 |
أن يطالب علماني بفصل الدين عن الدولة فهذا شيء مفهوم ويتسق مع الافكار العلمانية، أما أن يدعو «اسلامي» الى فصل الدولة عن الدين، وكف يد الانظمة عن تسخير الدين لمآرب سياسية فهذا ما يثير الدهشة والاستغراب. الداعية السوري احمد معاذ الخطيب استبعد من إمامة المسجد الاموي - الذي انشئ بالعاصمة السورية دمشق عام 10 هجرية - 636 ميلادية وتمت توسعته عام 36 هجرية - 715 ميلادية بل وكل المساجد في سوريا نتيجة لآرائه الصادمة التي تسعى الى فضح الكثير من ممارسات الانظمة العربية والاسلامية في علاقتها بالدين وتم استجوابه وتهديده أمنيا.
التقيت الداعية احمد معاذ الخطيب الذي يترأس اقدم جمعية خيرية في سوريا وهي «التمدن الاسلامي» وحاورته حول مواقفه وارائه وانشطته السياسية والمدنية والدينية.
ما أهداف جمعية التمدن الاسلامي التي تترأس مجلس ادارتها؟
- أحمد معاذ الخطيب: أنا لا انتمي الى اي حزب او تيار سياسي احمل فكر جمعية التمدن التي كانت محضنا لكل التيارات والجماعات الاسلامية، في اطار الدعوة الفكرية، الجمعية تميزت عن كل التيارات بانها لم يكن لها اي تنظيم ولم تدع الى جماعة، ولم تمارس العنف او تدعو اليه ولم تكن السياسة من اهدافها هدفنا هو تبيان الاسلام تبيانا شاملا صحيحا في كل مناحي الحياة عدالته ومكارمه واخلاقه وحضارته الجمعية اسست عام 1931 كرد فعل على الاحتلال الفرنسي الذي جاء بحضارته وثقافته، فعمل مؤسسوها على اظهار الاسلام كحضارة موازية وند للحضارة الوافدة نحن نفضل ان يصل الايمان الى اصحاب الكراسي على ان يصل اصحاب الايمان الى كراسي الحكم نشاطنا الاساسي هو مساعدة الفقراء وقد قمنا بعمل دورة لخطباء المساجد فكانت العقوبة هي فصلي من مجلس ادارة الجمعية لمدة سنتين.
ماذا عن تجربتك مع إقامة المسجد الأموي؟
- كنت اخطب في المسجد الأموي لمدة عامين ثم فوجئت بفصلي واستبعادي قالوا لي انني تجاوزت الخطوط الحمراء، فيما لا اعتبر ان ما قلته فيه اي تجاوز لان من حق الناس ان يصل اليهم فكر ديني صحيح، ولا يعيشوا في جو التسطيح والتمويه والتلاعب الفكري بهم.
كنت اقول على المنبر بان عندنا ازمة تمارسها اغلب الانظمة العربية والاسلامية وهي ركوب الدين من اجل تحقيق مصالح للنظام وهذا فيه اشكال من الناحية الدينية ومن الضروري عدم الوقوع فيه العلمانيون يطالبون بفصل الدين عن الدولة وانا اطالب بفصل الدولة عن الدين لان الدولة المعاصرة في المنطقة العربية، هي التي تركب على ظهر الدين وتسخره كما تريد وتنتج من وراء ذلك نوعين من التيارات الدينية وكلاهما على المدى الاستراتيجي فيه خطورة، الاول: التدين السطحي الذي ينهمك في المظاهر والشكليات وينسى حقائق الدين فمن غير المعقول ان اقدم خطبة كاملة عن ضرورة تقبيل يد الشيخ، او عدم لبس خاتم الذهب، وهناك انعدام للحريات العامة، ومعتقلون، وحقوق ضائعة للناس وغيرها.
النوع الثاني الذي تنتجه الانظمة التي تسخر الدين لخدمتها، هو تيارات العنف والتكفيريين والمتشردين التي لا نرضى بها اصلا كفكر اسلامي، لانها تفتت الاسلام من داخله.
اي مجموعة تحاول ان تفرض الاسلام بالقوة، وان تعوض عن الظلم والضغوط الداخلية والخارجية بنوع من الثمار التي تظنها قريبة، فهي تحقق نتائج ضئيلة جداً، فيما تخرب درب الاسلام كله.
ولانني القيت الضوء علـى هذا السلوك الذي تمارسه الانظمة فقد ابعدت عن الساحة والمنابر.
لكن الفكر التكفيري يعادي الدولة ايضا؟
- منطلقنا الاساسي هو رفض التيار التكفيري الغضوب ابتداء وانتهاء، ولا نرضى الفتنة وحمل السلاح في الامة الواحدة مهما كان السبب، ونرفض الاستعانة باي قوى خارجية مهما كان خلافنا مع الانظمة التي تحكمنا، لا يهمني مصدر هذا التيار ولا كيف نشأ وانما ممارساته، لا نرضى بتفتيت الانظمة العربية وانما نريدها ان تتغير إلى الاحسن.
نحن حريصون على بنية اي دولة نعيش فيها، ربما اكثر من حرص بعض الذين يديرونها، لانهم يتصرفون احيانا ضمن قالب من المصالح المحدودة كالبقاء على كراسي السلطة.
أما نحن فلا نسعى إلى هذه الكراسي، وانما نريد ان تبقى امتنا في خير وعافية.
مصلحة سياسية
ما مظاهر تسخير الدولة العربية للدين في رأيك؟
- يحاول اي نظام عربي استخدام النقابات والاحزاب والجمعيات والمؤسسات وكل القنوات كي تعبر عن آرائه وافكاره وبرامجه، الانظمة العربية تفضل صناعة جماعات ترتبط وتكون جزءاً من المؤسسات التي لا تشارك في اصلاح بنية الدولة فحسب، وانما تقوم بالتمويه على الدولة نفسها.
هناك جماعات وافكار تم اختراعها لخدمة المصلحة السياسية للدولة، ثم صدقت الدولة بان هذا هو الاسلام الصحيح وراحت تنتقده وتقول لنا: انظروا كم هو هذا الدين سطحي ومتخلف ولا يلبي حاجات الناس، رغم انها هي التي صنعته ثم صدقته.
الغالبية العظمى من الدول العربية والاسلامية لا تمتلك مشروعات نهضوية بعيدة المدى، وانما تعيش وفق خطط انية وتنسى ان زجها للدين في طريق غير صحيح، لتحقيق مخططاتها، له اثار كارثية على الدولة والمجتمع، وعندما يحدث هذا فلن يستطيع احد ان يستوعبه او يوقفه، الانظمة العربية ترضى باللحظة الحاضرة التي تعيش فيها، وتنسى ان هناك خرابا ضمن الفهم الديني سينتج تيارات في غاية الانحراف عن الاسلام.
تيار الوسطية
إذا كنت ترفض السلبية والعنف فما تصورك لتيار الوسطية الإسلامي؟
- دائما ما اقول لهم: اتركوا الدين يسير ضمن طاقته الخاصة من دون لا منع ولا دفع، فهذا سيجعل الدين يتحوركل ضمن قالبه الطبيعي، وسيحمل ا لناس الدين لانه فطرة وليس مجرد مظاهر.
والتوازن موجود في قلب الدين، اما اذا دفع ا و منع فستظهر «تورمات» معينة لن يأتي من ورائها الا خيبة الامل.
على سبيل المثال منعت كتب ابن القيم الجوزية والشيخ علي الطنطاوي من دخول سورية، ولو افترضنا جدلا ان هذه الكتب تحمل افكارا خاطئة فكان يجب مناقشتها ووضعها تحت الشمس لا منعها. بالمقابل مثلا صدر كتاب لكاتبة ايرانية تتحدث عن الحجاب ومرارتها في التعامل معه فصدر قرار باغلاق الدار التي نشرته، والاتجاهان مرفوضان. وعلى الجسم الديني ان يتعامل مع مثل هذه الامور من منطلق علمي فيرد عليها كمادة علمية بعيدا عن الاثارة. ولكن ما حدث ان بعض العلماء الافاضل غيرة منهم على الدين، راحوا ينتقدون الكتاب، وهو ما جعل الدولة تغلق دار النشر حتى تخرج من الحرج، وكي لا تظهر بمظهر الراضي عن الكتاب. وهذا قرار غير سليم. لابد من ترك الجسم الديني يتحرك بدون رقابة او وصاية، وان نفتح الساحة لننشر ما نريد ضمن ضوابط يتفق عليها الكل وتضمن الحركة للجميع، والمؤكد ان هذه الآثار ستنتهي بأبسط الأثمان دون ان تكون الامور مجرد جوائز ترضية، لان الذي امر بغلق دار نشر علمانية اليوم سيغلق مثيلتها الاسلامية غدا، وسيكف يد عالم وفقيه او علماني عن التحدث بحرية، وسيمنع الدعاة والخطباء من الوقوف على المنابر، تيار الوسطية يتمثل في اصحاب التدين العفوي الذي يعيشه ملايين المسلمين بدون تسييس او تفريط، وهم حملة حقيقيون للاسلام. هذا التيار يمثله جدي وجدك وجدتك واباؤنا وامهاتنا.
وماذا عن جماعات الاسلام السياسي: كيف تصفها؟
- لا ارى فيما تقوم به هذه الجماعات خطأ ولكنني لا اريد ان اكون جزءا منه كشخص، والسبب ان المشكلة التي نعيشها اكبر من تيار الاسلام السياسي، فهي مشكلة في المنهج. هناك مسائل كثيرة بحاجة الى تنقية وتصفية وبحث، وكذا عواقب رئيسية، امام مشروع نهضة الامة الذي هو اكبر بكثير من هذه الاطروحات.
مثلا كتاب الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش «الاسلام بين الشرق والغرب» يطرح مشروعا اسلاميا واسعا ومهما، وبأفق واسع. السياسة وسيلة لابد منها الآن، لكنها ليست هدفا لان الجانب الديني يحتاج الى فكر قوي يساعد على اقامة وبنى تعيد للدين بل وللدولة حيويتها وفكرها الحضاري، وليس مجرد شكليات تؤدي الى جوائز ترضية وتقاسم لمقاعد البرلمانات بين الجماعات الدينية والسلطات العربية.
تسييس المنابر
السلطات السورية اتهمتك بأنك «سيست» منبر المسجد الأموي باثارة مشكلات سياسية في خطبك؟
- هناك فرق بين السياسة وبين انكار المنكر. مثلا ابن احد المسؤولين الكبار حاول ادخال نفايات مشعة الى سورية، لا تضر بأرواح وصحة الجيل الحالي من السوريين فحسب، بل وبالاجيال المقبلة ايضا. فكان لابد من تناول هذا الموضوع الى المنبر وتحذير الناس من عواقبه الوخيمة، بل وذكرت على المنبر ان البرلمان النيجيري سن قانونا يحكم بالاعدام على كل من يحاول ادخال نفايات مشعة الى نيجيريا، ولم يستثن من هذا اعضاء القيادة السياسية ولا كبار ضباط الجيش. وعقلت قائلا: كيف تُستباح الامة هكذا.
ايضا اثناء غزو صدام حسين للكويت رفع البعض رايات اسلامية عجيبة، فكنت الخطيب الوحيد الذي قال بانه لم ترفع راية الاسلام في هذا الموضوع منذ البداية على يد صدام، فكيف يزج الاسلاميون بنا في هذا الموضوع، كنت ارفض تماما هذا الغزو وارفض محاولة البعض اسلمته او اسلمة صدام بعد ذلك.
انا مهتم بالشأن العام ولست سياسيا يسعى الى كرسي السلطة، بعض الناس لا يريدون ان يحصل الخير الا على ايديهم وانا لا ارفض هذا بل اتمنى ان تستقر الامور في المجتمع واذهب انا لاعتكف في مزرعة صغيرة.. اقرأ واكتب وانصرف الى شؤوني، الاهتمام بالشأن العام ضروري جدا وامر شرعي، فكيف ارى بلدي تُستباح ثم اتحدث انا على المنبر في الحيض والنفاس؟! نحن سنصلح انفسنا وانظمتنا بأيدينا ولا نحتاج الى تدخل خارجي من اي نوع.
خارج ارادتي
لكنك استبعدت من الخطابة بسبب آرائك هذه؟
- هناك منهج رأيته صوابا ولم اكن اتجاوز به على احد، او اسيء به الى اي انسان، اما ما ترتب على ذلك فهو امر خارج ارادتي.
هل استجوبتك الاجهزة الامنية؟
- هناك استجوابات امنية تمت على سبيل الاستفهام، واخرى تهدف الى الوصاية والتهديد، قال لي احدهم: اذا تكلمت في هذا الموضوع فستذهب الى السجن فورا. انا ممنوع من الخطابة والتدريس في كل مساجد سورية، اقوم بالتدريس الان في المعاهد الشرعية ولدي بعض اعمالي الخاصة