23-09-2008

الرئيسيةأخبارأخبار الوطناتصل بنا 
 

أزمة « الدقيق التمويني » بين العقليات المتحجرة وآلية اتخاذ القرارات

فراس حداد

 

منذ أكثر من ستة أشهر، نشرت سوريا الغد، في قسمها الاقتصادي، مقالا بعنوان «الخبز السياحي يقترب من 50 ليرة فهل من مستشرف»، طالبنا خلاله مديرية المطاحن ومن خلفها وزارة الاقتصاد، التنبه للآثار التي سيخلفها ارتفاع اسعار الدقيق الابيض في الاسواق السورية، واشرنا حينها الى ان الفروقات الكبيرة في اسعار نوعي الخبز السياحي ، والتمويني ، والذي فاق الثلاثة أضعاف ، سيؤدي حتما الى تحول في طلب العائلات السورية نحو الخبز التمويني المدعوم من قبل الدولة ، مما سيخلق ازديادا كبيرا في استجرار الدقيق التمويني من المطاحن العامة ، سيؤدي لحدوث ازمة ، توقعنا حينها اشتدادها مع نهاية العام الحالي .
وبعد ان ترافق هذا الموضوع لا حقا ، مع فضيحة المخزون الاستراتيجي من القمح منتصف هذا العام ، وأزمة المازوت بعيد ذلك ، توقعنا حينها ان تباشر وزارة الاقتصاد الى اتخاذ ما تراه مناسبا لاعادة التوازن للاسواق ، وخاصة فيما يتعلق بدعم المخابز السياحية ، وتوفير الدقيق الابيض لها باسعار منطقية ، لكن للاسف لم تحرك الوزارة ساكنا .
بل على العكس من ذلك ، فقد أصرت الوزارة بالتنسيق مع مدير المطاحن العامة في ذلك الوقت ، على اتباع خطة محكمة لحصر انتاج الدقيق التمويني ، وذلك بتحديدها الكميات المسموح باستجرارها لكل محافظة شهريا من الدقيق التمويني ، ولم تكن المصيبة في الخطة حينها ، بل في طريقة تقدير هذه الكميات ، اذ تم الاعتماد حينها على ارقام السنة الماضية ذاتها ، ومن ثم زيادتها بنسبة زيادة النمو السكاني لا غير !! .
هذا الامر اثار استغرابنا بشدة حينها ، فعدنا من جديد ونشرنا مقالة بعنوان «مابين التخطيط الاستشرافي وتخطيط كل شي ماشي» في بداية الشهر الخامس ، طالبنا من خلالها مديرية المطاحن بالتريث في اتختذ هذه الخطة ، وباعادة حسابة ارقامها بناء على متغيرات كثيرة ياتي في مقدمتها مواضيع ، الفوارق الكبيرة مع اسعار الخبز السياحي ، والتهريب ، اضافة الى قيام مربي المواشي بتحويل الخبز التمويني الى طعام للمواشي ، بعيد ارتفاع اسعار الاعلاف ، كلها متغيرات حقيقة لا بد باخدها بعين الاعتبار عند توقع كمية الطلب على الدقيق التمويني في قادمات الأيام .
وكالعادة لم تلق مطالبتنا اي آذان صاغية ، فماذا كانت النتيجة ؟
النتيجة ، وللاسف ، جاءت باعتراف مدير شركة المطاحن العامة ، الخميس الماضي ، بان ضغطا شديدا حصل على طلب الدقيق التمويني ، خلال العام الحالي ، وصفه بنفسه ، بالزيادة البالغة الخطورة ، والتي بلغت حسب ارقامه 120 ألف طن من الدقيق التمويني عن الخطة الموضوعة ، هذا الاعتراف لم يخلو من الاقتناع بان النمو السكاني ليس هو العامل الوحيد في تحديد حجم الطلب على الدقيق التمويني ، بل ثمة عوامل آخرى ، فندها مدير الشركة المذكورة بالفوارق مع الخبز السياحي والتهريب وموضوع الاعلاف ؟!!!
نعم لقد اعترف نفس المدير بنفس الاسباب التي حددناها له منذ ستة أشهر ، لكن كما يقولون
«بعد ما ضرب الفاس بالراس».
ونحن ها هنا ، لا نكتب مقالتنا هذه لنسجل نقطة على هذه الجهة او تلك ، على الاطلاق ، بل كل ما في الامر ان المتغيرات والسيناريو الذي توقعناه ، لا يحتاج الى خبير اقتصادي لرؤيته ، بل ان اي تاجر له دراية في الاسواق يمكن ان يتوقعه بقليل من الحنكة ، هذا الامر ترك لدينا انطباعا بالغ الخطورة ، أنسانا الازمة التي أوقعت مديرية المطاحن نفسها بها ،
الا وهو ان آلية النظر للمستقبل القريب وتوقع النتائج ،غير موجود على الاطلاق عند العديد من مدراء شركاتنا العامة ، بل هي وللاسف غير موجود حتى عند الكثير من لجان وزارة الاقتصاد المختصة في هذه المسائل ، وهي بالذات من اوصلتنا الى العديد من الكوارث الاقتصادية هذا العام فيما يتعلق بمواضيع القمح والقطن والمحاصيل الاستراتيجية وارتفاع الاسعار والتضخم و..و..و....
فالى متى سنستمر في معالجة الامور وفق هذه الآليات ؟ وهل سندخل التخطيط الاستشرافي الى مفاهيمنا ، أم سيبقى التخطيط الآني ، في انتظار المصائب ومن ثم العمل على حلها ، أحد الرموز التراثية للاقتصاد السوري ؟

المصدر:سوريا الغد - أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها