقة بين الطرفين قام الرئيس سكاشفيلى بأول زيارة له خارج البلاد وكانت إلى إسرائيل فى جويلية / تموز من 2004 بصحبة وزير دفاعه جورجى باراميدزه وختمت تلك الزيارة بعقد اتفاقات تعاون مشترك مع أكبر ثلاث شركات لتصنيع السلاح فى إسرائيل.

وحسب بعض المصادر فإن تلك العلاقة بين الطرفين قد انطلقت فعليا قبل نحو سبع سنوات، وكانت ببادرة من بعض اليهود الجورجيين الذين استقروا فى "إسرائيل" وتحولوا إلى وسطاء وتجار وخبراء فى تجارة السلاح.

ثم تطور هذا التعاون إلى مجالات أوسع.. ويظهر أن وصول دافيد كيزراشفيلي، وهو إسرائيلى من اصل جورجي، إلى منصب وزير الدفاع فى الحكومة الجورجية قد أدى إلى فتح الباب واسعا أمام نهم تجار السلاح الإسرائيليين من الجنرالات المتقاعدين للنشاط الحثيث فى تلك السوق الواعدة.

وقد طالت الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى جورجيا، حسب صحيفة "يديعوت احرنوت" الإسرائيلية، أنواعا عدة من الأسلحة والعتاد: طائرات بدون طيار من طراز "هرمز 450" لجمع المعلومات، ومن ميزات تلك الطائرات قدرتها على البقاء فى الجو طوال 20 ساعة متوالية والتحليق بسرعة 170 كلم / ساعة وحمل معدات بوزن 150 كلغرام للتصوير والاتصال ولتحديد أهداف بواسطة أشعة الليزر، كما شمل الأمر قذائف محمولة من طراز "لينكس" وأسلحة دقيقة الإصابة، زهيدة الثمن وبعيدة المدى، إذ تنصب القاذفات على شاحنات قادرة على إطلاق قذائف بأحجام مختلفة المدى وإصابة أهدافها بدقة.

أما فى مجال التعاون التقنى فقد قامت الشركات الإسرائيلية بإدخال الكثير من التحسينات والإضافات التقنية على طائرات "سيخوي25"، بالإضافة إلى بيعها صواريخ مضادة للدبابات وقاذفات صاروخية وبنادق حديثة تمتاز بخفتها وصغر حجمها نسبيا.

وتتمثّل آخر الصفقات قيد التنفيذ بين الطرفين، حسب بعض المراقبين، فى تزويد "إسرائيل" لجورجيا بـ200 دبابة "ميركافا"، ويوجد إلى جانب ذلك نحو ألف من المستشارين العسكريين التابعين لشركات أمن إسرائيلية خاصة، تتمثل مهمتهم فى تدريب القوات المسلحة الجورجية على تكتيكات الكوماندوز والقتال الجوى والبحرى ومعارك الدبابات والقصف المدفعي. وقدّم هؤلاء أيضا تدريبات فى مجالات الاستخبارات العسكرية والأمن لنظام الحكم المركزي..

وتتهم بعض الأوساط الروسية فى هذا المجال البلدين"جورجيا وإسرائيل" بسرقة التكنولوجيا العسكرية الروسية علنا وبيعها فى الأسواق على أنها من إنتاجهما.

ويقول رئيس مركز الاستطلاعات الاستراتيجية فى موسكو أليكسى أرباتوف إن التجسس الإسرائيلى على التكنولوجيا العسكرية الروسية سبّب لروسيا خسائر سنوية تبلغ نحو مليارين من الدولارات كان يمكن أن تحصل عليها روسيا من الدول التى تعاونت معها "إسرائيل".

وكانت "إسرائيل" قد باشرت عملية تجسسّ منظمة على السلاح الروسى فى العالم وخاصة فى بلدان أوروبا الشرقية.

وكان وزير الدفاع الروسى سيرجى إيفانوف قد صرح فى إحدى المناسبات متوجّها بكلامه إلى إسرائيل قائلا: يكفيهم صمتنا على تجسسهم على تقنياتنا العسكرية وتصنيعها من دون موافقتنا، ومطاردتنا فى أسواق السلاح العالمية". ولم تكتف إسرائيل بالفعل بمطاردة هذا السلاح بل عملت فى الوقت نفسه على منافسة أسواق السلاح الروسى "التقليدية" إذ تشير بعض وسائل الإعلام الغربية إلى أن "إسرائيل" قد تمكنت بالفعل من أخذ مكانة روسيا فى مجال توريد الأسلحة للهند، إذ وقّعت نيودلهى صفقات بأكثر من مليار دولار مع "إسرائيل" لتوريد أنواع من الأسلحة كانت تستوردها من روسيا. وبذلك تحولت "إسرائيل" إلى أكبر مزود أسلحة للهند.

وتمرّ العلاقات الروسية الإسرائيلية منذ فترة بأزمة مركّبة "صامتة" فى الغالب حول الكثير من القضايا التى تمسّ المصالح الاستراتيجية للبلدين. فقد شكّل التغلغل الإسرائيلى فى أوكرانيا وجورجيا قلقا مستمرا لروسيا الاتحادية. وقد أكدت الحرب الأخيرة الخاطفة الروسية الجورجية هذا القلق.

وكانت روسيا قد طلبت فى الأسابيع الأخيرة من "إسرائيل" بإلحاح وقف مساعدتها العسكرية لجورجيا، فى حين اعتبرت "إسرائيل" أن المساعدة الوحيدة المقدمة إلى تبليسى هى مساعدة "دفاعية"؟. غير أن الرد الإسرائيلى هذا لم يلق القبول الايجابى فى الكرملين.

ويظهر أن اهتمام "إسرائيل" بالسلاح الروسى الحديث قد تضاعف بعد صفقة السلاح الروسية الأخيرة مع سوريا إذ اعتبرتها تهديدا كبيرا لأمنها، وهى الصفقة التى اعترض عليها أيضا وبقوة اللوبى الصهيونى فى الكونجرس الأمريكي.

وقد عبّرت "إسرائيل" مؤخرا عن قلقها وخوفها من إمكانية بيع روسيا أسلحة متطورة إلى كل من سوريا وإيران "مع إمكانية وصول أنواع منها إلى حزب الله فى لبنان".

وكانت موسكو، قبل اندلاع المعارك الأخيرة، قد ذكّرت "إسرائيل" بتحفظ الأخيرة عن بيعها أسلحة متطورة من صنعها لكل من إيران وسورية فى ضوء مخاوفها من وصول هذه الأسلحة إلى "حزب الله" فى لبنان. غير أن استخدام السلاح الإسرائيلى المتطور والحديث فى المعارك الأخيرة بين روسيا وجورجيا قد يغيّر الكثير من مواقف روسيا تجاه هذه المسألة إذ قد تراجع روسيا موقفها وتفرج عن صفقة منظومات الدفاع الجوى المتطورة التى كانت اشترتها كل من إيران وسوريا مؤخراً من طراز "س-300" و"تور-إم1" بقيمة مليار و400 مليون دولار. وهى المنظومة التى قد تعرض للخطر حرية العمل الجوى الإسرائيلى فى المنطقة.

وفى محاولة منه لاستباق تحقيق الصفقة، طلب وزير الحرب الإسرائيلى أيهود باراك، أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن تقديم موعد تسليم إسرائيل الطائرات القاصفة المقاتلة القادرة على التملص من الرادار بالإضافة إلى الصواريخ الجوالة. كما طلب مساعدات أمريكية عاجلة لتطوير المنظومات الإسرائيلية لاعتراض الصواريخ. أما ما يقلق "إسرائيل" على الصعيد السياسى فتنوع العلاقات الإيرانية الروسية ومواقف روسيا "الايجابية" تجاه إيران، ففى مجال الاستراتيجية الطاقية قام رئيس شركة "غازبروم" الروسية ألكسى ميلير بزيارة مفاجئة فى منتصف الشهر الماضى إلى طهران وبحث من جديد مع الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد آفاق إنشاء منظمة لمصدرى الغاز على غرار "أوبك". وفى ختام الزيارة تلك تم توقيع اتفاقية بين الطرفين شملت قطاع تطوير واستغلال الشركات الروسية لحقول النفط والغاز الإيرانية والمشاركة الروسية فى نقل النفط الذى تستخرجه إيران فى بحر قزوين إلى خليج عمان، والتعاون فى تطوير حقل "آزادكان" الشمالى النفطى وإمكانية مشاركة شركة "غازبروم" الروسية فى مد خط أنابيب الغاز المرتقب من إيران إلى باكستان والهند.

أما فى يخص الملف النووى الإيرانى فقد سعى رئيس مجلس الأمن القومى الإسرائيلى الجنرال دانى أرديتي، حسب بعض المصادر الإسرائيلية، أثناء زيارته الأخيرة إلى موسكو إلى إقناع القيادة الروسية بضرورة تشديد العقوبات الدولية على طهران فى حال رفض الأخيرة إيقاف تخصيب اليورانيوم من ناحية، ولجسّ نبض موسكو حول ردود فعلها فى حال توجيه "إسرائيل" ضربة جويّة إلى المنشآت النووية الإيرانية من ناحية أخرى. وتعتبر روسيا الاتحادية من ابرز القوى الكبرى التى تتخذ مواقف "وسطية"، حسب بعض الملاحظين، إذ أنها لا تشجع على "سيناريو الضربة" فى الوقت الذى لا تمانع فيه فرض عقوبات متصاعدة على النظام الإيراني. وكان المندوب الروسى قد أبدى، بالفعل، تشدده فى الدفاع عن مواقف بلاده خلال ترؤسه للوفد الروسى فى مفاوضات مجموعة خمسة زائد واحد الخاصة بالملف النووى الإيراني.

وفى مناخ الحرب الروسية الجورجية وعلى خلفية الأزمة الصامتة التى تعرفها العلاقات الروسية الإسرائيلية وارتباك السياسة الأمريكية وتراجع نفوذها فى المنطقة وفى لبنان خاصة مع التراجع النسبى للحملة على حزب الله وعجز حلفائها العرب على التحرك والمبادرة بالإضافة إلى المحادثات غير المباشرة بين سوريا و"إسرائيل" بواسطة تركية وبرضا روسى ضمنى ومع تطبيع الوضع بين الفرقاء اللبنانيين من جهة والدولتين السورية واللبنانية من جهة أخرى وفكّ العزلة الدولية على سورية، سيجتمع للمرة الأولى الرئيس بشار الأسد ونظيره الروسى ديميترى ميدفيديف فى مدينة سوتشى الساحلية الروسية يومى 20 و21 آب / أوت الحالى وستكون فرصة للطرفين للبحث فى مستقبل العلاقات السياسية والعسكرية بينهما.

ولاشكّ أن الأحداث الجارية على حدود الاتحاد الروسى ستكون حاضرة فى المباحثات التى ستجرى بين الطرفين خاصة وان "إسرائيل" حليفة جورجيا والعدوة بالضرورة لروسيا الاتحادية وطموحاتها، هى نفسها التى تحتلّ جزءا من أراضى الجمهورية العربية السورية.

فهل سيسمح كل ذلك لإحياء أو تكريس المبدإ العتيق فى السياسة "عدوّ عدوّى صديقي"؟ وتخرج روسيا الاتحادية عن تحفظاتها السابقة تجاه تعميق العلاقات بينها ودمشق وتاليا إيران وتعاقب "إسرائيل" على تدخلها السافر وتجاوزها للخطوط الحمر، وتنحاز بالتالى إلى الحقّ العربى بما تقتضيه مصالحها الجديدة؟!

المصدر:العرب  اونلاين - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها