22-09-2008

الرئيسيةأخبارأخبار الوطناتصل بنا 
 

إشارات الحجز أو الرهن العقاري

زياد غصن

 

يبدو لافتاً أن يتحول بيان قيد عقاري، يفترض بالأحوال العادية ألا تزيد محتوياته عن صفحة واحدة، إلى (رول) ورق طويل، بسبب كثرة إشارات الرهن الموضوعة على العقار طيلة السنوات السابقة، والتي قد يتجاوز عددها أحياناً (50) إشارة تختلف وظيفتها والجهة المسجلة لصالحها وبعضها يعود لـ (الخمسينيات) و(الستينيات) من القرن الماضي.
هذه الحالة لم تعد نادرة أو نسبتها قليلة كما كان الحال عليه في السابق، إنما هي اليوم تنطبق على كثير من العقارات التي تحولت صحائفها العقارية إلى أضابير خاصة من الإشارات، الأمر الذي يثير الاستغراب والفضول لمعرفة أسباب وضع إشارات الرهن وغاياتها وشروطها القانونية، والأهم مدى موضوعية ومصداقية ما يساق من معلومات حول وجود إشارات رهن للابتزاز والأعمال الكيدية؟!.

تأمين وحجز:
بداية لابد من التمييز بين نوعين من إشارات الرهن التي توضع على الصحائف العقارية، الأولى تسمى إشارات التأمين الإجباري الذي توضع لصالح المصارف العامة والخاصة كضمانة للقروض والتسهيلات المصرفية والمالية الممنوحة للمتعاملين، والثانية تتمثل في إشارات الحجز التي تسجل على صحيفة العقار تبعاً لنصوص قانونية واضحة إما تكون لصالح جهات عامة أو خاصة أفراداً أم مؤسسات.
خلال الفترة الماضية ومع دخول ما يقرب من (سبعة) مصارف خاصة تقليدية السوق السورية، وزيادة عدد القروض والتسهيلات الممنوحة من قبل المصارف العامة وتنوعها زادت إشارات التأمين المسجلة على صحائف المتعاملين وبشكل كبير باعتبارها أحد أهم الضمانات العينية التي تعتمدها المؤسسات المصرفية لمنح القروض والتسهيلات للمتعاملين والمواطنين، ومع أن المصرف العقاري، يستحوذ تبعاً لمهمته الرئيسية في توفير التمويل اللازم للأفراد لشراء المساكن وإكسائها وترميمها على النسبة الكبرى من تلك الإشارات، إلا ما حصل في المصرف الصناعي مثلاً أو في باقي المصارف العامة الأخرى خلال السنوات من عدم كفاية الضمانات العقارية الموضوعية ووهمية بعضها فتح ملف الموضوع على مصراعيه، ويؤكد هنا الدكتور (أنيس المعرواي) مدير عام المصرف أن الصناعيين المدينين الكبار للمصرف والذين يتراوح عددهم مابين (10 - 15) رجل أعمال ومجموعة صناعية ويستحوذون على (50 %) تقريباً من قيمة الديون المتعثرة لدى المصرف والبالغ حجمها نحو (14) مليار ليرة يمكن تقسيمهم إلى شرائح تبعاً لعلاقاتهم مع المصرف، فهناك شريحة صدرت بحق المدينين فيها قرارات حجز نهائية إذ إنهم لم يجروا أي تسوية والمصرف قطع معهم كل مراحل الإجراءات القانونية التي وصلت لمرحلة البيع بالمزاد العلني ومع الأسف الطريق شبه مسدود إذ إن عمليات البيع لم تنجح حتى الآن نظراً لعدم وجود الراغبين بالاشتراك بالمزاد.
لا يستبعد المعراوي في إجابته على هذا السؤال حدوث ذلك فربما يكون المصرف مخترق لاسيما أن هناك أشخاصاً في اللجان المشكلة لهذه الغاية من خارج المصرف، لكن طبيعة الأصول المعروضة للبيع الطلب عليها قليل ومحدود، فالآلات التي كانت تشكل في النظام السابق نسبة كبيرة من الضمانات ووصل عمرها الإنتاجي لنحو (7) سنوات مثلاً تفقد الكثير من قيمتها لذلك يكون الطلب عليها قليلاً ولا يغطي مبلغ الدين.
الشريحة الثانية التي تحدث عنها معراوي هي التي تضم في عضويتها المدينين الذين دخل معهم المصرف في صراعات ونزاعات قانونية وبدلاً من أن يكون المصرف مدعياً أصبح مدعى عليه، ومع ذلك ظل هؤلاء زبائن المصرف الذين تواصل معهم واستطاع التوصل معهم إلى تسويات إنما للأسف لم يلتزموا بها، فهناك من أجرى تسوية في العام (2006) أو في العام (2007) إلا أنه لم يبادر إلى السداد وبالتالي: (فنحن نكثف من إجراءاتنا ونحاول إقناعهم بإجراء تسويات مع التشدد بإجراءات أخرى كالحجز على كل شيء وهناك أمور لا يتخيلها أحد تم الحجز عليها من العلامة التجارية إلى سياراتهم الشخصية الخاصة وغير الخاصة وسيارات وممتلكات زوجاتهم وأولادهم والكفلاء جميعاً). ‏
والأمر ذاته كاد أن يحصل مع مصرف التوفير الذي تعرض لمحاولة تضليل وخداع مع بداية إطلاق ما سمي (القرض الشخصي) لجهة الرهون العقارية التي قدمت من البعض، والتي تبين إما أنه مبالغ في قيم التخمين المالي لها، أو أنها غير ذات جدوى نظراً لوقوعها في مناطق ليست جاذبة استثمارياً, وبالتالي فهذه العقارات لا تحافظ على قيمتها أو تزيد مستقبلاً، وهو ما أدى لاحقاً إلى إيقاف المصرف لهذا النوع من القروض لمدة عام كامل تقريباً، قبل أن يعيد منحها بشروط و آليات جديدة.
ولعل ما حدث في (الولايات المتحدة الأمريكية) من أزمات مالية تفاقمت بشكل متوقع خلال الفترة الماضية كان نتيجة ما سمي بأزمة الرهن العقاري، حيث وجدت المصارف الأمريكية نفسها أمام ضمانات غير قادرة على سد جزء من القروض الممنوحة لا سدها بالكامل، فحدث ما حدث من انهيارات وأزمات مالية وانخفاض في سعر الدولار إلى جانب عوامل أخرى!.
وما تجب الإشارة إليه هنا هو أن التأمين العقاري يسجل على صحيفة المالك في السجل العقاري دون أن يضع العقار تحت تصرف الدائن، إذ لا يمنع وضع هذا النوع من إشارات الرهن من بيع العقار والتصرف به، لكن مع احتفاظ الدائن بحق طلب بيع العقار في المزاد العلني من أجل استيفاء دينه رغم تبدل مالك العقار، فيما العقار المرهون لا يمكن بيعه إلا بموافقة الدائن.
أما إشارات الحجز فهي تتم للأفراد وفق ما يؤكده السيد (محمد درموش) مدير عام المصالح العقارية بناءً على أوامر قضائية أو طلبات من بعض الجهات المعنية التي حددها القانون وهي وزارة المالية نتيجة صدور قرارات حجز احتياطي أو وزارة الداخلية نائب الحاكم العرفي، أو نتيجة اتفاق الأطراف أو الأشخاص المعنيين بوضع إشارة الحجز، مشيراً إلى أن عدد هذا النوع من الإشارات كبير جداً تبعاً لتداخل العلاقات الاجتماعية ومصالح المواطنين وتصرفات المالكين تجاه الدولة أو تجاه حقوق الآخرين، إذ أن هناك عقارات تجد صحائفها العقارية مليئة بإشارات الحجز من مختلف الأنواع فيما عقارات أخرى نظيفة تماماً، وهذا ليس عائد فقط لعلاقة المالك مع الآخرين من جهات عامة وخاصة وأفراد بل نتيجة ما تضعه الجهات العامة المعنية من إشارات استملاك ونفع عام لصالح هذه الجهة أو تلك.
وعند وضع إشارات الرهن أو الحجز يتم إعداد إضبارة كاملة تتضمن رقم عقد الرهن، تاريخ قيده في السجل العقاري، نوع الرهن، وغير ذلك من الوثائق التفصيلية، والإشارة من هذا النوع لا تمنع مالك العقار من بيعه أو التصرف، إنما وجود إشارة حجز يقيد الملكية ويحد من أهمية ذلك العقار لاسيما لجهة التخمين المالي له عند البيع ودرجة الإقبال على شرائه.
وبالنسبة لرفع إشارة الحجز عن الصحيفة العقارية لأي عقار يبين مدير عام المصالح العقارية أن ذلك لا يتم إلا بموجب النصوص القانونية اللازمة، فمثلاً إشارة الحجز الموضوعة بموجب أمر قضائي لا ترفع أيضاً إلا بموجب أمر قضائي، وكذلك بالنسبة للإشارات الموضوعة بناء على طلب الجهات العامة سواء كانت للنفع العام والاستملاك أو كانت في سياق إجراءات الحجز الاحتياطي وباتفاق الأطراف التي تم برضاها واتفاقها وضع الإشارة.

كيدية!
ولعل من أكثر القضايا التي تثار في سياق الحديث عن إشارة الحجز أو الرهن المسجلة في الصحيفة العقارية ما يتعلق بالإشارات الموضوعة لغايات كيدية أو بغية ابتزاز أصحاب العقارات، وهذا ما يحدث عملياً في مشاريع البناء الحديثة أو عند محاولة صاحب عقار بيعه عقاره أو تحويل غايته الاستثمارية، ويمكننا هنا تحديد أشكال الابتزاز والغايات الكيدية بما يلي:
- افتعال الكثير من الأشخاص لمشاكل وادعاء حقوق عند قيام أحدهم بالاتفاق مع مستثمر على استثمار عقاره، وذلك بغية الحصول على مبلغ معين من المال جراء تنازله عن الإجراءات القضائية، وغالباً ما تنتمي هذه الشريحة إلى جيران مالك العقار أو أقاربه.
- لجوء البعض إلى وضع إشارات حجز على عقارات بغية خفض ثمنها وإجبار صاحبها على بيعها لهم بسعر أقل من السعر الحقيقي لها، وهذا عادة ما يحصل في الأراضي الزراعية بالأرياف والمناطق الزراعية.
- إشارات الحجز التي توضع على المنشآت والشقق السكنية والمكاتب التجارية والمراد منها التسبب لمالكها ومستثمرها بالخسارة المالية نتيجة خلاف شخصي أو خلاف في العمل.
- إدعاء الأقارب بحقوق لهم في ملكية بعض العقارات المتوارثة رغم معرفتهم ضمنياً أنه لا حقوق لهم، لكن النزاعات والخلافات العائلية تفضي إلى هذا النوع من الأعمال والذي غالباً ما ينتهي مع انتهاء تلك الخلافات والنزاعات.
و نقطة الخطر الكامنة في إشارات الحجز تتمثل في طول مدة التقاضي التي قد تمتد لنحو (10 – 15) عاماً، يبقى خلالها العقار مقيداً فاقداً لقيمته السعرية الحقيقية، وربما تكون تأكيدات وزارة العدل في مشروع إصلاح القطاع القضائي، من أنها عازمة على اتخاذ إجراءات وإعداد تعديلات تشريعية تحد من الدعاوى الكيدية، التي تستهلك الكثير من جهد القضاة وعمل المحاكم، تمثل بداية الحل لهذه المشكلة العسيرة في استغلال إجراء قانوني لغايات شخصية غير ثابتة.
وهنا يوضح السيد محمد درموش أن كل ما تستطيع فعله مديرية المصالح العقارية في الحد من هذه الظاهرة هو الالتزام بتطبيق القانون لجهة وضع إشارات الحجز ولا تقبل وضعها إلا بمفصل هوية كامل منعاً لحدوث التباسات كما كان يجري سابقاً، حيث أن هناك ما يقرب من (6) آلاف حالة أصحابها ممنوعون من التصرف تعود لما قبل العام (1998) وهي حالياً تعالج تبعاً لوضع وظروف كل حالة.

أخيراً:
رغم أهمية إشارة الحجز أو الرهن العقاري في ضمان حقوق الآخرين وإعادة التوازن لعلاقة المالك بالوسط المحيط والالتزام بما له من حقوق وما عليه من واجبات، فالصحيفة العقارية هي بمثابة هوية تحدد واجبات والتزامات وحقوق المالك تجاه مجتمعه، إلا أن انتشار ظاهرة اللجوء إليها كعمل وقائي له غايات غير شرعية يفقد الإجراء أهميته ومصداقيته في المجتمع، لذلك ثمة ضرورة ملحة للحد من ظاهرة الكيدية والاستغلالية في ممارسة هذا الإجراء حفاظاً على قيمة العقارات وحقوق مالكيها وتقليصاً لنزاعات لا تفضي إلا إلى مزيد من التنافر وبعثرة جهود الكثير من الجهات العامة والخاصة.

المصدر:مجلة أبيض أسود - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها