صدر قرار عن مجلس
الوزراء اللبناني بإقامة علاقات دبلوماسية
مع سوريا وجوبه بعدم اكتراث من غالبية
اللبنانيين ويعكس هذا المزاج الشعبي حقيقة
الأزمة العميقة بين البلدين والشعبين
والمتفاقمة منذ عقود طويلة من الزمن وكانت
تجربة الاستجارة بالقوات السورية للمساعدة
علي فرض الأمن والاستقرار في لبنان منذ
منتصف السبعينيات من القرن الماضي وحتي
نهاية شهر ابريل نيسان 2005، غنية برموزها
ومدلولاتها، وبدل ان تستغل القيادة
السورية هذه الفرصة التاريخية النادرة
لتمارس المودة والحلم مع اللبنانيين وتكرس
العلاقات الندية الشفافة القائمة علي
الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة راحت
تمعن في ممارسة الفوقية بكل معاييرها
الاستغلالية.
إن تاريخا حافلا بكل هذه الاوجاع والكلوم
والمآسي، لا يمكن تجاوزه ومحو آثاره بقرار
فوقي يقول بإقامة علاقات دبلوماسية بين
البلدين لأن هذه العلاقات قبل ان تكون
دبلوماسية يفترض أن تكون موجودة أساسا،
ونابعة من الوجدان السوري لا بل من
القناعة بأن هناك بلدا جارا وشقيقا اسمه
لبنان وهو سيد حر مستقل، ويتمتع بسيادة
ناجزة يفترض حمايتها والحرص عليها
واحترامها وليس من خلفية أو من قناعة
سورية تقول بأن هذا اللبنان هو امتداد
للساحل السوري وهو صنيع الاستعمار الغربي
الذي جزأ المنطقة إلي دويلات وبالتالي هذا
اللبنان ما هو إلا خاصرة رخوة يجب ضمها
وتحصينها في أي ظرف يكون مواتيا؟!.
إن هذا الكم الهائل من الموروثات
التاريخية السلبية لا يرمم بقرار سطحي لأن
العلاقات الدبلوماسية يجب ان يسبقها
علاقات ثقة قائمة وراسخة بين الشعبين
والدولتين والبلدين، وهذه مع الأسف لا
يمكن إيجادها بكلام معسول وخطاب منمق ففيه
من المراوغة أكثر مما فيه من الشفافية
التي تعكس القناعات الصافية بضرورة تجاوز
الماضي، والتأسيس لمرحلة جديدة يشعر فيها
كل طرف بأنه ضرورة قصوي للطرف الآخر.
وقبل أن يتخذ مجلس الوزراء اللبناني قراره
بإقامة العلاقات الدبلوماسية حصلت تطورات
علي جانب من الأهمية عكستها المواقف التي
عبر عنها الرئيس بشار الأسد قبيل زيارته
إلي موسكو حيث أبدي استعداده لنشر منظومة
صواريخ روسية متطورة في كل المناطق
السورية ردا علي نشر منظومة الصواريخ
الامريكية في أوروبا وعلي ضفاف المتوسط،
كما أكد الاستعداد علي تطوير مرفأي
اللاذقية وطرطوس لاستقبال البوارج وحاملات
الطائرات الروسية في المتوسط وعلي بعد
أميال من الشواطيء الإسرائيلية.
ويأتي هذا التوجه ردا علي الأزمة
المتفاقمة في القوقاز ومساعدة اسرائيل
العسكرية لجورجيا في مواجهتها ضد الجيش
الروسي وتطور الموقف إلي ما يشبه عودة
سباق التسلح، وأيضا عودة الحرب الباردة
بين روسيا ومن معها من جهة، والولايات
المتحدة الأمريكية ومن معها من جهة أخري.
ولم يكن لبنان بعيداً عن هذه الاصطفافات
وقد بدأت عنده وعلي أرضه منذ تاريخ صدور
القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في
الأول من سبتمبر أيلول 2004 بتفاهم واضح
بين الرئيس جورج بوش والرئيس الفرنسي
السابق جاك شيراك يومها وقفت الموالاة بكل
تلاوينها السياسية إلي جانب هذا القرار
متعاطفة مع الولايات المتحدة الأمريكية
فيما وقفت المعارضة في الضفة الأخري مع
انحياز تام لسوريا واستطرادا للمحور
السوري - الإيراني.
بالطبع لا يمكن التكهن بالنتائج بحقيقة ما
توصل اليه الرئيس الأسد مع حلفائه الروس
من قرارات عسكرية واستراتيجية ولا يمكن
الاسترسال في ان روسيا خرجت فعلا من جلدها
إلي المواجهة مع الأمريكي والاوروبي وحلف
الناتو، و قررت ان تفتح علي حسابها وان
تمضي في لعبة محاور واصطفافات جديدة
مناونة فالأمر سيكون في غاية الخطور ومكلف
كثيرا إلي حد أنها قد لا تستطيع ان تتحمل
وزر اعبائه وتداعياته ومع ذلك وفي حال
قررت المواجهة والعودة إلي المتوسط فهذا
يعني دخول لبنان في مأزق جديد وحسابات
جديدة تعكسها مجموعة من الاسئلة والخيارات
ابرزها احتمال عودة التجاذب الحاد بين
فريقي الموالاة المدعومة من المحور
الأمريكي ومن معه والمعارضة المدعومة من
المحور الروسي - السوري ومن معه وهذا من
شأنه ان يعرض المصالحة التي تحققت في
الدوحة إلي الانهيار في ظل وجود كم هائل
من المواضيع الخلافية التي لم تأخذ طريقها
بعد إلي المعالجة.
وتزداد الخشية من أن يكون الانفتاح السوري
علي لبنان والقبول بإقامة العلاقات
الدبلوماسية بمثابة الطعم للفوز بصيد ثمين
ليس أقل من الامساك بزمام الملف الأمني في
لبنان وتعيين قائد جديد للجيش لا يشكل
تحديا لسوريا والالتفاف علي ما تبقي من
اتفاق الدوحة لوضعه موضع التنفيذ وفق
متقضيات المصلحة السورية من وضع قانون
جديد للانتخابات النيابية إلي هندسة طاولة
الحوار الوطني في قصر بعبدا وإدارة الحوار
بين الاقطاب اللبنانيين خصوصا وانه سيكون
برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال
سليمان والجامعة العربية مع إشارة سريعة
بأن دمشق لن تترك أي دور للجامعة إلا وفق
ما يتوافق ونظرتها لمجريات الأمور كونها
الرئيس الدوري للقمة العربية وتحت هذا
العنوان ستحجز لنفسها إما مباشرة أو
مداورة المقعد الرئيسي حول طاولة الحوار
ليكون لها الكلام الفصل في كل المواضيع
المطروحة او التي ستدرج علي الطاولة من
موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات
وداخلها، أو سلاح حزب الله، أو السلاح
السلفي الاصولي، أو السلاح الميليشوي، أو
الاستراتيجية الوطنية الدفاعية، أو الخطة
الاقتصادية، أو الاصلاحات السياسية في
النظام اللبناني، أو سائر المواضيع الأخري.
وقبل الوصول إلي هذه الطاولة ينظر
اللبنانيون بقلق بالغ إلي استحقاقين
داهمين: ان يزداد التوتر الدولي في
القوقاز فيكون الحل هناك اما الولادة ففي
الشرق الأوسط انطلاقا من لبنان وان يتطور
النزاع المسلح في مدينة طرابلس إلي حد
المطالبة بقوات فصل عربية فيكون خروج
القوات السورية من لبنان قد تم من نافذة
القرار الدولي 1559، لتصبح عودتها الزامية
من البوابة الأمنية الطرابلسية؟!.
المصدر:الراية
القطرية
-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه