Syrian Observatory

الرئيسيةأخبار

23/07/2008

ما هو التغيير الذي تطلبه سوريا ؟

سركيس نعوم

 

سئل وزير الخارجية السوري وليد المعلم، بعد لقائه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان: هل سيكون هناك تغيير في التعامل (اي تعامل سوريا مع لبنان)؟ فاجاب: هذا يتوقف على التغيير في لبنان.
هذان السؤال والجواب يعنيان ان التعامل السوري مع لبنان لم يكن ايجابياً في السابق وان التعامل اللبناني مع سوريا في الفترة نفسها لم يكن ايجابياً بدوره وان تخلي كل منهما عن السلبية في التعاطي والآخر يتوقف على تغييرهما الكثير من المواقف والسلوكيات التي اوصلتهما الى حدود القطيعة. وهذا المعنى للسؤال والجواب المذكورين اعلاه في محله. ذلك ان سوريا، بعد انتزاع المجتمع الدولي منها التفويض لادارة لبنان اواخر 2004 وانسحابها منه عسكرياً، مارست في حقه سياسة انتقامية تجلّت في تشجيع كل الجهات التي لا مصلحة لها في استقراره والتي لا تعيش الا في ظل ضعف دولته او غيابها، على التصرف على هواها وذلك بعدما قدمت اليها كل انواع الدعم والتغطية. كما انها طبقت اجراءات الحقت اضراراً مهمة بلبنانيين وبقطاعات اقتصادية لبنانية اساسية. اما لبنان، بعد تصاعد مواجهته مع سوريا، فقد حمّلها عبر الغالبية النيابية فيه مسؤولية مباشرة عن الدماء الزكية التي اريقت على ارضه وكذلك مسؤولية العنف واضعاف الدولة ومؤسساتها واعادة القوة الى حلفائها وخصوصاً بعدما حشرتهم تطورات 2004 والنصف الاول من 2005. فضلا عن ان البعض فيه خاض معركة تغيير النظام في سوريا حرصاً على استقلال لبنان واستقراره. علماً انه خاض ايضاً معركة ادانتها امام العالم عبر المحكمة الدولية التي اصر عليها وصارت تشكل احراجاً لها (اي سوريا).
ما هو التغيير في لبنان الذي يقصده الوزير السوري المعلم؟
لن "نبصر" ولكن نستعمل التحليل للجواب عن هذا السؤال، فنقول ان التغيير قد تكون له اشكال عدة. الاول، عودة لبنان في تعامله مع سوريا الى ما كان عليه قبل خروجها منه. ويعني ذلك تسليمه الكامل بان الرئيس السوري هو قائد المسيرة في لبنان، اضافة الى سوريا، وان امور الدولة اللبنانية كلها تخضع لاستراتيجيا سورية تأخذ في الاعتبار مصالح سوريا في الدرجة الاولى، وعندما تأخذ مصالح لبنان في الدرجة الثانية يكون ذلك بغية تعزيز المصالح السورية. واوضح مثال على ذلك الدعم الكبير الذي قدمته سوريا الى "المقاومة الاسلامية" والذي مكنها من تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي ولكن الذي مكّن سوريا في الوقت نفسه، ومعها حليفتها ايران، من الامساك بلبنان وتأسيس دولة لهما داخله اقوى من دولته الرسمية.
اما الشكل الثاني من التغيير، فهو إقدام الطبقة السياسية اللبنانية على تصويب سياساتها وممارساتها، فتتصرف انطلاقاً من مصلحة الوطن والدولة لا من مصلحة الشعوب التي تمثل وتمتنع عن تكرار ما فعلت مع سوريا ايام الوصاية، اي الانبطاح امامها والتزلف لها ومسايرتها وعدم رفض اي طلب لها الامر الذي جعلها تعتقد ان امساكها بلبنان صار نهائياً. طبعاً يبقى هناك شكل ثالث للتغيير يتمثل في نجاح القوى اللبنانية المؤيدة لسوريا وايران في انتزاع الغالبية النيابية في انتخابات سنة 2009 وانطلاقها من ذلك مع امكاناتها الكبيرة لاقامة وضع لبناني جديد حليف لسوريا ولكن غير واقع تحت ادارتها المباشرة كما كانت الحال في السابق. مع احتمال ان يتطور هذا الوضع في المستقبل تبعاً للتطورات في المنطقة والعالم وبينهما سواء في اتجاه الاستقلال اللبناني الناجز او "الانمساح" اللبناني النهائي.
في اي حال للوزير السوري وليد المعلم الحق في ان يتحدث عن التغيير في لبنان ويضعه شرطاً لتغيير في سوريا. ولكن ألا يعتقد ان من حق اللبنانيين ان يطلبوا بدورهم تغييراً من سوريا تجاههم بل تجاه بلادهم، رغم معرفتهم انهم مسؤولون عن تصرفها الذي استباح لبنان عقوداً؟ وهل يعتقد ان تغييرا لبنانياً احادياً سيجعل العلاقة بين البلدين الشقيقين متكافئة ومتكاملة، وهو ما يريده
اللبنانيون؟
الجواب عن السؤال الاول هو ان من حق اللبنانيين ان يطالبوا علناً بتغيير سوريا استراتيجيتها تجاههم، واذا لم يفعلوا ذلك يخسرون وطنهم ويزيدون في تجرّؤ سوريا وغيرها عليه. ومن حقهم ايضا ان يرفضوا ان يكونوا جزءاً منها وتابعين لها. ومن حقهم كذلك ان يرفضوا علاقات مباشرة بين دولة سوريا واحزاب لبنان وطوائفه ومذاهبه وقياداته ونقاباته ورجال الدين فيه على حساب دولتهم ومؤسساتها.
ومن حقهم اخيراً ان يرفضوا اي اجراء ينال من استقلالهم.
اما الجواب عن السؤال الثاني فهو ان اقتصار التغيير حيال سوريا على لبنان فقط لن يحل مشكلة العلاقة بينهما على المدى الطويل، بل سيختم الجرح على "زغل" وسيبقي لبنان بشعوبه كلها جاهزاً عند تغير الظروف الايجابية للنظام السوري داخل بلاده او خارجها للانقضاض عليه. وهذا امر لا يريده اللبنانيون العاقلون ايا تكن نظرتهم الى هذا النظام ولا يحتملون كلفته.
في اختصار ان لبنان وسوريا اليوم في بداية مرحلة طويلة من تطبيع صعب يرتبط بعوامل عدة منها سوري ومنها لبناني ومنها عربي ومنها اقليمي ومنها ايراني ومنها اسرائيلي ومنها دولي. ونأمل ان يكون القادة في البلدين على مستوى قيادة هذه المرحلة نحو خاتمة ايجابية.

المصدر :النهار  اللبنانية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها