وضع قبل
يومين المبعوث الخاص لـ"الرباعية الدولية"
الى الشرق الاوسط طوني بلير اصبعه على
الجرح كما يقال او بالاحرى على احد "الجروح"
نظراً الى كثرتها اذ قال: "اذا حصل اوباما
على الشريك المناسب في الجانب الاسرائيلي
وكذلك في الجانب الفلسطيني فليس لديّ شك
في تصميمه على القيام بذلك". والمقصود "بذلك"،
كما اوضحه بلير في مكان آخر من تصريحاته
هو تحقيق اتفاق سلام خلال سنة بين
الجانبين المذكورين وخصوصاً اذا التزما
القيام بعمل جدي. لكن السؤال الذي يثيره
كلام بلير هذا هو هل سيحصل اوباما الرئيس
الجديد لأميركا على الشريكين الاسرائيلي
والفلسطيني المناسبين؟
الجواب عن هذا السؤال ليس ايجابياً على
الاطلاق، في رأي كثيرين من متابعي أزمة
الشرق الاوسط ولبّها الصراع الفلسطيني –
الاسرائيلي بكل تطوراتها وابرزها عودة
الأمل في حل جدي لها وله في ظل رئاسة
اوباما لأميركا. فهؤلاء يعتقدون ان اميركا
قد تكون عادت مع اوباما الى اجواء
الاستعداد التام للقيام بدور الوسيط
النزيه والفاعل في عملية السلام وتحديداً
في المفاوضات بين اطراف الصراع. ويفرض
عليها دور كهذا عدم تغيير سياستها
واستراتيجيتها في المنطقة والتي تشكل
اسرائيل الآمنة المستقرة والمحمية جزءاً
اساسياً منها، لكنه يفرض عليها في الوقت
نفسه ان تكون محايدة وخصوصا ان حل الازمة
والصراع سواء وفقاً لقرارات مجلس الأمن
وابرزها 242 و338 او الاتفاقات والتفاهمات
التي تم التوصل اليها منذ انطلاق عملية
السلام في مدريد عام 1991، لا يمس على
الاطلاق دولة اسرائيل بل يساهم في جعلها
اكثر امناً واستقراراً باقامة دولة
فلسطينية آمنة ومستقرة بدورها على الاراضي
التي احتلتها الدول العبرية عام 1967 اي
الضفة الغربية وقطاع غزة. ويفرض عليها ان
تكون عادلة وحازمة بحيث لا تكتفي بدور
المراقب في المفاوضات بل تتعداه الى دور
الحَكَم واحيانا الى دور مذلل العقد
ومقترح صيغ التسوية المعقولة واحيانا اخرى
دور الضاغط على كل فريق ترى انه يحاول ان
يعطّل عملية السلام او ان يجهضها.
لكن المتابعين انفسهم يعتقدون ان ثمة
مفارقة قد تكون غريبة وساخرة ومؤلمة في آن.
اذ ان ظهور بوادر عملية لتوافر الوسيط
الاميركي الذي طالما طالب به اطراف الصراع
ولا سيما منهم الفلسطينيون كونهم الطرف
الاضعف يرافقه حاليا غياب عملي، وإن ليس
رسمياً، لشريك اسرائيلي جدي راغب في
التوصل الى حل دائم مع الفلسطينيين والعرب
وكذلك لشريك فلسطيني. ويبني هؤلاء
اعتقادهم على وجود بنيامين نتنياهو وكل
اطراف اليمين المتشدد من قومي وديني
وعلماني في حكومة واحدة وعلى اعتزامهم رفض
حل الدولتين فعليا رغم اشارة رئيس الحكومة
يوم الاحد الماضي اليها على نحو يؤكد رفضه
لها ويظهر ان هدفه في اشارته اليها هو دفع
الفلسطينيين الى الرفض والسلبية وتاليا
تحميلهم مسؤولية احباط خطط الرئيس
الاميركي الجديد. ولا يكفي وجود ايهود
باراك زعيم حزب العمل اليساري نظريا في
حكومة نتنياهو لتوقع تغيير ايجابي في
مواقفها اولا لأنه اقلية داخلها، وثانياً
لأن هدفه كان استيزارياً اكثر منه "وطنياً"
اذا جاز التعبير. وقد حققه بتوليه وزارة
الدفاع. ويبني المتابعون انفسهم اعتقادهم
السلبي اياه على الوضع الفلسطيني التعس
السائد منذ مدة. فالسلطة الوطنية
الفلسطينية التي يفترض انها الشريك
لاسرائيل في عملية السلام وكذلك لكل
الساعين الى تحقيقه سواء كانوا في المنطقة
او العالم الاوسع، لا تزال شريكا رسمياً.
اما عمليا فانها لم تعد كذلك. اولاً لأنها
صارت ضعيفة وموضع شكوك من بعض شعبها وموضع
اعتراض من عدد من الفصائل التي تخوض
مقاومة مسلحة لاستعادة حقوق شعب فلسطين
سواء في حدها الاقصى المستحيل بلوغه او في
حدها الادنى الاكثر سهولة، رغم المصاعب
والعقبات الكثيرة التي تقف في وجهه.
وثانياً لأن الوحدة السياسية الفلسطينية
التي كانت تعوض الانقسام الجغرافي بين
الضفة الغربية وغزة سقطت بانقلاب "حماس"
وانفرادها بحكم غزة. فصار لفلسطين 1967 "دولتان"
وحكمان كل منهما عاجز عن ان يكون دولة او
مشروع دولة او مشروع محاور او مشروع شريك
في عملية سلام او في حرب او مقاومة،
وثالثا لأن حركة "فتح" العمود الفقري
للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير نخرها
الفساد والخلافات الداخلية ولم يتصدّ احد
لإصلاح امورها. وقد ادى ذلك قبل سنوات عدة
مع عوامل اخرى الى فوز "حماس" في
الانتخابات التشريعية، وهو قد يؤدي
مستقبلاً الى تمدد "حماس" نحو الضفة او
الى انشقاقات في "فتح". ورابعاً لأن كلاً
من "فتح" و"حماس" صارت اداة في صراع او
مواجهة شرسة بين محورين اقليميين دوليين
ليست فلسطين وحقوق شعبها ودولتها هدف اي
منهما رغم رفع اسمها شعارا رسميا.
الى ماذا يعود ذلك؟
الى الاستنتاج ان مع حكومة نتنياهو والوضع
الفلسطيني الداخلي لا امل كبيرا في نجاح
الرئيس الاميركي الجديد في تنفيذ التزامه
اقامة دولتين اسرائيل وفلسطين. وان تغيير
الحكومة ليس سهلا، واذا تحقق فقد يستغرق
وقتاً. وان تغيير الوضع الفلسطيني ليس
سهلا على الاطلاق، وقد يكون مستحيلا رغم
مساعي مصر. والى الاستنتاج ايضا ان ظروفا
داخلية او دولية او شرق اوسطية او عالمية
قد تطرأ وتعدّل اولويات الرئيس اوباما او
تجعله مضطرا الى الاعتناء بقضايا اكثر
تأثيرا على امن بلاده ومصالحها الحيوية
والاستراتيجية. مع الاشارة الى انه قد
يكون لأي تطور اقليمي يشغل اميركا رغم
سلبياته اثر على ازمة الشرق الاوسط
والصراع الفلسطيني – الاسرائيلي أو اكثر
من اثر. وهذا الاثر قد يكون سلبيا كما قد
يكون ايجابيا. والى ان الشريك الفلسطيني
كان موجوداً في السابق ايام الراحل ياسر
عرفات. لكن تصلب اسرائيل وامتناع اميركا
عن ممارسة ضغوط على اسرائيل افقد، في رأي
جهات دولية عدة، الفلسطينيين صفة الشريك
وطبعا رافق ذلك تمسك عرفات "بتاريخيته"
الذي منعه من "التنازل" الذي كان لا بد
منه وإحجام العرب عن اقناعه بتقديمه.
المصدر:صحيفة
النهار اللبنانية -
أية
اعادة نشر من دون ذكر
المصدر تسبب ملاحقه
قانونيه