|
 |
يعيش رئيس الحكومة اللبنانية سعد
الحريري هاجس الخوف من فشل حكومته
الائتلافية، التي مضى على تشكيلها أكثر من
شهرين، في تنفيذ برامجها الإصلاحية
والاقتصادية والاجتماعية، نتيجة عدم
انسجامها وتجانسها، كونها تتشكل من أكثرية
وأقلية لا تلتقيان على برنامج عمل أو على
مبادىء سياسية واحدة.
وتظهر في الأفق أجواء الاختلاف السياسي
داخل الحكومة حول المواضيع المهمة التي
تتعلق بتسيير أمور الدولة والمواطنين.
وتواجه الحكومة صعوبات جمّة في إنجاز
التشكيلات والتعيينات الإدارية، وفي
مقدمها تعيين لجنة الرقابة على المصارف
بعد انتهاء ولاية اللجنة السابقة آخر
كانون الثاني (يناير) الفائت، وملء
الشواغر الكثيرة في ملاك وزارة الخارجية
والإدارات الرسمية والمؤسّسات والمرافق
العامة. وسبب عدم التوافق على هذا الملف
المهم، هو طغيان المحاصصة الطائفية
والسياسية عليه.
وتواجه الحكومة أيضاً خلافات على
الانتخابات البلدية والاختيارية، نتيجة
التباين حولها بين الأطراف السياسيين
لاختلاف حسابات كل منهم..
وفشلت الحكومة في تحقيق الوعد الذي قطعته
للشباب بخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة،
نتيجة تمسك القوى السياسية المسيحية
بتلازم خفض سن الاقتراع مع اشتراك
اللبنانيين المقيمين خارج لبنان في
الانتخابات، وإعادة الجنسية إلى مستحقيها
من المغتربين. وكان على الحكومة ان تحتاط
لهذا الأمر بإنجاز آلية تسمح باستعادة
الجنسية وحق الاقتراع للمغتربين.
وبقي مشروع قانون موازنة عام 2010 خارج
التداول في مجلس الوزراء، خوفاً من السهام
المصوّبة اليه.
وبدأت تظهر في الأوساط الشعبية مشاعر
امتعاض وتذمر، بسبب التعثر في الأداء
الحكومي والعجز عن أي إنجاز. ويعود السبب
الرئيس لإخفاق الحكومة، الى تعطيل حلفاء
دمشق أي قرار في مجلس الوزراء، إذ يلجأون
بأسلوب بعيد من الاستفزاز وأكثر تلطيفاً
مما كان يحصل في عهد الحكومة السابقة، إلى
إهدار الوقت بالنـقاش الطويل غير
المجدي... ما يوحي بأنهم في انتظار تبدل
التوازنات الداخلية بعد الزيارة المرتقبة
للنائب وليد جنبلاط إلى دمشق، وتغيير
ميزان القوى في المنطقة لمصلحة حلفائهم
الإقليميين، من خلال المفاوضات السلمية أو
الحرب. ويحاولون في الوقت الضائع
الاستفراد بالحريري وعزله عن حلفائه في
«قوى 14 آذار» وإضعافه وتهميش دور.
وبقي المشهد السوري في لبنان من دون أي
تغيير، على رغم انتظار كثيرين إعطاء زخم
سوري للمرحلة الجديدة من العلاقات، ما
يعزز اقتناعاً بأن دمشق، بعدما استرجعت
دورها في المنطقة، لم تبدل تعاطيها مع
لبنان، وتعمل لتمييع كل ما توافق عليه
الرئيسان بشار الأسد وسعد الحريري خلال
لقائهما في دمشق، فهي لم تساعد في تنفيذ
القرار الذي أجمع عليه اللبنانيون وهو
إزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، بل
أبقته للضغط والمساومة. ويعتبر إرسالها
العقيد أبو موسى زعيم «فتح الانتفاضة»
الموالية لها، إلى لبنان وتصريحاته
الداعية إلى بقاء المعسكرات خارج
المخيمات، رسالة مكشوفة. كما لم تساعد
سورية في ترسيم الحدود مع لبنان كي يبقى
وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا مرتبطاً
بوضع الجولان، وما زالت تتجنب إعطاء
معلومات صحيحة عن اللبنانيين المفقودين
داخل أراضيها. وما يثير التساؤلات إعادة
الاستنابات القضائية السورية إلى الواجهة
والتلويح بمحاكمة غيابية للشخصيات
اللبنانية التي وردت أسماؤها في
الاستنابات، وغالبيتها مقربون الى
الحريري، ما يعتبر خطوة استباقية
للاستنابات القضائية المرتقبة من المحكمة
الدولية.
ويلتزم سعد الحريري سياسة ضبط النفس، وعدم
الانزلاق في السجالات، على رغم مواصلة بعض
وسائل الإعلام القريبة من دمشق التهجم
عليه. وهو في ذلك يريد الحفاظ على الأجواء
التوافقية والسلم الأهلي، خصوصاً أن
المعلومات الإعلامية والأمنية الإقليمية
والدولية تتوقع الفشل في التوصل إلى اتفاق
على البرنامج النووي الإيراني، وعلى
معاودة مفاوضات السلام مع إسرائيل على كل
المسارات، بالتالي اندلاع شرارة حرب
إسرائيلية مفاجئة وخاطفة على إيران، تؤدي
إلى توسع المواجهات إلى لبنان وغزة.
ويحاول الحريري الإفادة من أجواء الهدوء
الحالية، لإيجاد خرق في جمود العمل
الحكومي في ملفي التعيينات ومشروع قانون
الموازنة، ما يؤدي إلى تفعيل إدارات
الدولة، وإطلاق ورشة عمل حكومي لتنفيذ
مشاريع إنمائية وخدماتية تنشّط الاقتصاد
وتعزز النمو وتتيح فرص عمل.
وعلى رغم التزام الحريري سياسة الصمت وضبط
النفس، إلا أنه يرفض محاولات حلفاء دمشق
وطهران إبعاده عن حلفائه من مسيحيي «قوى
14 آذار»، وتهميش دوره الوطني واستنزاف
رصيده الشعبي، وحصر دوره في تغطية سلاح
المقاومة وتأمين الدعم الديبلوماسي
والمالي للبنان. إذ يعتبر أن دوره يشمل
تحقيق تطلعات اللبنانيين في حماية بلدهم
من الاعتداءات الإسرائيلية، ومن تهور بعض
القوى المسلحة غير الرسمية في زج لبنان في
حروب الآخرين. وضمن دوره أيضاً الدفاع عن
استقلال لبنان وسيادته وقراره الوطني،
وتعزيز العيش المشترك والاستقرار الأمني،
وتوفير العدالة للجميع، وتنفيذ برامج
الحكومة الإنمائية والإصلاحية
والاجتماعية، وإرساء علاقات ودية متوازنة
تراعي مصالح لبنان واللبنانيين مع الدول
العربية الشقيقة والأجنبية الصديقة.
بقلم فوزي زيدان |