الانفجار المروّع الذي أسقط عشرات القتلى
والجرحى في دمشق ، هو عملية إرهابية مدانة
بكل الأبعاد والمقاييس ، أيا تكن مبرراته
و"أسبابه" ، وبصرف النظر عن الجهة
المستهدفة أو الجهة التي تقف وراءه ، وكان
متوقعا من الأردن ملكا وحكومة وشعبا ، أن
يقف إلى جانب سوريا في مصابها الجلل ، ليس
من باب "تضامن الضحايا" ، ضحايا الإرهاب
فحسب ، بل ومن منطلق مبدئي يرفض الإرهاب
بالمطلق ويدينه ، أيا كانت جنسيته وأهداف
والمستهدفين به والقائمين عليه تنفيذا
وتخطيطا وتحريضا وتمويلا.
ولسنا في هذه المقالة بصدد الحديث عن
"الجهة المستهدفة" أو التكهن بهوية الجهة
التي يمكن أن تكون قد حرضت ومولت وخططت
ونفذت عملية على هذا القدر من "اللؤم" ،
حيث تشير كافة الدلائل إلى أن هدف الجناة
كان إسقاط أكبر عدد من الضحايا ، أو
التأكد بما لا يدع مجالا للشك ، بأن هدفهم
قد أصيب في مقتل ، إن كان لهم هدف محدد ،
يتعدى الترويع والقتل العشوائي والإساءة
لسوريا وأمنها واستقرارها.
لكنها الصدفة المحضة ، أن يتزامن الحادث
الإجرامي الجبان ، مع نشر تقرير في هآرتس
لأحد أهم كتاب إسرائيل وصحفييها ، إن لم
يكن أهمهم على الإطلاق بعد رحيل زئيف شيف
، وأعني به ألوف بن ، والذي استعرض فيه
أنشطة الموساد في عهد رئيسه الحالي مئير
دوغان ، والذي أعاد لهذا الجهاز بعضا من
هيبته المفقودة إثر مسلسل الفشل التي
صاحبه زمن رئيسه السابق أفرايم هاليفي ،
والذي توّج بمحاولة الاغتيال الفاشلة
لخالد مشعل في عمان.
ألوف بن يقول أن هذا الجهاز استعاد دوره
"كذراع طويلة لإسرائيل" بعد أن حوله
هاليفي إلى "وزارة خارجية ثانية لإسرائيل"
، والسبب برأيه يعود إلى جرأة دوغان وإرثه
الطويل في العمليات الخاصة والاغتيالات
وشجاعته على العمل خلف "خطوط العدو" بخلاف
"دبلوماسية هاليفي وتحفظه الظاهرين".
وللبرهنة على ما يقول ، يتحدث ألوف بن عن
عمليات عدة نفذها الموساد من دون إعلان في
إيران (ضرب قافلة سلاح لحزب الله على سبيل
المثال) إلى سوريا (اغتيال عماد مغنية على
سبيل المثال لا الحصر أيضا).
والحقيقة أن مقالة ألوف بن ، وحادثة
التفجير الإرهابية تدفع المراقب للنبش في
"الدفاتر العتيقة" ، عن عمليات وحوادث
واغتيالات لم يَكشف التحقيق بشأنها حتى
اليوم عن أي شيء جدي يذكر ، وظلت طي
الكتمان والتعتيم ، وليس مستبعدا أبدا أن
يكون "موساد ـ دوغان" مسؤول عنها أو متورط
فيها بهذا القدر أو ذاك ، ومنها: (1)
عملية اغتيال عماد مغنية في شباط 2008 في
حي كفر سوسة الراقي والحصين...(2) اغتيال
العميد محمد سليمان في آب 2008 قبالة شاطئ
طرطوس....(3) اغتيال هشام ابو لبدة مدير
مكتب خالد مشعل في مدينة حمص غرب سوريا -
8002 - حماس نفت وقالت أن وفاته طبيعية ،
فيما إسرائيل أكدت وقالت أنه قضى
اغتيالا...(4) عملية اغتيال عز الدين
الشيخ خليل ، أحد أبرز القادة العسكريين
لحماس في أيلول 2004 في دمشق.
إلى جانب الحوادث الأمنية ـ الاستخبارية ،
لم تتوقف إسرائيل عن التحرش بسوريا ،
وغالبا بناء على معلومات استخبارية جمعها
جهاز دوغان ، منها على سبيل المثال لا
الحصر: (1) الغارة على "المنشأة الغامضة"
في محيط دير الزور في أيلول ..7002.(2)
الطائرات الإسرائليية تحلق في حزيران ـ
يونيو عام 2006 فوق قصر الرئيس بشار الأسد
في اللاذقية ، بعد ورود معلومات (من
الموساد بالطبع) عن تواجد الرئيس في قصره
لحظة التحليق واختراق جدار الصوت...(3)
قيام الطائرات الإسرائيلية في أكتوبر ـ
تشرين الأول 2003 بقصف أحد المعسكرات
المهجورة في ضاحية عين الصاحب قرب دمشق ،
مستهدفة معسكرات للجهاد الإسلامي والجبهة
الشعبية القيادة العامة.
ثمة إذن ، سياق كامل من التحرشات العسكرية
والأمنية ، اعترفت إسرائيل ببعضها رسميا
أو بصورة شبه رسمية ، وسرّب إعلامها
الكثير من المعلومات عن بعضها الآخر ،
وسيتعين علينا الانتظار خمسين سنة وفقا
لألوف بن ، لكي نعرف رسميا وتفصيليا
الحقيقة الكاملة حول مانرى ونسمع بين
الحين والآخر من عمليات قتل وتخريب
وإرهاب.
مرة أخرى ، لست أتهم ، فالسوريون أنفسهم
لم يفعلوا ذلك ، ولكنني أضع "الحدث" في
سياق "الحديث" الذي أجرته المصادر الأمنية
الإسرائيلية على لسان ألوف بن في هآرتس ،
وأضمه إلى أرشيف - غير كامل - من الوقائع
والأحداث المشابهة ، التي كانت سوريا
مسرحا لها ، ناهيك بالطبع عن ساحات أخرى
كانت مسارح لجرائم أخرى أهمها لبنان.
المصدر:الدستور
الاردنية-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه