|
|
|
|
|
|
حتى لا يعود السوريون من البوابة الشمالية
|
ادمون صعب
|
إن
المجتمع المتحد هو الذي يصنع الرجال
العظام ويشيع التفاؤل في الحياة. وعندما
زرت لبنان أخيرا وجدت نفسي أمام مجتمع
مفكك. وقد صدمني هذا المشهد وأحزنني".
طوماس فريدمان
(كبير المعلقين الديبلوماسيين في "النيويورك
تايمس" وصديق لبنان، في حوار صحافي حول
كتابه الجديد "عالم حار ومسطّح ومزدحم").
لسنا ندري اذا كان مجلس المطارنة الموارنة
يراجع بين الحين والآخر بياناته السابقة،
ولا سيما تلك التي تتصل بمواضيع مهمة مثل
قوانين الانتخاب التي كانت تنثر في التربة
اللبنانية بذور الانقسام. وإذ رفض السادة
المطارنة في بيانهم الشهير في 11 أيار
2005 قانون عام 2000 الذي أنتج الفريق
الحاكم الحالي الذي لم تشهد البلاد من
الازمات والويلات – ولا تزال – ما شهدته
على أيامه، حذروا من "عواقب وخيمة"،
ومنّوا النفس بأن اللبنانيين لا بد أن
"يتبصروا في الاوضاع الدقيقة، مغلّبين
مصلحة الوطن على كل مصلحة، متمسكين بالعيش
المشترك الذي يجمع المسيحيين والمسلمين
على قدم المساواة"، مناشدينهم العمل من
أجل "تفاهم ووفاق وتعاون لإنهاض بلدنا من
كبوته التي تمادى إهمالها والتغاضي عنها".
إن بيان السادة المطارنة لهذا الشهر والذي
يتزامن والسباق بين المصالحة والتفجير
الذي "نجحت" المصالحات الى الآن في حصره
في طرابلس وجعل الشمال الرجل المريض الذي
يتوجب وضعه في محجر صحي وسط تهديد سوري
بتحويل الشمال كله "كرنتينا"، أشاء لبنان
ذلك أم أبى، على ما فسّر كثيرون في لبنان
كلام الرئيس السوري وأبرزهم وزير العدل
ابرهيم نجار الذي قال في حوار أجرته معه
مساء اول أمس الزميلة ماغي فرح إن بين
التفسيرات المتعددة لكلام الرئيس السوري
بشار الاسد ان شمال لبنان قد تحول "بؤرة
للارهاب" يهدد سوريا، انه شبه انذار الى
لبنان بأن الارهاب في طرابلس اذا لم يتحرك
لبنان و"يستأصله" فان وحدات الجيش السوري
المنتشرة بكثافة على الحدود مع لبنان يخشى
ان تجتاز الحدود للقيام بالمهمة، وهذا خطر
على لبنان يجب أن يتداركه ويأخذه في
الاعتبار من طريق توفير تغطية سياسية
للجيش اللبناني ولقوى الامن الداخلي لجمع
السلاح، وخصوصا أن جميع الافرقاء قد سلموا
بسلطة الجيش دون سواها في طرابلس.
ولقد أدرك المطارنة ومعهم الاكثرية
الساحقة من اللبنانيين ان النموذج
الطرابلسي هو نتيجة لانعدام "التفاهم
والوفاق والتعاون" التي دعوا اليها
اللبنانيين عشية اقرار قانون عام 2000
الانتخابي. متخوفين من ألا يكون قانون
1960 أفضل مما سبقه نظرا الى انعدام
التفاهم على الانقاذ بين اللبنانيين والذي
كان يفترض ان يجسده قانون انتخاب اصلاحي
لا يراعي مصالح الافرقاء فحسب، بل يستجيب
رغبات اللبنانيين، جميع اللبنانيين، في
اقرار قانون عصري يمثل تقدما حاسما في
اتجاه المشاركة والمساواة والتوازن في
الحكم.
ولقد كان المطارنة صريحين جدا في موضوع
التعاون الذي أدى غيابه الى استفراد كل
فريق على حدة. إذ لا يجوز ان تكون طرابلس
وحيدة في مواجهة الارهاب، بل يجب ان يكون
هناك تضامن وطني يجعل الارهابيين يترددون
قبل الاقدام على أي عمل اجرامي. كذلك يجب
ألا يبقى الجيش وحيدا في مواجهة الارهاب
وتفجيراته. ذلك ان تجميد وحدات أساسية من
الجيش لحراسة الامن السياسي وللفصل بين
المتقاتلين، كما يحصل في الشمال والبقاع
الأوسط، من شأنه إضعاف قدرة الجيش على
التحرك والرصد والمراقبة ومطاردة
الارهابيين وتعقّبهم سواء على الحدود او
في البؤر التي تؤويهم وتحميهم في الاحياء
الفقيرة وداخل المخيمات الفلسطينية. وقد
عبّر المطارنة عن خيبتهم من الاوضاع رغم
المصالحات التي جرت وتجري، بالقول: "إن
الجو العام السائد في لبنان ليس جو تعاون
بين مختلف الفئات اللبنانية لاخراج البلد
من محنته والعودة به الى وضع طبيعي يشجّع
أبناءه على الاستمرار في الاقامة في
ربوعه".
إذ لو كان هناك تعاون لما "استمر
المتربصون شراً بلبنان ناشطين". وهذا
يقتضي، في نظر المطارنة "من اللبنانيين
على اختلاف فئاتهم وآرائهم يقظة كبيرة
وحسا وطنيا عميقا يجمع بينهم ليقفوا صفا
واحدا في وجه الشر والاشرار الذين لا
يريدون للبنان الخير والهدوء ولأبنائه
الطمأنينة والسلام".
وإذ لم يتوقف بيان المطارنة عند ما قاله
الرئيس السوري عن تحول "الشمال قاعدة
حقيقية للتطرف تشكل خطرا على سوريا"، رأى
البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله
بطرس صفير أنه عندما يكون "هناك شغب
وارهاب وتفجيرات فهذا يشكل خطراً بالطبع"
على لبنان كما على سوريا المجاورة.
إلا ان الخطر في ما يجري في الشمال هو
حصاد لما زرعه السوريون فيه وتولوا رعايته
زمنا طويلا. وهم يعرفون كل شاردة وواردة
بالعناوين والاسماء في شوارع طرابلس
وزواريبها، لذلك هم يحذّرون من أخطار ما
زرعوا بعدما تمرد عليهم "المزروعون" إما
لانهم استيقظوا، وإن متأخرين، أو لأنهم
نقلوا البندقية من كتف الى أخرى.
ولو كان هناك تعاون وطني حقا بين جميع
الفئات اللبنانية، لما تُرك فريق من
المسيحيين يقاوم وحده الوصاية السورية
والهيمنة على القرار السياسي في لبنان،
بينما أفرقاء آخرون في طرابلس وسواها
تعاونوا مع قوات "الاحتلال" وأثروا بفضل
التمسح على أعتابها ولم ينتفضوا ويا للأسف
إلا بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري الرمز
السني الاكبر في البلاد. إذ لو تضامن
الطرابلسيون والبيروتيون والصيداويون مع
المقاومة المسيحية للوجود السوري ورفضوا
التعاون معه، لكان النظام السوري خرج من
لبنان باكرا تحت ضغط قوى شعبية موحّدة
لجميع اللبنانيين بدل جعل النظام السوري
يخرج من لبنان بموجب قرار دولي رقمه 1559
دون ان تلحق به الزمر التي تربّت على
أيديه وانتفخت بطونها من موائده، وتسلحت
وتجهزت بأدوات التخريب والتفجير من
مستودعاته. لذلك من الطبيعي ان يحذّر
السوريون اللبنانيين من خطر ما تركوا
وراءهم في طرابلس.
أما محاربة الارهاب ووضع الجيش في مواجهة
الارهابيين الذين هم في الاساس أصوليون
اختاروا الجهاد بالنفس واستعمال السلاح في
سبيل قضية أو قضايا قد تربوا عليها،
فيفترضان الاقرار بان الارهابيين لم
يولدوا هكذا. والذين يتابعون الحركات
الجهادية يعرفون ان ثمة مدارس تعلم في
أماكن العبادة وفي مدارس خارجها عقائد
تؤدي بأصحابها الى الجهاد ضد "أعداء" من
غير دينهم تحددهم هي وتصنفهم. وأن الاساس
في هذه العقائد يمثله تنظيم "القاعدة"
الذي كان يحظى بغطاء ديني ومالي واسع أيام
المقاومة الاسلامية للاحتلال السوفياتي
لأفغانستان. ثم ما لبثت السياسة حيال
"القاعدة" ان تبدلت بعد الانسحاب
السوفياتي من أفغانستان وبدأت مطاردتها
بعد تفجيري نيويورك وواشنطن في 11 ايلول
2001 واسقاط نظام "طالبان" في أفغانستان
وبدء الحرب الاميركية على "الارهاب
البنلادني" هناك... لينتهي الامر باقتناع
الرئيس الافغاني حميد كرزاي بان الجهادية
لا تحارب بالحديد والنار، وأن الحرب ضد
الجهاديين المؤمنين بعقيدة دينية تعدهم
بالجنة لا حظوظ لها في الربح، لذلك لجأ
الى توسيط العاهل السعودي – أقبل أم لم
يقبل – بين نظامه و"طالبان"!
وبالعودة الى طرابلس، نقول ببساطة إن
الشمال لم يشكّل خطرا على أمن لبنان، وعلى
الجيش خصوصا، ويهدد تاليا أمن سوريا، لولا
نشر ثقافة دينية اعتبرت متطرفة على مرّ
الأيام ولم يظهر "اعتدالها" إلا بعد بروز
"الاسلام المعتدل" بقيادة المملكة العربية
السعودية التي هددها الاسلام المتطرف الذي
قادته "قاعدة" بن لادن في طول العالم
العربي وعرضه، فعاشت أجيال أوهام الجهاد
المكافئ بالجنة، من المغرب الى الجزائر،
فالسعودية، فسوريا فلبنان الخ... وهنا
تظهر مسؤولية رجال الدين السنة في طرابلس
حيال التعاليم التي كانت، ولا تزال، تكفّر
وتدعو الى بذل النفس لنيل الجنة، تارة من
أجل اقامة إمارة اسلامية في الشمال، وطورا
من أجل اقامة دولة اسلامية مستحيلة في
لبنان. ولا أحد ينكر حصول مثل هذه الامور.
أن الدعوات المتأخرة اليوم الى "الاسلام
المعتدل" والتي تقف على أبواب المخيمات
وعلى حدود المناطق الفقيرة والبائسة
المتروكة من زمان ويعيش بعضها على الصدقات
وأموال الزكاة بعيدا عن اهتمام الدولة
وانمائها – ان هذه الدعوات تحتاج الى
تعميم ثقافة وتعليم دينين مختلفين عن
السابق، يدعوان الى الاخوة في المواطنية
والتعايش بين اهل الكتاب والرفق واللطف
بدل الارهاب والعنف.
وهنا مسؤولية المفتين في مختلف المناطق
الذين يجب أن ينطلقوا بقيادة دار الفتوى
الى "تفاهم ووفاق وتعاون بين جميع
اللبنانيين مسيحيين ومسلمين لانهاض بلدنا
من كبوته التي تمادى إهمالها والتغاضي
عنها". على ما قال المطارنة الموارنة في
ايار 2005... وإلا صبح الصباح فاذا بالجيش
السوري يتناول الكنافة والسحلب وحلاوة
الجبن في شوارع طرابلس!
|
المصدر:النهار
اللبنانية
-
أية اعادة نشر من دون
ذكر المصدر تسبب ملاحقه قانونيه
|

 
|
|
|
|
|
|
|
|