فواتير خسائر المزارعين تكسب تعاطف الرأي العام ..
والحكومة تدير ظهرها !!
الانخفاض الحاد
وغير المسبوق لاسعار بعض اصناف الخضار ،
ادى الى مواجهة المزارعين مشكلات وارباكات
وصلت الى حدود بيع الانتاج بأسعار تقل عن
تكاليف الانتاج، واللافت ان الفائض من
الانتاج الزراعي من بعض اصناف الخضار لم
يعد مجرد مشكلة عابرة تنحصر في موسم زراعي
دون سواه، وانما باتت هذه المشكلة تشهد
المزيد من التفاقم عاماً تلو الاخر، وتحول
الانتاج الكبير لبعض المحاصيل من نعمة الى
نقمة نتيجة غياب امكانية تسديد حتى تكاليف
الانتاج.
امثلة وارقام
في حال العودة الى اسعار البندورة على
سبيل المثال فقد انخفضت اسعار هذا المنتج
الى حدود (3) ليرات في اسواق الهال وفي عز
الموسم، في حين تكاليف الانتاج لم تكن اقل
من (5) ليرات لكل كغ واحد، فالامر الذي
سبق واكده اكثر مزارعي الدونم الواحد وصلت
الى حدود (54) الف ليرة بينما مردوده
المادي لا يتجاوز الـ (35) الف ليرة،
وعليه يكون متوسط خسارة كل دونم نحو (10)
الاف ليرة، خاصة بالنسبة للمزارع الذي الا
يملك الارض ولا اليد العاملة ... وايضاً
يمكن سحب ذات الامر على زراعة البطاطا،
فالذين يقومون بزراعة هذا المحصول، لم
يكونوا اوفر حظاً، حيث تعرضوا لخسائر
فادحة وغير مسبوقة، فحسب الارقام
والمعلومات التي بين ايدينا فان كلفة
زراعة الطن الواحد تراوحت هذا الموسم ما
بين (75ـ 100) الف ليرة وذلك بحسب الصنف
ومصدره، وفي حال الدخول في التفاصيل فانه
ومن اصل المبلغ المذكور يقوم المزارع
بتسديد (32) الف ليرة ثمن البذار الذي
وزعته مؤسسة اكثار البذار على المزارعين
المكتتبين وباقي التكاليف موزعة على ضمانة
الارض واجور فلاحتها وزراعتها وسقايتها
وغير ذلك من الخدمات الزراعية . وقد اعتقد
مزارعو البطاطا ان الانتاج الوفير سيعوض
عليهم التكاليف الباهظة في زراعة المادة
ويحقق لهم ربحاً مرضياً لكن النتائج كانت
مخيبة وجاءت الفاتورة خاسرة بامتياز،
فالاسعار في الاسواق المحلية وفي عز
الموسم لم تتجاوز مبلغ (7) ليرات، وهو
مايعني ان خسائر بعض المزارعين وصلت الى
حدود ملايين الليرات، وذلك بحسب الحيازات
المزروعة ولا نبالغ لو قلنا او حسب ما جاء
في بعض المنابر الاعلامية الرسمية بأن
منتج البطاطا لهذا الموسم تحول الى علف
للحيوانات في اكثر من محافظة، واللجوء الى
مثل هذا الخيار يأتي من على ارضيته تخفيض
فواتير الخسائر ورفض المزارعين تسديد
اثمان وسائل النقل او نقله من الحقول الى
الاسواق .
وبالمناسبة لم تقتصر خسائر المزارعين هذا
العام على محصولي البندورة والبطاطا فقط
بل شملت محاصيل اخرى كالفول والباذنجان
والبصل، حيث واجه المزارعون صعوبات بالغة
في تسويق هذه المنتجات نتيجة الفائض الذي
لا يشق طريقه الى التصدير الخارجي .
تجاهل دروس الماضي
والاسئلة المفترضة والتي غالباً ما تصدر
عن المتابعين للشأن الزراعي من
الاقتصاديين وغيرهم .. اين هي مسوغات
تجاهل دروس الماضي ؟!.. وماذا عن اسباب
انخفاض الاسعار.. هل هي نتيجة تجاوزات
الفلاحين للخطط الزراعية المقرة من جانب
وزارة الزراعة.. ام ان الامر هو نتيجة
طبيعية لغياب امكانات تصدير الفائض ؟!..
او لأن وزارة الاقتصاد كانت قد منعت تصدير
بعض الاصناف في بداية موسم تسويق الفلاحين
لمنتجاتهم ؟!
الاجابة على هذه الاسئلة قد تتباين من جهة
رسمية الى اخرى واعادة انعاش او انتاج
الاسطوانة المعهودة التي تحمل الفلاحين
المسؤولية، بدورها لم تعد مجدية وغير
مقنعة في معظم جوانبها، فالقول ان
الفلاحين تجاوزوا الخطط الانتاجية
والمساحات المسموح بزراعتها، مثل هذا
الكلام بات اشبه بالدعابة السمجة لان
الامر المعروف ان وحدات المساحة المزروعة
لبعض الاصناف باتت تترك انتاجية عالية
بفعل توفر وسائل الانتاج الحديثة والتقدم
الفعلي لجهة البحوث الزراعية والنهضة غير
المسبوقة في المجال الزراعي، وما يعني ان
الخطوات العملاقة التي حققتها سورية على
المستوى الزراعي تستلزم البحث عن حلول من
شأنها تصريف كامل الانتاج دون النظر الى
حقيقة الاستهلاك المحلي والسعي الى صوغ
الخطط الزراعية على هذا الاساس، كما
ويتعين على هذه الخطط الاستفادة من تجارب
الدول الاخرى، وعلى وجه التحديد ما يتعلق
بالقوانين والتشريعات التي تضمن حماية
المزاعين في حال تعرض منتجاتها الى خسائر
لم تكن في الحسبان سواء تعلق الامر
بالانخفاض الحاد في الاسعار مثلما كان
واقع الحال خلال الموسم الحالي.. او بحدوث
كوارث طبيعية ادت الى خسائر لا متناهية في
المنتجات،وهو الامر الذي احدثه الصقيع في
كثير من المنتجات.. وايضاً بتعيين السعي
الى اعادة دراسة بعض الاتفاقات التجارية
بين سورية والبلدان العربية، يصدف عدم
الوقوع مستقبلاً في مشكلات هي بالاساس
ناجمة عن ترجمة لبعض اتفاقات التبادل
التجاري والزراعي ، مثل اتفاقية منظقة
التجارة الحرة العربية الكبرى وبعض
مضامينها التي تسمح باستيراد وتصدير
الخضار والفواكه من بلدان عربية محددة .
خطر الزراعات البديلة
ونحن على مشارف انتهاء موسم تسويق معظم
المنتجات الزراعية من الخضار والفواكه
والاستعداد من جديد للموسم المقبل، اشد ما
يخشاه الغالبية من المتابعين للشأن
الزراعي وحتى المستهلكين العاديين، ان
تمتنع شريحة واسعة من المزارعين عن زراعة
البندورة والبطاطا خلال الموسم المقبل
تخوفاً من مواجهة فواتير لا حصر لها من
خسائر، وان يضطر هؤلاء الى البحث عن زراعة
اصناف بديلة من شأنها ضمان بعض الارباح او
لا تكون خاسرة على اقل تقدير. فيما لو حدث
مثل هذا الامر فذلك سيعني بالضرورة حدوث
اضطراب غير عادي في الاسواق المحلية ولن
يكون امام المرجعيات الرسمية من خيار سوى
الايعاز لشريحة من التجار باستيراد منتجات
زراعية اساسية ، وبداهة ان هذه المنتجات
لن تصل الى المستهلك العادي إلا باسعار
جنونية ومن غير المستبعد ان تصل اثمان
البندورة والبطاطا الى حدود تجعل المستهلك
السوري يحسب الف حساب قبل الاقدام على
شرائها .
وتحسباً من مواجهة هذا المأزق مازالت
الفرصة اكثر من سانحة كي تتوجه الجهات
المعنية الى المزارعين وتعالج مشكلاتهم
بجدية بعيدة عن الاساليب التقليدية
والمكرورة التي تحث الفلاحين على التمسك
بأرضهم واقناع المزارعين هذه المرة من اجل
عدم البحث عن زراعات بديلة لن يكون في
اطلاق الوعود والكلام المعسول وانما في
تشكيل اللجان المختصة كي تعمل عل اعداد
قوائم وحصر المزارعين المتضررين من الموسم
الحالي وتعويضهم مالياً. وبالمناسبة
اللجوء الى مثل هذا الحل لا يندرج في اطار
تقديم التبرعات او " الصدقة ".. وانما هي
سياسة قديمة تمضي بها معظم حكومات العالم
منذ اواسط القرن الماضي، حتى ان تركيا
تقدم سنوياً الدعم للمزاعين دون ان تكون
هناك اسباب وثيقة الصلة بميزان الربح
والخسارة او تعرض المزارعين لخسائر نتيجة
حدوث كوارث طبيعية.
والاهم من هذا وذاك، يتعين على وزارة
الاقتصاد والتي تتحمل قسطاً كبيراً من
مسؤولية خسائر المزارعين والعمل على
مراجعة الجوانب الخاطئة في بعض قراراتها
المتسرعة التي منعت تصدير الانتاج في
بداية موسم التسويق. فالامر الذي يدركه
حتى المستهلك العادي الذي ليس على دارية
بالنظريات الاقتصادية . ان ما اقدمت عليه
الوزارة المذكورة لجهة اوقات السماح
والمنع لتصدير بعض الاصناف الزراعية، كان
خاطئاً وغير محسوب العواقب رغم انه اسهم
ولفترة زمنية قصيرة جداً في حماية
المستهلك المحلي .. فالمطلوب ليس فقط
حماية المستهلك وانما المستهلك والمنتج في
آن.. بمعنى او باخر اذا كانت هناك نوايا
جادة للاستفادة من دروس الموسم الحالي فان
الحكومة ليست مطالبة فقط باعادة النظر
بالخطة التسويقية في السوق الداخلية
والخارجية فالامر الذي ليس بحاجة الى
برهان وتأخذ به ابجديات الف باء العلوم
الاقتصادية الحديثة، ان أي خطة انتاجية لا
يمكن ان تستوي او تعتصم الا في حال كانت
الخطة التسويقية جزءاً لا يتجزأ من الخطة
الانتاجية.. وفي ظل اقتصاد السوق الذي دخل
اسواقنا بسرعة غير عادية ودون استئذان،
سيبقى الاداء التصديري السليم هو العيار
والمقياس لضمان حماية مزارعينا من خيبات
الامل التي لم تتوقف منذ سنوات .!!
المصدر:سيريا
ستيبس-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه