الرئيسيةتصريحاتاتصل بنا

أفق مسدود
علي العبد الله*

15-03-2007 03:31

 

لم ينجح الأسلوب الموارب في الدعوة إلى عقد المؤتمر الإقليمي الدولي حول العراق في بغداد يوم 10من الشهر الجاري في إخفاء الرغبة والحاجة الأميركيتين إلى عقده . فقد استقر الموقف على عقده في بغداد، بعد ما ثار خلاف حول عقده في أنقرة أو في القاهرة، والمشاركة الواسعة فيه(16 دولة ومؤسسة دولية) لإعطاء انطباع انه مطلب عراقي من جهة وللتمويه على الاستدعاء الأميركي له، بما يحفظ ماء وجه الإدارة الأميركية التي لم ترفض توصيات تقرير بيكر – هاملتون حول العراق وحسب بل وعملت على الضد من بعض توصياته من جهة ثانية.
لكن بقي السؤال عن الدور الذي سيلعبه المؤتمر في الملف العراقي : إدارة أزمة أم حلها ؟.
بغض النظر عن عقد المؤتمر وتشكيل ثلاثة لجان متابعة ،والعمل على عقد مؤتمر ثان في تركيا على مستوى وزراء الخارجية، فإن تحقيق أهداف المؤتمر مرتبط بجملة مطالب وشروط ليس بمقدور الإدارة الأميركية تلبيتها أو فرضها تبدأ بموافقة دول الجوار على القيام بأدوار محددة لكبح دورة العنف بكل أنواعه ( الجهادي والمذهبي والعرقي). وهذا يستدعي قبول إيران وسورية والسعودية وتركيا ومصر بالقيام بدور نشط في الساحة العراقية لوقف دورة العنف يبدأ بمنع تسلل المقاتلين الأجانب وينتهي بالتدخل الفعال لدى الجماعات العراقية المتصارعة لإقناعها بإتباع الطرق السلمية في التعبير عن مواقفها والمطالبة بحقوقها، مرورا بوقف تأييدها ودعمها للتنظيمات المتقاتلة ( تجفيف الموارد) والعمل مع الحكومة العراقية في التصدي لتنظيم القاعدة من جهة.وقبول الحكومة العراقية بإعادة النظر في سياستها إزاء عدة ملفات: اجتثاث البعث، وإعادة استيعاب أعداد كبيرة من عناصر الجيش العراقي لتفريغ الرصيد البشري الذي تتغذى منه هذه التنظيمات،وإعادة النظر في توزيع مداخيل النفط بين المناطق من جهة ثانية.
من الواضح أن هذه المطالب تصطدم بعقبات كبيرة فسورية وإيران ستنظران إلى الموضوع من زاوية محددة: لماذا يساعدان الإدارة على الخروج من المستنقع العراقي قبل أن تتخلى هي عن استهدافهما، وما العائد الذي ستحصلان عليه مقابل القيام بهذا الدور ، وكيف سينعكس ذلك التعاون على العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ودول الجوار الأخرى؟. وهل تقبل إيران أن يسترجع العراق قدراته، خاصة العسكرية، ويعود إلى دوره كقوة موازنة لقوتها؟. وهل تقبل السعودية ببقاء العراق تحت الهيمنة الإيرانية التي تساعدها على تحقيقها قوى شيعية في السلطة العراقية أو تقبل بنظام في العراق يسيطر عليه الشيعة بشكل شبه مطلق؟. وهل تقبل تركيا ببلوغ الحالة الكردية مرحلة تشكيل كيان خاص على حدودها وبالتماس مع المناطق الكردية فيها؟....الخ.
وعلى الصعيد الداخلي هل تقبل القوى الشيعية المسيطرة على الحكم العراقي بإعادة تشكيل الجيش العراقي بضم الآلاف من ضباط وصف ضباط النظام السابق مع ما قد يعنيه ذلك من فقدان السيطرة على الحكم، أو تقبل هي والقوى الكردية بتقاسم عائدات النفط بشكل عادل مع بقية المناطق العراقية ؟. وهل تقبل القيادات الكردية بالعودة عن مسيرة الحكم الذاتي الذي ذاقت حلاوته ولمست فوائده؟...الخ.
كل هذه المطالب والمصالح المتعارضة تتطلب اتفاقات عميقة وتنازلات كبيرة وإدارة جادة وحازمة.
فهل تقبل الإدارة الأميركية الدخول في مثل هذه المساومات وعقد صفقات مع هذه الأطراف أم أنها عقدت المؤتمر لتحقيق هدفها : النصر وإلا فإنها مستعدة للذهاب إلى حرب أوسع وأشمل، وهل هناك إجماع أميركي حول ذلك؟.
يرغب الرئيس الأميركي من مؤتمر بغداد، وفق صحيفة الموند الفرنسية(7/3)، تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة ومتكاملة هي: أولاً "تهدئة الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية".وثانياً "التقليل من المجازفات غير المحسوبة". وثالثا " تبرير اللجوء إلى القوة إذا ما أخفقت الطرق السياسية" .
والهدف الأخير، كما ذهبت الموند، " مبني على احتمال إخفاق جميع هذه المؤتمرات والاجتماعات في تغيير الأوضاع ، وعندئذ يستطيع الرئيس الأميركي القول، عن حقّ، إنه لم يُهمل أو يستبعد إمكانية للتفاوض، مبرّراً بذلك، في نظره على الأقل، احتمال اللجوء إلى استخدام القوة".
وهذا - استخدام القوة - هو مطلب اليمين الأميركي المتشدد الذي عبر عنه المفكر اليميني فريدريك كوجان في دراسته التي نشرها المعهد الأميركي لأبحاث السياسة العامة،والتي دافع فيها عن خطة الرئيس الأميركي في استخدام القوة العسكرية وموقف اليمين المتشدد الداعي إلى الحسم العسكري، حيث رأى إن "إشراك جيران العراق في الحل سيفشل أيضا لان الأسباب الأساسية للعنف كامنة داخل العراق نفسه‏.‏ كما أن الموارد المادية والبشرية للمتحاربين تأتي من داخل العراق إلى حد كبير وبالتالي فان جيران العراق يشجعون العنف ولكن لا يمكنهم إيقافه‏".‏
بينما علق التيار الليبرالي الأميركي آمالا عريضة على المؤتمر وان كان ربط نجاحه بإجراءات أخرى اشمل لخصها وليام اودوم (جنرال متقاعد وأستاذ في جامعة ييل وباحث في معهد هدسون) في دراسته التي حملت عنوانا لافتا " النصر ليس مطروحا" تبدأ بالاعتراف بفشل الخيار العسكري ، وتقديم هدف الاستقرار على نشر الديمقراطية في العراق، والتخلي عن سياسة الانفراد لان الولايات المتحدة لا يمكنها وحدها تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط‏ ، و"إعادة صياغة وتنظيم عمل القدرات الدبلوماسية والعسكرية الأميركية لتحقيق النظام في المنطقة ككل وهذا سيقلص عدد أعدائها ويكسبها حلفاء جددا مهمين"‏.‏ والهدف الأخير"لن يحدث ما لم تغادر القوات الأميركية العراق"‏.‏
لم يفصح المؤتمر عن محصلة محددة حيث تعددت زوايا التعاطي مع الموقف عاكسة خلفيات متعددة: بين من يريد تعميق المأزق الأميركي للتعجيل بأفول نظام القطب الواحد ومن يريد ثمنا كبيرا لمساعدة قوة مهزومة للخروج من ورطتها، وإدارة أميركية لا تريد التسليم بمأزقها فحافظت على موقفها المتشدد من سورية وإيران ولم تعدل في خطتها لزيادة قواتها في العراق والخليج أو تخفض حدة انتقاداتها لهما، وهذا يثير الهواجس والمخاوف أكثر مما يثير الطمأنينة .
* كاتب سوري.