Syrian Observatory

الرئيسيةأخبار

23/07/2008

خواطر في العلاقة اللبنانية - السورية

جورج ناصيف

 

رغم ان زيارة الوزير السوري وليد المعلم ذات وظيفة محددة، قوامها دعوة الرئيس ميشال سليمان الى سوريا، إلا انها فتحت وتفتح ملف العلاقات اللبنانية – السورية على مصراعيه، بجميع ما يتضمنه من عناوين ومعضلات متراكمة او مستجدّة، وما يثيره من خواطر وانطباعات.
اولاً: ان العلاقات اللبنانية – السورية ذات خصوصية، ويفترض ان تكون "مميزة" فعلاً، نظرا الى ثقل التاريخ والجغرافيا والتداخل السكاني والمصاهرة والمصالح الاقتصادية المتبادلة. فما يصح بين مجرد دولتين متجاورتين لا يصحّ بين لبنان وسوريا. وما يصح بين مجرد دولتين سيدتين لا يصح أيضاً بين لبنان وسوريا.
ثانيا: ان العلاقات اللبنانية – السورية ليست شأنا يتصل بالعلاقات الخارجية بين دولتين، بل هو شأن داخلي ذو صلة بالعلاقات بين المكونات الطائفية والسياسية للبلد.
فسوريا جزء داخلي من النسيج اللبناني، والعلاقات معها عنصر مقرر في التسالم او التحارب اللبناني بين الكتل الشعبية – الطائفية.
هذه نقطة قوة بالغة للجانب السوري لا يملكها الجانب اللبناني، فلبنان ليس جزءا من المصير السوري الداخلي لأسباب عدة، منها ان سوريا تكوّنت نهائيا كدولة اقليم ذات عصبية وطنية وتماسك اهلي، فيما لبنان ما زال يحمل آثار تصدعات داخلية منذ تكوينه ككيان سياسي، وقبل الاستقلال وبعده، وذلك بفعل نظامه الطائفي الذي يجعل من كل طائفة "شبه امة".
لذلك، فإن فكرة "تدخل" سوريا في شؤون لبنان ينبغي ان تحمل معنى مختلفاً عن اي تدخل مماثل من دولة في شؤون دولة جارة. فسوريا لا تتدخل، بحسب عُرفها، في بلد "خارجي"، بل في ما تعتبره امتداداً لها بصورة من الصور، مهما بلغ استقلاله.
ثالثاً، ان ضعف فكرة الدولة اللبنانية، وحداثة تكوينها، ومعطوبية تركيبتها، وانكسار وحدتها عند كل منعطف سياسي كبير، هي عنوان رئيسي من عناوين هشاشة الواقع اللبناني. وعدم قدرة الدولة على "الندية" في علاقاتها مع سوريا، فالندية الفعلية لا تنبع من دعم خارجي يبقى هشا وظرفيا (كما الحال اليوم) بل من مكونات داخلية صلبة تسمح لهذه الندية بان تولد وتنمو، الامر غير المتوافر حاليا. فالدور الفرنسي يفسّر كثيرا من المواقف السورية الايجابية.
رابعا: ان الشعار الصحيح الذي يقول "ان لبنان لا يحكم من سوريا، ولا يحكم ضد سوريا" يجب ان توضح له تحديدات دقيقة: ما هي العناصر التي تجعل السياسة اللبنانية توصف بانها "ضد" سوريا، او مرتهنة لسوريا؟
ماذا يعني ان لا يحكم لبنان "من" سوريا؟
هل الغاء تدخل المخابرات السورية في الشؤون الداخلية اللبنانية يكفي للقول ان لبنان لا يحكم "من" سوريا؟
وهل استقلالية السياسة الخارجية للبنان تكفي؟
في اية حقول يجوز التنسيق بين السياستين، وفي اية حقول لا يجوز؟
خامسا: اذا كان الوضع اللبناني على القدر الحالي من التفسخ والاختلاف العميق حيال طبيعة العلاقة المطلوبة مع سوريا، فان التعامل المتوتر معها (كما الاستسلام في زمن الوصاية) لا يفيد احدا، بل ينقلب على التركيبة اللبنانية الداخلية.
علاقة قوى الاكثرية بالثنائي الشيعي تمرّ من هذا الباب، ولا سبيل الى "تطبيع" العلاقة بين لبنان "المشروع الاستقلالي" مع "حزب الله"من غير تطبيعها مع سوريا اولا.
سادسا: بسفارة ومن دون سفارة، ستبقى سوريا "قدر" لبنان. نعمته او مصيبته، تبعا للسياسة في كلا البلدين. ولا خروج من هذه المعادلة اذا اريد للبنان ان يستقر وينعم بسلام داخلي.
المهم هو كيف ندير هذه العلاقة بحكمة؟ وكيف نخرج من الماضي، بوجهيه الاستسلامي والعدائي؟ لا الاستسلام ممكن، ولا العداء ممكن.
وباب الابواب ان ينشأ توافق داخلي على الحد الادنى من بناء دولة، والحد الاقصى من علاقة "سليمة"، هادئة، عقلانية ودية، بين دولتين مختلفتين، وملزمتين التعايش، وان صعباً، الى الابد.


•••

تبقى حاشية كان يجب ان تتصدّر المقال، او تشكل جوهره:
ليس مقبولاً، انسانيا ووطنيا، ان يبقى ملف المفقودين في سوريا مفتوحا بلا جواب. هذه فجيعة. هذا عار لبناني عام. لن تكون الدولة دولة قبل ان تسأل عن مصير ابنائها. ولن يستحق اي سياسي او منشغل بالشأن العام صفته البشرية ان بقي ساكتاً.

المصدر :النهار  اللبنانية  - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها