19-09-2008

الرئيسيةأخبارأخبار الوطناتصل بنا 
 

 8% من عمال (العام الصناعي) مرضى ومعاقون

ثامر قرقوط

 

ساهم تغيير النهج واستبدال النظام الاقتصادي، في ولادة مشكلات جديدة، كانت نائمة في السابق. وتتصدر العمالة في القطاع العام الصناعي هذه المشكلات، إضافة إلى مشكلات أخرى، ساعد الانفتاح الاقتصادي وتحرير التجارة، على بروزها وتفاقمها.

يعمل في القطاع العام الصناعي 80 ألف عامل يتوزعون على 92 شركة. وكشفت مصادر وزارة الصناعة لـ (النور) أن 4% من عمال شركاتها مرضى، وهناك 4% من العمال معاقون، وهذا يعني أن 8% من العمالة التي يجب أن تقف خلف الآلات هي خارج حسابات قوة العمل المنتجة في الشركات، وتسهم مباشرة في زيادة تكاليف الإنتاج. وكان وزير الصناعة فؤاد عيسى الجوني علق على خسائر الشركات قائلاً: (إن موضوع العمالة أساسي جداً في أرباح الشركات وخسائرها).

تعد قضية العمالة حساسة جداً، ولا يمكن نكران الجهود التي بذلتها هذه العمالة سابقاً من أجل تأمين السلع والمنتجات الأساسية للمواطنين، كما لا يمكن تجاهل الدور الريادي الذي قامت به أيام الأزمات المعقدة التي عصفت بالقطر في ثمانينيات القرن الماضي. أزهقت العمالة جل عمرها خلف الآلات، وبلا شك فإن عملاً مجهداً كهذا يترتب عليه أوضاع صحية لا تساعد العمالة على المتابعة في العمل الإنتاجي، ما يفرض عليها التحول إلى أعمال أخرى تناسب أوضاعها الصحية المستجدة. علماً أن قانون العاملين الأساسي لا يسمح بنقل العامل من وظيفة إنتاجية إلى وظيفة إدارية إلا ضمن شروط صارمة.

رب سؤال لا بد من طرحه: ماذا يفعل مدير شركة ما بـ 8% من عمالة المرضى والمعاقين؟

هؤلاء الذين لا يستطيعون القيام بعمل منتج، كما أن بعضهم قد لا يستطيع أداء أي عمل آخر مهما كان نوعه، ويحتاجون في الوقت ذاته إلى الرعاية الصحية المناسبة التي لا مناص من تقديمها إليهم، باتوا يشكلون عبئاً حقيقياً على الشركات، وأن استمرار وجودهم وبقائهم على هذه الحالة أمر غير مقبول وغير ممكن أيضاً.

بلا شك، فإن معاناة الشركات الصناعية من عمالتها هو نتيجة حتمية للسياسات الاقتصادية السابقة، وبالذات ما يتعلق بنهج التوظيف الاجتماعي الذي كان متبعاً. وتقدر العمالة الفائضة في القطاع العام الصناعي حالياً بـ 15 ألف عامل. ومع تدني الرواتب والأجور، وقدرة الشركات على تسويق منتجاتها في فترة الانغلاق وتعزيز حماية الصناعة الوطنية، لم يكن لعمالة الشركات دور ظاهر في الخسائر. إذ إن خسائر الشركات آنذاك كانت قضية تخضع للتعتيم المطلق، وإن الموازنات الختامية كانت تُظهر الشركات رابحة. كان طبيعياً أن تتراخى الشركات وإداراتها، إذ لم تشكل مسألة الجدوى الاقتصادية هاجساً مهماً لهما، ما دام القطاع العام له الأولية وهو اليد الضاربة والتدخلية للحكومة في الاقتصاد وليس الأسواق فقط، كما أنه كان بيضة القبان التي تحفظ التوازن الاجتماعي لعدد كبير من الأسر.

أبرزَ النهج الاقتصادي الجديد قضية الخسائر، وسيفاقمها أكثر فأكثر النظام المالي الذي طُبق بدءاً من مطلع العام الحالي، فهو لن يرحم الشركات إطلاقاً، لأنه لا يفرق بين الأسباب التي تؤدي إلى الخسائر، ويتعاطى مع كل شركة على حدة. وهذا ما يثير أسئلة جوهرية حول النهج الاقتصادي الذي باغت القطاع العام الصناعي، ولم تُتخذ إجراءات مسبقة تمهد له، وتساعد الشركات على مواجهة التحديات القادمة؟!

إذ ليس منطقياً أن تصل كلفة اليد العاملة إلى 40% من إجمالي كلفة المنتج، رغم تدني الرواتب والأجور. وهذه النسبة هي الأعلى عالمياً باستثناء أوربا التي تدفع أجوراً مرتفعة جداً لعمالها. وحذر خبير إيطالي متخصص في الصناعات النسيجية على هامش ندوة أقيمت مطلع العام في دمشق من ارتفاع كلفة اليد العاملة، داعياً إلى العمل لأن تكون هذه النسبة صفر بالمئة من أجل تحقيق الربح كما هو الحال في الصين.

تحتاج اليد العاملة في القطاع العام الصناعي إلى إعادة تأهيل للاستفادة من مهاراتها وخبراتها المتراكمة. وعلى ضوء وجود توجهات تؤكد الرغبة في عدم تسريح أي عامل، باتت الحاجة ملحة لاستثمار هذه العمالة الفائضة لتتحول من سبب يساهم في الخسارة إلى أحد دوافع الربح. وتبرز هنا أهمية وجود إدارات للموارد البشرية تعنى بشؤون العاملين وتعدّ البرامج التدريبية المناسبة لتأهيلهم. وهناك مستوى آخر لمسألة العمالة في الشركات، إذ أشار د. الجوني في مؤتمر صحفي سابق إلى: (أن معدل الأعمار لعمال القطاع العام الصناعي مرتفع جداً). وهذا ما يكسب المسألة تعقيداً آخر تبدو فيه حلول التأهيل أو إعادة التأهير غير ناجعة.

لا ذنب للعمال في الوصول إلى هذه الحالة، كما لا ذنب للشركات أن تكون عمالتها أحد أسباب الخسارة فيها. والطامة الكبرى هو أن تبقى قضية العمال في الشركات معلقة دون حلول جذرية، وأن يتحول العمال من منتجين إلى طفيليين في شركاتهم، التي بدأ بعضها يبحث عن مصادر تغذي رواتبهم وأجورهم.

المصدر:جريدة النور السورية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها