|
|
|
|
|
|
العلاقات السورية - الإيرانية والشروط الصعبة لفكّ التحالف
|
خالد فياض
|
بدأ
الدفء يسري في بدن العلاقة بين سورية
وإيران عقب اندلاع الثورة الخمينية عام
1979 وانسحاب مصر من الصراع العربي -
الإسرائيلي بتوقيع الرئيس المصري السابق
أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد. أضف إلى
ذلك أن توتر العلاقات البعثية - البعثية،
أو إن شئنا الدقة العراقية - السورية، وضع
السياسي السوري في مأزق، فكانت الثورة
الإيرانية له طوق نجاة.
هكذا اكتشف الأسد الأب إيران، ولمضايقة
صدام حسين خلال حربه مع إيران والتي امتدت
ثمانية أعوام قام الرئيس السوري الراحل
بسد أنبوب تصدير النفط العراقي، وأغلق
الموانئ السورية في وجه تجارة «الترانزيت»
التي كان العراق في أمسِّ الحاجة إليها
خلال الحرب، وأبقى القاعدة العسكرية
البحرية في طرطوس التي تقدم تسهيلات
للأسطول الروسي في المتوسط. ومع ذلك، فإن
حسابات الأسد الأب الدقيقة منعته من
التورط في الحرب بفتح جبهة قتالية وراء
ظهر صدام. بل وصل الأمر إلى ان الأسد خلق
قدراً من التمايز في علاقته مع إيران
أثناء الحرب ولم يتردد في معارضة الخميني
علناً في محاولته اختراق الأراضي
العراقية، بعد فشل الهجوم العراقي في
بداية الحرب وتحوله إلى الدفاع.
كان هناك عداء شديد بين النظامين السوري
والعراقي، والمحاولات الانقلابية التي
حاول النظام العراقي دعمها داخل سورية عبر
دعم الحركات التي قادها «الإخوان
المسلمون»، مؤشر واضح الى حال العداء بين
النظامين، وهو ما عزز العلاقات السورية -
الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة
الإسلامية، إضافة إلى متغيرات أخرى تتقاطع
مع متغير الجيوسياسي والعداوة بين سورية
وعراق صدام حسين منها: الأهداف المشتركة
التي تجمع سورية وإيران بلبنان.
مع زوال النظام العراقي البعثي ظن البعض
ان ذلك يشكل مدخلاً لإمكان فك أو على
الأقل تخفيف عرى التقارب بين سورية
وإيران، الأمر الذي أثبتت عكسه الأيام
التالية لغزو قوات التحالف للعراق. فقد
شكل ضرب النظام البعثي في العراق مدخلاً
لمحاصرة دول وأنظمة أخرى وضربها في
المنطقة، على رأسها الدولتان المارقتان في
الشرق الأوسط طبقاً لوجهة النظر الأميركية
وهما سورية وإيران. الأمر الذي دفع
بالدولتين إلى خندق واحد مرة أخرى، ولكن
هذه المرة ليس ضد عدو إقليمي محدود الأثر
والتأثير، بل ضد عدو ثري العتاد شرس
التأثير، أوجد مبرراً أقوى لدى الدولتين
للتقارب و «بات التحالف الإيراني - السوري
أكثر بروزاً من السابق، وهذا سيكون له
الكثير من الآثار على المنطقة»، على حد
قول قائد حرس الثورة الإيرانية الجنرال
محمد عزيز جعفري.
سورية اليوم تتقارب مع إيران على أساس
حماية أمنها المهدد وذلك من خلال ملفات
عدة:
1 - الملف العراقي وأزمة انكشاف النظام
العربي، فقد أدى احتلال العراق إلى تغيرات
إقليمية واسعة انعكست على هشاشة التحالفات
العربية - العربية، وانكشاف النظام
العربي، ووجدت سورية في إيران ما يعوضها
إخفاق النظام الإقليمي العربي وضعفه في
مواجهة التحديات والتهديدات.
2 - لبنان الذي أجبر سورية على إخراج
جيشها منه في آذار (مارس) 2005، فتخوفت من
أن يتحول إلى بلد معاد. لكن تطوير سورية
علاقتها مع إيران مكنها من تحسين علاقتها
مع الشيعة اللبنانيين.
3 - إسرائيل: تحتاج سورية إلى مساندة
إيران لها في صراعها مع إسرائيل، كما ترى
في الورقة الإيرانية العمق الاستراتيجي
الذي يمكنها من مفاوضة كل من الولايات
المتحدة وإسرائيل من موقع أكثر قوة.
4 - الملف الاقتصادي: تضاعف حجم التبادل
التجاري بين سورية وإيران العام 2006، إذ
وصل إلى 200 مليون دولار مقابل 115 مليون
دولار العام 2005. وارتفع حجم المشاريع
والاستثمارات الإيرانية في سورية إلى ما
يزيد على بليون دولار ويتوقع الإيرانيون
ان يصل حجم استثماراتهم في نهاية العام
2008 إلى 1.5 بليون دولار.
هذا فضلاً عن الكثير من أوجه التعاون على
المستويات الثقافية والسياحية.
وعلى رغم الحساسية الظاهرة للموقف
الإيراني دولياً وإقليمياً وإمكان توجيه
ضربة عسكرية، فإن جوهر المشهد الإيراني
يعكس قدراً أكبر من القوة والاستقرار عن
نظيره السوري. فثقل الملف السوري في
الجعبة الإيرانية أصبح محدوداً إلى حد
كبير، إذ انجلى مشهد منطقة الشرق الأوسط
في مطالع التسعينات عن مشاركة «إيرانية»
للسوريين في ملفات ثلاثة مهمة هي:
العراق: غزا الأميركيون العراق في ربيع
عام 2003، وأدخلوا معهم المعارضات الشيعية
التي كانت تتمركز في إيران. وبذلك صار
الإيرانيون يشاركون في حكم العراق، وفي
تشكيل مستقبله.
لبنان: في العام 2005 خرج الجيش السوري من
لبنان إثر صدور القرار الرقم 1559 واغتيال
رفيق الحريري. ولأنّ «حزب الله» المشكَّل
والمسلَّح والمدعوم من إيران والموالي لها
صار طرفاً رئيساً مباشراً في قلب النظام
وفي مواجهته في الوقت نفسه، فقد صارت
إيران طرفاً مباشراً أيضاً داخل لبنان،
وفي استقلالية نسبية عن سورية.
الملف الفلسطيني: تعززت علاقات إيران
بحركة «حماس» بعد عام 2003، ثم بعد وفاة
الرئيس عرفات عام 2004. ومن الواضح أن
قرار استيلاء «حماس» على غزة ما اتُخذ في
سورية فحسب، بل في طهران أيضاً.
ومن الواضح أن هناك عدداً من المؤشرات في
الأفق الإقليمي، تقود تطوراتها إلى تراجع
نسبي في العلاقات السورية - الإيرانية،
ومن أهم هذه المؤشرات الموقف من العراق:
ففي الوقت الذي تكيل فيه الحكومات
العراقية المتعاقبة الاتهامات لسورية
لدورها في تغذية المقاومة وروافدها، نجد
أن العراقيين أنفسهم أبرموا مع إيران
اتفاقات عدة بتشجيع أميركي، ما دفع بعض
المراقبين إلى القول إن الحل السياسي في
العراق يميل نحو إيران ويتعارض مع سورية،
وبالتالي فاحتمالات الخلاف السياسي بينهما
في العراق واردة، وإذا كانت هناك ظروف
حالت دون ظهور هذه النتيجة بوضوح، فإن
تمرير الصيغة الشيعية يؤدي إلى تقاطع في
المصالح وتراجع في العلاقات. ليس ذلك فقط،
فإن سورية تتخوف أيضاً من أن يؤدي استقرار
النظام العراقي إلى استدارة «الجيران»
الأميركيين نحو دمشق. وتتزايد أهمية هذا
الاتجاه في ظل ثلاثة ملامح هي:
1 - ميل الولايات المتحدة إلى الاعتماد
على إيران في حفظ أمن العراق وتطويق
المقاومة التي تقودها قوى سنية فاعلة، وفي
هذه الحال يمكن إثارة غضب سورية التي
تراهن على المقاومة في تغيير كثير من
أنماط التفكير الاقصائي الأميركي.
2 - تصاعد النفوذ الإيراني في العراق
ودوره في التأثير في بعض التوازنات التي
تستفيد منها سورية بصورة غير مباشرة.
3 - تعميق التحالف بين الشيعة والأكراد
وتفاهمهما على أهمية الدور الإيراني الذي
لا يمانع في إقرار الفيديرالية باعتبارها
تحقق مصلحة إيران في إضعاف الدولة
العراقية، في حين يمثل ذلك تهديداً
للمصالح السورية.
ولكن، طالما بقيت الدوافع التي تعزز
العلاقات السورية - الإيرانية على حالها،
فلا يمكن فك عرى التحالف. بمعنى آخر، فإن
العائدات (المكاسب) التي تجنيها سورية من
تحالفها مع إيران، في ظل الواقع الإقليمي
والدولي الراهن، تفوق ما يمكن أن تجنيه من
فك تحالفها ، وبالتالي فالنتيجة استمرار
التحالف.
وفك عرى التحالف السوري مع إيران في
البيئة المضطربة التي تعيشها سورية
والمنطقة عموماً، هو أمر بعيد المنال،
ويصبح التساؤل هل يمكن النظام العربي أن
يعوض سورية فقدان الثقة ويرضي هواجسها
ويطمئن شعورها القلق والخوف من محاولات
استهدافها؟ إن أمراً مثل هذا تحتاج
الإجابة بالإيجاب عنه إلى فترة ليس
بالقصيرة ولا نستطيع أن نحصر الأسئلة في
ذلك السؤال العربي فقط، بل اننا نذهب في
تساؤلنا إلى القول: هل هناك ضمانات من
الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بعدم
استهداف سورية بعد ضرب إيران (إن حدث)؟
وهل إسرائيل جادة في التنازل الكامل عن
الجولان وإعادتها إلى سورية؟ بمعنى أوضح،
هل هناك حكومة قوية في إسرائيل تستطيع
إرضاء تطلعات سورية الى أرض محررة وسلام
قائم على الثقة يكون عوضاً لسورية عن حليف
تاريخي قوي كإيران؟ الإجابة عن هذه
الأسئلة عموماً والسؤال الأخير خصوصاً هي
مربط الفرس في العلاقات الإيرانية -
السورية.
* باحث مصري
|
المصدر:الحياة
السعودية
-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه
|

 
|
|
|
|
|
|
|
|