في ذكرى
التحرير وقيام «جمهورية سليمان» ... اتفاق الدوحة: وقف اطلاق
النار أم انقاذ وطن؟
عادل مالك
عند الساعة الخامسة من عصر اليوم الأحد سيكون العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد طول انتظار، وينتقل بعد أداء القسم الدستوري من مكتبه في وزارة الدفاع في اليرزة إلى القصر الجمهوري في بعبدا المهجور من رئيسه منذ ستة شهور. ورغم قصر المسافة بين المكتبين، لكن رحلة «العبور» استغرقت وقتاً قياسياً من التعقيدات والمطبات. وهذا الأمر لم يكن ممكناً أو متاحاً حتى قبل بضعة ايام حتى كان «صلح الدوحة» الذي أدى إلى هذا التحول الكبير.
ويتزامن ذلك مع ذكرى وطنية عزيزة هي ذكرى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان العام 2000، هذا الانجاز الكبير الذي غرق في متاهات الصراعات المحلية الضيقة.
ومع بداية المرحلة الجديدة من تاريخ لبنان المعاصر أو ما يمكن تسميتها بـ «جمهورية سليمان»، الأسئلة المتداولة كثيرة للبعض منها اجابات، فيما تبقى علامات الاستفهام ملازمة للبعض الآخر منها بانتظار الزمن الآتي. ومن ذلك: هل ما صدر عن الدوحة هو اتفاق لوقف اطلاق النار أم أبعد من ذلك وأكثر صلابة؟
في النزاعات والصراعات بوجه عام لا يتم التوصل إلى اتفاق أو تفاهمات يشعر معها كل فريق بأنه حصل على بعض ما يطالب به، وأن يتنازل للشريك الآخر في الوطن انقاذاً لتعايش مشترك بلوغاً ذات يوم إلى استعادة مرحلة العيش المشترك.
ووفق المعادلة اللبنانية المتأصلة لم يكن بإمكان فريق الموالاة أو المعارضة الحصول على كل المطالب، بل ان صيغ التسويات هي التي تنتصر على ما عداها من الحلول ليتأكد اللبنانيون من جديد أن أي اخلال بالتوازنات الوطنية وبالتركيبة الطائفية لن يكتب له النجاح.
وفي هذا السياق يمكن القول: ليس بالإمكان أفضل مما كان. ومع ذلك وبموجب الذهنية اللبنانية الضيقة تطرح الأمور دائماً من زاوية الربح والخسارة. وفي هذا المجال سنشهد مرحلة من المقارنات حول حصول المعارضة على «الثلث الضامن» أو «الثلث المعطل» في التركيبة الحكومية العتيدة، وهي مهمة لن تكون سهلة إذا ما توقف السجال الوطني عند المكاسب الصغيرة قياساً بمصلحة لبنان العليا. وإذا ما حدد اتفاق الدوحة التوزيع الحكومي الجديد ستعود حالة التجاذب من جديد حول توزيع الحقائب السياسي منها والخدماتي.
للرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف (سعد الحريري أو فؤاد السنيورة) العثور على الصيغ الوطنية كي تبدأ مسيرة استعادة لبنان لوضع طبيعي أو ما شابه.
وتساؤل من نوع آخر: ماذا لو لم تلعب قطر دوراً للتوصل إلى هذا الحل؟ هل كان للأزمة اللبنانية أن تبقى عصية على الحل؟
ولعل هذا الأمر يطرح في الأساس والعمق كيفية دخول قطر على خط الحلول وتحقيق الانجاز الكبير الذي عجز عنه أطراف كثر، كي تأتي «الخلطة القطرية السحرية» لوضع حد للمأساة اللبنانية من «أن قطر بلد يعرف حدوده وهو لا يسعى لدور يفوق طاقته» يفسر إلى حد ما «هبوط» قطر المفاجئ على خط المصالحة بين الأفرقاء اللبنانيين، يضاف إلى ذلك أن الجانب الأهم من اتفاق الدوحة لم يكن نتاجاً قطرياً صرفاً، بل ان ما جرى خارج إطار اللقاء أسهم اسهاماً كبيراً في التوصل إلى ما جرى التوصل إليه، ونعني الاتصالات المكثفة التي كانت تجري بين الدوحة والعديد من الأطراف الاقليمية الفاعلة والمؤثرة وفي الطليعة سورية وإيران.
ويقول أحد المشاركين البارزين إن ما يزيد على اتصالات هاتفية أربعة جرت خلال اقل من ساعتين بين الدوحة وطهران (على سبيل المثال) حتى أمكن الخروج بالصيغة الأخيرة.
وفي الحسابات الضيقة: «تجمع 14 آذار» هزم... فيما تجمع 8 آذار خرج بمكاسب أكبر. لكن التحليل الموضوعي وما تبقى من عقلانية المشهدية اللبنانية يحتم التركيز على المعادلة التالية: لا لبنان 14 آذار «هزم»، ولا لبنان 8 آذار «انتصر»، بل هناك منتصر واحد هو لبنان. وفي عرفنا المتواضع أن القوي هو من يقدم تنازلات أكثر من دون اتهامه بالهزيمة، فيما «الضعيف» من يضع نفسه أمام متاريس أكياس الرمل ويعتصم بمواقفه خطأ كانت أم صواباً.
إن اللبنانيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم متعبون لدرجة عدم القدرة على الاحتفال بالاتفاق ويأملون أن تكون مع زوال الأسلاك الشائكة وخيم الاعتصام من ساحتي الشهداء ورياض الصلح ازالة لعراقيل التفاهم في ما بينهم.
وعندما سُئل العماد ميشال عون: كيف أمكن التوصل إلى اتفاق الدوحة؟ أجاب: «أخذوا هواجسنا بعين الاعتبار وأخذنا هواجسهم بعين الاعتبار».
بدت المصافحات بين أقطاب الحوار باردة ليس كحرارة الطقس الخارجي في الدوحة، وظهروا جميعاً وهم يتعانقون - ولو لعدسات التصوير على الأقل - وكأن على رؤوسهم الطير. وعلى رغم أنه ليس مطلوباً منهم تبادل القبلات والعناق وكأن شيئاً لم يكن، لكن ازالة الترسبات والتراكمات من القلوب والعقول يجب أن ترافق المرحلة الجديدة من بناء الوطن، خصوصاً أن اللبنانيين اختبروا نتائج الأحقاد والكراهية عندما تعمر في النفوس وتقضي على الحد الأدنى من الوفاق الوطني ومن التوافق.
لقد نجح الإنذار الشعبي العفوي والذي وجه الى المتحاورين في الدوحة وحذرهم من العودة الى الوطن من دون اتفاق، نجح في تحقيق أغراضه وسمح بـ «عودة» المتحاورين، لكن هل انتهت رحلة الآلام وأطول جلجلة في التاريخ؟
انه تساؤل الحريص على استعادة لبنان ولو بعضاً من عافيته وسيؤكد المواطن اللبناني مرة جديدة تميزه في سرعة التكيف مع الظروف العامة وفي التخلص من رواسب الماضي البعيد منه والقريب، وهذا ما ستكون عليه سمة المرحلة المقبلة على لبنان. وكان من الطبيعي أن تتفاوت آراء المشاركين في حوار الدوحة في ما انتهت اليه، إذ يصف الرئيس أمين الجميل الاتفاق بأنه «هدنة مديدة»، فيما أيد وليد جنبلاط كل ما يحافظ على السلم الأهلي وما يجنب البلاد والعباد المآسي والأحزان، وكذلك كان الحال مع سعد الحريري والرئيس نبيه بري وسائر الأفرقاء. أما ردود الأفعال الدولية فهي كانت متفاوتة وفي طليعة ذلك الموقف الأميركي الذي لا يزال ملتبساً، إذ أن الولايات المتحدة «رحبت بالاتفاق لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن الأزمة السياسية ما زالت قائمة»، وكأن واشنطن تريد أن تعبر عن عدم الرضى التام على اتفاق الدوحة. وباختصار شديد فإن اتفاق الدوحة يعتبر بداية جديدة لمرحلة من الاستقرار في لبنان يأمل الجميع أن تمتد وتطول.
وبعد...
* الأهم من الاتفاق هو معرفة كيفية المحافظة عليه وهذه مهمة بالغة التعقيد والحساسية حيث يجب أن يدرك جميع المتحاورين أنهم مسؤولون عن مستقبل الوطن الذي تم نحره كثيراً.. وهو ينزف. في المقاربات والمفارقات نقول: إن الحروب الأهلية التي عصفت بلبنان من العام 1975 حتى مطلع التسعينات انتهت باتفاق الطائف.
* وبعد حرب الخليج الثانية عقد مؤتمر مدريد للسلام العربي - الاسرائيلي.
* وبعد حرب أيار (مايو) 2008 برزت فجأة المعلومات الخاصة بالمفاوضات الجارية بين سورية واسرائيل بوساطة تركية والمعلومات تشير الى تقدم في هذا المجال، الأمر الذي يؤكد مرة جديدة مدى ترابط عملية السلم والحرب في لبنان بالواقعين الاقليمي والدولي.
* إن «صلح الدوحة» اتفاق لا يخشى منه بقدر ما يجب أن يخشى عليه من كثرة المتدخلين والمتداخلين في الشأن اللبناني سواء في السلب أو الايجاب.
* وسئل الشيخ حمد بن جاسم ما هو موقف المملكة العربية السعودية من هذا الاتفاق؟
أجاب: لو كنت سألتني هذا السؤال قبل سنة لكنت أجبتك باحتمال حدوث اختلافات، أما الآن فالعلاقات السعودية - القطرية هي على أفضل حال، وهذا كلام لافت بأسلوب رئيس الحكومة القطرية لتوصيف علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية التي سعت بكل الطاقات لتجنيب لبنان المزيد من المآسي والدموع.
* كان الكلام: ان انعكاس الخلافات العربية على الداخل اللبناني من شأنه أن يرهق لبنان في دفع استحقاقات باهظة التكاليف. الآن وفي المقابل فإن الأمن اللبناني يمكن أن يتم تصديره الى الخارج القريب منه والبعيد.
* من هذه الساعة بدأ لبنان مرحلة إعادة تكوين السلطة فيه من جديد، والمؤمل ألا يكون ذلك لمرحلة ظرفية أو آنية عابرة، بل لآجال قريبة المدى وبعيدة.
* ومرة أخرى وأخيرة: هل ما صدر عن الدوحة هو اتفاق لوقف النار؟ أم بداية فعلية لمرحلة جديدة من عمر لبنان؟
لقد فعل الخارج ما عليه أن يفعل من أجل لبنان، ويبقى على أهل «الداخل» أن يلتزموا بكل ما تتطلب منهم عملية البناء واستعادة الثقة بوطن يستحقه جميع اللبنانيين وجميع العرب وبعض العالم على الأقل.
المصدر
:الحياة السعودية-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه