29-08-2008

الرئيسيةأخبارأخبار الوطناتصل بنا 
 

‏اعتدال النظام السوري: الوقائع تكذب الخرافة

صبحي حديدي

هنا غيض من الفيض الأحدث في وقائع الإستبداد السوري، خلال الثلث الأخير من هذا الشهر، آب (أغسطس)، وحده: ‏‏1 ـ 27/8، المهندس مشعل التمو، الناشط الديمقراطي والناطق الرسمي باسم 'تيار المستقبل' الكردي في سورية، يُحال ‏إلى قاضي التحقيق الأوّل في دمشق، وتوجّه له النيابة العامة سلسلة التهم التالية: 'نشر أخبار كاذبة من شأنها أن توهن ‏نفسية الأمة'، و'إضعاف الشعور القومي'، و'الإنتساب إلى جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي ‏والإقتصادي'، و'الإنتماء إلى جمعية ذات طابع دولي'، و'إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية'، و'النيل من هيبة الدولة'، ‏و'الإعتداء الذي يستهدف الحرب الأهلية أو الإقتتال الطائفي بتسليح السوريين أو بحملهم على التسليح بعضهم ضدّ ‏البعض الآخر وإما بالحضّ على التقتيل والنهب'... إستناداً إلى أحكام الموادّ 285 و286 و287 و288 و295 و306 ‏و307 من قانون العقوبات العامّ، والتي يقضي بعضها بحكم الإعدام. وكان التمو قد اختُطف فجر 15/08/2008 أثناء ‏سفره إلى مدينة حلب، ونفت الأجهزة الأمنية وجوده لديها، ولم تُظهره شعبة الأمن السياسي إلا حين أحالته إلى ‏القضاء. وفي مطالبتها بالكشف الفوري عن مصيره، كانت منظمة العفو الدولية قد ذكّرت بواقعة اختطاف الشيخ ‏الكردي السوري محمد معشوق الخزنوي، يوم 10/5/2005، وإعادته إلى أهله جثة هامدة، لا تخلو من آثار تعذيب ‏واضحة، بعد 20 يوماً من اختفائه. وشدّدت المنظمة على أنها تملك من المعلومات ما يؤكد أنّ تصفية الخزنوي تمّت ‏بعلم عدد من 'كبار موظفي الدولة' في سورية.‏
‏2 ـ 27/8، محمد موسى، أمين 'الحزب اليساري الكردي' في سورية، يمثل أمام القاضي الفرد العسكري في القامشلي، ‏بتهمتَيْ 'تعكير الصفاء بين عناصر الأمة' و'الإنتماء إلى جمعية سياسية دون إذن الحكومة'. وكان موسى قد اعتُقل يوم ‏‏19 تموز (يوليو) الماضي في دمشق، ثم أحيل إلى القضاء العسكري في حلب، قبل أن يمثل أخيراً أمام المحكمة ‏العسكرية في القامشلي. وخلال المحاكمة شدّد موسى على الموقف القومي والتقدمي والديمقراطي للحزب، وعلى أنّ ‏القضية الكردية في سورية هي قضية وطنية تُحلّ في الإطار الوطني السوري وفي إطار وحدة البلاد، بالنضال ‏المشترك مع سـائر القوى الوطنية والتقدمية والديمقراطية في سورية.‏
الأرجح أنّ هذا التشديد لم يكن مفاجئاً للقاضي الفرد، ولكنه أيضاً لم يلقَ أذناً صاغية ولا ضميراً يقظاً! 3 ـ 26/8، ‏محكمة الجنايات الأولى في دمشق، برئاسة القاضي محيي الدين حلاق، تعقد جلسة جديدة لمحاكمة معتقلي 'إعلان ‏دمشق للتغير الوطني الديمقراطي'، بحضور عدد كبير من المحامين والناشطين والمتضامنين وممثّلي بعض البعثات ‏الدبلوماسية. النيابة العامة بدت أكثر إصراراً من ذي قبل على مطالبتها بتجريم المتهمين وفقا للموادّ ذاتها التي تشير ‏إلى التهم المكرورة: 'نشر أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة'، و'إضعاف الشعور القومي'، و'الإنتساب إلى ‏جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة السياسي والإقتصادي'، و'إيقاظ النعرات العنصرية و المذهبية'، و'النيل من هيبة ‏الدولة'... وكان 'التقدّم' الوحيد الذي شهدته هذه الجلسة، التي تمّ رفعها إلى 24/9 هذه السنة، هو الإيضاح الذهبي ‏العبقري الذي تطوّع القاضي حلاق باجتراحه نيابة عن النيابة: أنّ هذه الأخيرة 'خصم شريف بالقضية، وأنتم تقدّمون ‏دفاعكم، والمحكمة تصدر القرار'! وللتذكير، الضروري في الحدّ الأخلاقي الأدنى، هنا لائحة بأسماء معتقلي الإعلان ‏الذين اعتُقلوا تباعاً بعد انعقاد مؤتمر الإعلان الأوّل، في 1/12/2007: رياض سيف رئيس مكتب الأمانة، وفداء أكرم ‏حوراني رئيسة المجلس الوطني، وأمينَيْ سرّ المجلس الوطني للإعلان أحمد طعمة وأكرم البني، وأعضاء المجلس أو ‏الأمانة العامة طلال أبو دان، علي العبد الله، جبر الشوفي، وليد البني، محمد حجي درويش، ياسر العيتي، مروان ‏العش، وفايز سارة.‏
‏4 ـ 25/8، الأجهزة الأمنية السورية تستكمل حملة اعتقالات في محافظات دير الزور وحلب وحماة، شملت العشرات ‏ممّن تشتبه السلطة في ميولهم الإسلامية، رغم اعتدالهم وغياب الدليل على وجود تنظيمات تجمعهم، بينهم: عبد ‏الرزاق الكبيسي، برهان جنيد، محمد أمين الشوا، إياد حسين، حسان محمد، ثابت الحسن، محمد طه، أحمد ضميم، ‏سفيان ضميم، نبيل خليوي، عبد الهادي السلامة، وبلال سفيان. وعلى غرار اختفاء مشعل التمو، لا تتوفر حتى هذه ‏الساعة معلومات عن أماكن اعتقال هؤلاء، في انتظار ظهورهم ذات يوم أمام محكمة ما، بالتهم المكرورة ذاتها! 5 ـ ‏‏24/8 فرع الأمن السياسي في محافظة الحسكة يلقي القبض على طلال محمد، عضو المنسقية العامة لـ 'الوفاق ‏الديمقراطي الكردي السوري'، وذلك في ساحة كراجات البولمان في مدينة القامشلي، منتصف الليل، أثناء توجهه الى ‏العاصمة دمشق. وخلال أعمال مؤتمرها الثاني، الذي انعقد في خريف العام 2007، كان 'الوفاق' قد أكد على وحدة ‏المعارضة السورية، بكردها وعربها، وطالب النظام بإدخال 'إصلاحات جذرية وشاملة على الأصعدة السياسية ‏والإقتصادية والإجتماعية'، والإعتراف دستورياً بالقضية الكردية بوصفها 'قضية أرض وشعب'. وفي ملفّ التنكيل ‏بالناشطين السوريين الكرد، كانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض على شكري حسن، رئيس الجالية الكردية في ‏المملكة العربية السعودية، أثناء مروره من نقطة الحدود الأردنية ـ السورية قادماً مع أسرته، ولا يزال مصيره ‏مجهولاً (الرجل تجاوز الستين، ويقيم في السعودية منذ 26 سنة).‏
‏6 ـ 23/8، 'المركز السوري للإعلام وحرية التعبير' يتهم الحكومة السورية بالعمل على 'ترويض الإنترنيت'، وحجب ‏المواقع، و'ملاحقة أصحاب الآراء المخالفة، خصوصاً المواقع الكردية والسياسية المعارضة ثمّ المواقع اللبنانية'. وقال ‏المركز، في دراسة مفصّلة، إنّ الحكومة تعتمد 'سياسة منهجية' تهدف إلى 'القضاء على الخصوصية التفاعلية، وعلى ‏مساحة الحرية التي يوفرها الإعلام الالكتروني'، كما في قرار وزير الاتصالات والتقانة بإجبار المواقع الإلكترونية ‏على ذكر اسم ناشر المقال والتعليق تحت طائلة إغلاق الموقع مؤقتاً أو نهائياً. كما أشارت الدراسة إلى وجود رقابة ‏على البريد الالكتروني الصادر والوارد إلى سورية، مؤكدة أنه سبق اعتقال ومحاكمة عدد من السوريين بسبب ‏استخدامهم البريد الإلكتروني، موضحة أنّ الرسائل تتأخر أحياناً حوالي 4 إلى 5 ساعات، كما تتعرض للتلاعب ‏والتشويه والحذف أحياناً.‏
وفي ممارسة الرقابة المباشرة أشارت الدراسة إلى أنّ الأجهزة الأمنية أبلغت أصحاب مقاهي الإنترنت بضرورة ‏تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت في محلاتهم، والاحتفاظ بسجلّ يومي بذلك، وتسليم هذا السجل إلى ‏مندوبي الأجهزة الأمنية. وقد رصد المركز حجب 161 موقعاً سياسياً أو إخبارياً، مشيراً إلى أنّ العدد قد يكون أكبر ‏من ذلك، وقال إن فرع المعلومات التابع لإدارة أمن الدولة في دمشق هو الذي يشرف على عملية مراقبة المواقع ‏وإعطاء الأوامر للمؤسسة العامة للإتصالات بحجب المواقع.‏
‏7 ـ 22/8، عائلة فلسطينية تسكن في بلدة قباطية، جنوب مدينة جنين، تؤكد نبأ وفاة أحد أفرادها في السجون السورية، ‏قبل شهرين تقريباً، بعد أن كانت آثاره قد اختفت منذ عام. وقال أفراد من عائلة الحنايشة إنّ ابنهم جميل عبد الله أحمد ‏حنايشة، الذي كان يقيم في الأردن ويعمل في تجارة السيارات، كان يتردد على دمشق، حيث اعتُقل، وظلّ مصيره ‏مجهولاً إلى أن تبيّن أنه قضى بعد إضراب طويل عن الطعام كما تردّد، أو بسبب تماس كهربائي داخل المعتقل، كما ‏قيل لأسرته! 8 ـ 20/8، محكمة الجنايات الثانية في دمشق تقررّ ردّ الطلب الذي رفعته هيئة الدفاع عن الكاتب ‏والمعارض السوري ميشيل كيلو (المعتقَل منذ 14/5/2006، بسبب توقيعه على 'إعلان بيروت ـ دمشق، دمشق ـ ‏بيروت، صحبة 134 من المثقفين السوريين)، لمنحه العفو من ربع مدّة الحكم، كما ينصّ القانون السوري. وقد ‏رفضت المحكمة الطلب، واستجابت بذلك لرأي النيابة العامة، بالرغم من توفّر شروط الإعفاء. جدير بالإيضاح ـ ‏الضروري، لأسباب أخلاقية صرفة، هنا أيضاً ـ أنّ الغالبية الساحقة من مرتكبي الجرائم الجنائية الصريحة (القتل ‏والإغتصاب والرشوة والتهريب والتجارة غير المشروعة...) يستفيدون عادة من هذا الإعفاء. ومن الواضح أنّ النيابة ‏العامة، ورئيس محكمة الجنايات، كان لهما رأي آخر أكثر تشدداً في طبيعة الجريمة التي ارتكبها كيلو! كلّ هذا ‏الغيض من فيض الإستبداد السوري وقع بعد الزيارة التي قام بها بشار الأسد إلى فرنسا، والتي ذهب بعض أنصار ‏النظام إلى حماسة وصفها بـ 'التاريخية'، كما انكبّ بعض المحللين اللوذعيين على التنقيب في خفاياها للبرهنة على ‏نجاح الأسد في 'كسر الطوق' الأمريكي والغربي. تلك، مع ذلك، حكاية أخرى وقفنا عند أحابيلها في مناسبة سابقة، قبل ‏ثلاثة أسابيع. غير أنّ للوقائع السالفة دلالات أخرى تخصّ الداخل السوري، وتلك السفسطة ـ الركيكة، الفجّة، ‏الشكلانية، ذات البصر الحسير والذاكرة القصيرة... ـ التي ذهبت مذهب القول باحتمال أن يتغيّر نهج النظام بصدد ‏الإصلاح السياسي والحرّيات العامة، وليس الموقف من المعارضة الديمقراطية والوطنية وحدها، بمعدّل إيجابي ‏يتناسب مع انفتاح الغرب عليه، وانفتاحه على الغرب.‏
ثمة، أيضاً، مَنْ أشار تلميحاً ـ وبيان 'حركة كفاية السورية' أوضح صراحة ـ أنّ 'إحدى المنظمات الحقوقية تدير صفقة ‏مع السلطات السورية'، تقضي بقيام الأمانة العامة لإعلان دمشق بمبادرة تتضمن نشر بيان تخفف فيه من خطابها تجاه ‏السلطة، إلى درجة قد تبلغ التخلّي عن البيان الأساسي لاجتماع 1/12/2008، وذلك مقابل قيام السلطة بالإفراج عن ‏معتقلي إعلان دمشق. ولم يكن لهذه الشائعة، إذا كانت هكذا حقاً، أن تبلغ الأسماع لولا شيوع مناخات تلك السفسطة ‏العرجاء حول التأثير المتبادل بين انفتاح الغرب على النظام وانفتاح النظام على المجتمع.‏‎ ‎
وفي أطيب نوايا هذا النقاش، إذْ ثمة على الدوام نوايا حسنة غير تلك السفسطائية أو الإنتهازية أو الساذجة، أنّ علامات ‏‏'اعتدال' في السياسة الخارجية السورية قد تقود إلى علامات اعتدال موازية في السياسة الداخلية؛ أو أنّ الاعتدال ‏مطلوب من الفريقين، السلطة والمعارضة، لقطع دابر التطرّف والتشدّد! ولكن... إذا كانت لائحة الوقائع السابقة، في ‏الاعتقال العشوائي والاختطاف والهزء بأحكام القانون، لا تكذّب هذه النوايا الطيّبة جملة وتفصيلاً فحسب؛ ولا تبرهن، ‏تالياً، أنها من باب تمنّي الضعيف المضطهَد على المستبدّ المضطهِد، وغناء الذات للذات، ليس أكثر؛ فإنّ وقائع ‏زيارات بشار الأسد إلى طهران وبودروم وموسكو تسحب كلّ علامات 'الإعتدال' من التداول، ولعلّها تقوّض كامل ‏مختبر الأواني المستطرقة الذي يتطلع إليه البعض من أجل البرهنة على خرافة الإعتدال.‏
هل تناسى هؤلاء أنّ النظام، حين كشّر عن أنياب القمع في سنة 2001، ضدّ المجتمع والمنتديات وناشطي 'ربيع ‏دمشق'، كان غارقاً حتى الثمالة في عسل الإنفتاح المتبادَل مع الغرب، بدءاً من الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ‏إلى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك؛ فضلاً عن انفتاح العرب، بدءاً من الرئيس المصري حسني مبارك، إلى ‏العاهل السعودي عبد الله، مروراً برئيس الوزراء اللبناني الأسبق... رفيق الحريري؟ وإذا كان دوام الحال من المحال، ‏تاريخياً، أفلا يصحّ أنّ الحال تبدّلت بالفعل، ولكن إلى وراء؟ ‏

المصدر:القدس العربي- أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه

الرئيسية

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن موقف المرصد السوريوإنما تعبر عن وجهة نظر أصحابها