في حياة سورية المعاصرة هو العام 36 من عمر
الإنقلاب العسكري الذي نفذه حافظ الأسد سنة
1970 تحت تسمية الحركة التصحيحية ، وهو في
الآن ذاته العام 6 من عمر الجمهورية الوراثية
التي شهدت ترئيس بشار الأسد علي يد رهط من
أفراد الحرس القديم (كان يترأسهم، ليس للغرابة
البتة، هذا الرجل الذي يزعم اليوم الحرص علي
خلاص الشعب السوري من نير الدكتاتورية: عبد
الحليم خدام!)، بعد مسخ جميع المواد القانونية
المنافية للتوريث، في الدستور ذاته الذي كان
الأسد الأب قد فصله أصلاً علي مقاس نظام
الاستبداد الذي شرع في ترسيخه منذ العام 1972.
ولكي يبرهن هذا العام أنه مثيل الأعوام الخمسة
المنصرمة منذ أن تولي الابن سلطات الأب في
تموز (يوليو) سنة 2000، في كل ما يخص استمرار
روح الاستبداد وإعادة إنتاج جوهر الحركة
التصحيحية في أدق تقاليدها الأمنية وأعرافها
القمعية، سارت دورة أحداثه علي النحو التالي:
ـ في كانون الثاني (يناير) بدأ العام بالإفراج
عن معتقلي ربيع دمشق ـ رياض سيف، مأمون الحمصي،
وليد البني، فواز تللو، حبيب عيسي ـ والامتناع
عن إطلاق سراح الدكتور عارف دليلة (65 سنة)،
الذي اعتُقل وحوكم بالتهم ذاتها. وهنا، سوف
يكون من الغبن الشديد أن يغمض المرء العين عن
حقيقة أن أحد أبرز أسباب استمرار احتجاز دليلة
هو قرار السلطة أن يكون العقاب مضاعفاً بحق
المعارضين والناشطين من أبناء الطائفة العلوية.
ـ وفي أواسط أيار (مايو)، انتصف العام باعتقال
العشرات من الناشطين: كمال اللبواني، محمد
الغانم، محمد أبو النصر جواد عجم، جيهان محمد
علي، عدنان خليل رشيد، وحيد جهاد مصطفي، فوزي
علي قهوة، علي العبد الله، محمد علي العبد
الله، محمد صالح ريحاوي، مطيع منصور، محمد
بشير الصالح، جهاد درويش، حازم جهاد درويش،
حسين داود، حبيب الضعضي، هاني خيزران، فاتح
جاموس، ميشيل كيلو، محمود مرعي، نضال درويش،
أنور البني، سليمان الشمر، عباس عباس، كمال
شيخو، غالب عامر، محمود عيسي، صفوان طيفور،
خالد خليفة، خليل حسين، حسين محمود، محمد
محفوض. كما شهدت الفترة ذاتها إعادة اعتقال
النائب السابق مأمون الحمصي، واستدعاء النائب
السابق رياض سيف، واعتقال الناشط الديمقراطي
البارز محمد نجاتي طيارة، وإعادة اعتقال محمد
علي العبد الله...
ـ ولكي يقترن كم الأفواه بقطع الأرزاق، أصدر
رئيس مجلس الوزراء السوري محمد ناجي العطري
القرار رقم 2746 تاريخ 14/6/2006، الذي قضي
بالصرف من الخدمة لعدد من العاملين في الدولة
بسبب توقيعهم علي إعلان دمشق أو إعلان دمشق ـ
بيروت، بيروت ـ دمشق ، أو بيان السويداء الذي
أصدره عدد من مثقفي جبل العرب وأدان
الاعتقالات الأخيرة في صفوف المثقفين.
واللائحة تضمنت الأسماء التالية: سلمي كركتلي،
ناظر نصر (وزارة الإعلام)؛ فضل الله حجاز،
لينا وفائي (وزارة الإدارة المحلية)؛ سهيل
أبوفخر، عصام خداج، فؤاد البني، هيثم صعب،
نبيل أبوصعب، مروان حمزة، كمال الدبس (وزارة
التربية)؛ منير علي شحود (وزارة التعليم
العالي)؛ سليمان الشمر (وزارة النفط والثروة
المعدنية)؛ عصام أبو سعيد (وزارة الزراعة
والإصلاح الزراعي)؛ نيقولا غنوم (وزارة الصحة)؛
غالب طربيه (وزارة الكهرباء)؛ كمال البلعوس (وزارة
المالية).
ـ وعلي امتداد الأشهر اللاحقة أخذت قوائم
المعتقلين تتسع للمزيد من الأسماء: أيهم الصقر،
نزار رستناوي، محيي الدين شيخ آلي، رياض درار،
علي الشهابي، ماهر إسبر، عمر عبد الله، حسام
ملحم، طارق الغوراني، دياب سرية، علي نذير
العلي، علام فاخوري. كما شهد سجن عدرا إضراباً
عن الطعام نفذه فاتح جاموس وميشيل كيلو وأنور
البني وعلي العبد الله وكمال اللبواني. وصدرت
أحكام جائرة بحق حسن زينو وحسن عبد العظيم
وعدد من المعتقلين الإسلاميين وأعضاء في حزب
التحرير الإسلامي ، وأحيل الصحافي شعبان عبود
إلي المحاكمة لنشره تقريراً عن مناقلات في
صفوف بعض ضباط الأمن، كما مُنع السينمائي عمر
أميرالاي من السفر طيلة أسابيع. وقبل أيام
معدودات اعتُقل فائق المير، القيادي في حزب
الشعب الديمقراطي ، لأنه تلقي إتصالاً هاتفياً
من النائب اللبناني الياس عطا الله!
ـ وفي غضون ذلك كانت المحاكم المدنية
والعسكرية السورية تشهد انتعاشاً قياسياً غير
مسبوق في تدبيج الاتهامات، وفق رطانة قانونية
من الطراز التالي: النيل من هيبة الدولة
والشعور القومي في زمن الحرب أو عند توقع
نشوبها ، وارتكاب أفعال ترمي إلي إضعاف الشعور
القومي وايقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية ،
و إذاعة أنباء كاذبة أو مبالغاً فيها من شأنها
أن تنال من هيبة الدولة أو مكانتها الحالية ،
خصوصاً إذا أذاعها السوري من خارج البلاد و هو
علي بينة من الأمر ، والذم والقدح إذا وقع علي
رئيس الدولة ، أو إذا وُجه إلي المحاكم أو
الهيئات المنظمة أو الجيش أو الإدارة العامة ،
أو حتي إذا وُجه إلي موظف ممن يمارسون السلطة
العامة من أجل وظيفته أو صفته ...
ـ وأخيراً، في أواخر كانون الأول (ديسمبر)،
اختُتم العام بتخوين ميشيل كيلو علي لسان بشار
الأسد نفسه في حديث مع صحيفة لاريبوبليكا
الإيطالية، بل جري حرمانه حتي من صفة سجين رأي
، لأنه حسب يقين الرئاسة: مرتبط بحزب لبناني
يدعو أمريكا للهجوم علينا وغزو دمشق ، وذلك
حزب خارج عن القانون في سورية ، دون أن يوضح
الأسد هوية ذلك الحزب اللبناني الخارج عن
القانون... السوري!
جدير بالانتباه الخاص أن تسعة أعشار الأسباب
التي تكمن خلف تنفيذ حملات القمع هذه، سواء
أكانت مباشرة ظاهرة أم خافية غير مباشرة، تعود
بجذورها إلي مسألة واحدة شبه وحيدة، هي قطع
الطريق أمام أي احتمال للتواصل، وكل صيغة
للتلاقي، بين المعارضة السورية وقوي فاعلة علي
الساحة اللبنانية مناهضة للنظام السوري، بصرف
النظر عن الطبيعة السياسية أو العقائدية لهذه
القوي، ويستوي أن تكون يسارية أو قومية أو
ليبرالية أو إسلامية. وهذا موقف مفهوم تماماً،
بالنظر إلي ما تحتله المسألة اللبنانية من
صدارة في التفكير الاستراتيجي، السياسي
والأمني، الذي يتحكم بقرارات بشار الأسد منذ
تمديد ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود وحتي
اليوم، مروراً بكل الوقائع العاصفة التي
اكتنفت المشهد اللبناني، أو اللبناني ـ السوري.
هذا، استطراداً، طراز من الاستبداد لا ينطلق
من ضرورات الحفاظ علي أمن النظام في الداخل
فحسب (وغني عن القول إن فلسفة الابن لم تفترق
كثيراً عن فلسفة الأب في ممارسة البطش الشديد،
حتي إذا كانت المعارضة ضعيفة وهامشية ومحدودة
التأثير)، بل يسعي كذلك إلي قطع الداخل عن
الخارج في كل ما يتصل بالتأثر والتأثير علي
مختلف المستويات، وعلي صعيد السياسة اليومية
مثل قضايا الحريات العامة والتحالفات وأشكال
التنسيق، خصوصاً خلال الأطوار الأولي من صعود
شارع 14 آذار بعد اغتيال رفيق الحريري
والإنسحاب العسكري السوري من لبنان. والأرجح
أن السلطة في دمشق قرأت جيداً ـ وبعين حمراء
قانية، كما يتوجب القول ـ إشارات التناغم
العالية بين بعض قوي المعارضة السورية ( حزب
الشعب الديمقراطي ورياض الترك بصفة خاصة)،
وبعض القوي اللبنانية ( حركة اليسار
الديمقراطي عموماً، والراحل سمير قصير خصوصاً)،
فضربت سريعاً بلا هوادة... وعلي الجانبين، كما
برهنت الوقائع!
هذا السلوك العصابي تجاه نشوء أية علاقات بين
المعارضة السورية وقوي سياسية لبنانية معارضة
للنظام السوري، ليس غريباً في السنة الـ 30 من
تاريخ التدخل العسكري السوري في لبنان (1976)،
وفي السنة الثامنة من تاريخ تولي بشار الأسد
شخصياً مقاليد الأمور اللبنانية (1998)، خلفاً
للوصي السابق عبد الحليم خدام؛ وفي السنة
الثانية لخسران هذه الورقة الثمينة... مرة
وإلي الأبد! لقد كان الإمساك بهذه الورقة في
العام 1976، ثم تحسين شروط استخدامها وتوظيفها
علي أكثر من طاولة مفاوضات إقليمية ودولية،
بمثابة النقلة السياسية والعسكرية (والبعض يصر
علي القول: والإقتصادية!) الأهم في تاريخ
الحركة التصحيحية ، ولهذا فقد كان خسرانها في
نيسان (أبريل) 2005 يستكمل تلك النقلة في
الوجهة المعاكسة إذا جاز التعبير، أي في مسار
تجريد النظام السوري ـ ببطء تارة، وبتسارع
دراماتيكي طوراً، ولكن علي نحو مضطرد إجمالاً
ـ من المغانم والأوراق والقوي والحلفاء وهوامش
المناورة الإقليمية.
ولا يخطئن أحد القبض علي هذه البوصلة تحديداً،
أي اضطرار النظام السوري إلي التنازل الإجباري
عن وجوده العسكري في لبنان بوصفه الورقة
الأثمن في تاريخ الحركة التصحيحية ، عند تمحيص
أي وكل نقلة دفاعية أو هجومية يمارسها حكام
دمشق في لبنان، اليوم أو غداً أو بعد غد. في
عبارة أخري، حين سلم أهل النظام هذه الورقة
الحاسمة، وكانت الأكبر والأخيرة في آن، فإنهم
لم يفعلوا هذا إلا لأن هوامشهم في الهجوم
انعدمت تماماً، ومعها ضاقت هوامشهم في الدفاع،
أو بالأحري اقتربت من خط أحمر أخير هو منجاة
النظام، وبقاؤه علي قيد الحياة أو اضمحلاله.
وإلا ما الذي كان يمنع الأسد من تحدي القرار
1559، وإبقاء القوات السورية في أماكن
انتشارها علي الأراضي اللبنانية، وتفعيل
الحلفاء الحاليين أنفسهم لكي يتحركوا في
السيناريوهات ذاتها التي نشهدها هذه الأيام؟
أما كانت الاعتصامات والتظاهرات الحالية لقوي
المعارضة اللبنانية الراهنة ستكتسب زخماً
مختلفاً تماماً لو كانت القوات السورية (الحليفة)
علي مبعدة كيلومترات قليلة من ساحة الشهداء،
وكان العميد رستم غزالة رابضاً في عنجر ما
يزال؟ وبأي الوسائل كان المجتمع الدولي سيجبر
دمشق علي سحب قواتها من لبنان؟ عن طريق القوة،
وحشد تحالف عسكري دولي شبيه بـ حفر الباطن ؟
أم عن طريق فرض العقوبات الإقتصادية، هذه التي
لم يسبق لها أن أسقطت نظاماً، في ليبيا كما في
العراق، وفي جنوب أفريقيا كما في إيران؟
وهكذا، حين يقول نائب رئيس الوزراء السوري عبد
الله الدردري إن العزلة السياسية السابقة
لسورية قد انتهت ، وأن العزلة لم تعد قائمة ،
فهو يقر ضمناً ـ وللمرة الأولي علي لسان مسؤول
رفيع ـ أن النظام كان بالفعل يعيش في عزلة، من
جانب أول؛ ولكنه، من جانب ثانٍ يكاد يحصر
مظاهر خروج النظام من عزلته تلك في واقعة قيام
عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب
الديمقراطي بزيارة دمشق. بئس المخرج من العزلة
إذا كان علي هذه الشاكلة، ومثله محاولة كسر
العزلة عن طريق ادعاء علاقات وطيدة مع مختلف
القوي السياسية والعشائرية والمذهبية في
العراق، والزعم تالياً أن دمشق خير مَن يحتضن
مؤتمراً إقليمياً للمصالحة الوطنية العراقية!
وكان بشار الأسد قد بدأ العام 2006 بحديث إلي
صحيفة الأسبوع المصرية أكد فيه أنه جري
الإفراج عن عدد كبير من المسجونين السياسيين
ومنهم عناصر قامت بأعمال عنف ولم يتبق سوي
القليل ، وكان الدكتور عارف دليلة بين ذلك
القليل ، ثم لم تمض أسابيع حتي عاد القليل
كثيراً، بل أكثر! وهو يختتم العام بحديث إلي
لاريبوبليكا ينفي فيه صفة الدكتاتور عن نفسه،
للسبب الوجيه التالي: لا يمكن لأحد أن يكون
دكتاتورياً وفي الوقت نفسه تربطه علاقات طيبة
بالشعب ويضمن التنمية والاستقرار !
بالفعل... والدليل ماثل أمام كل ذي بصر وبصيرة!
ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي