مختار الحي .. ذاكرة اجتماعية تحوّلت إلى مجرّد ختم رسمي!!
جميعنا
يحفظ في ذاكرته البعيدة مواقف لمختار
قريته أو حيّه .. مواقف تختصر شخصيّة هذا
الرجل القوية، بما تملكه من رأيٍ راجح،
وكلمة موزونة ومسموعة، كان المختار أشبه
بقوّة تدخّل سريع عند حدوث أيّ مشكلة بين
أهالي قريته أو حيّه، وله الكلمة الفصل في
فضّ أيّ نزاع أو مشكلة .. المختار كان
جزءاً من سلوك اجتماعي يختصر منطق الوجاهة
والقوّة الاجتماعية بشكلها التقليدي
المتوارث .. والآن..
ما زال اسم المختار موجوداً في أذهان
الناس، وإن اختلفت واجباته ومكانته عن
الماضي، دوره بات مقتصراً على تسيير بعض
الأمور الإدارية، تفاسير كثيرة ذهبت إلى
الحديث عن تراجع مكانة المختار اليوم عمّا
كانت عليه سابقاً، فما الذي أدّى إلى
تغيير صورة المختار؟ ولماذا تقلّص دوره
إلى الختم فقط؟.
¶ تسيير المعاملات الرسمية
أصبح المختار مثل أيّ موظف لا أكثر، فلا
دور له في العلاقات الاجتماعية، إبراهيم
المحمدني (مهندس)، قال: «دور المختار بدأ
بالتقلّص بشكل كبير، ولولا بعض المعاملات
التي يجب أن تمرّ على المختار لنسي الجميع
وجود اسم المختار، لأنّ دوره اختلف كثيراً
عن الماضي، حيث كان الجهة الوحيدة لحلّ
مشاكل الحيّ كافة، وكان مجرّد وجود مختار
قويّ يعطي الثقة لأهالي الحي، أمّا الآن
فدور المختار يقتصر على المعاملات الرسمية
فقط».
ويتساءل باسل سفوني (موظف): كيف تتمّ
عملية اختيار المختار؟ حيث إنّ الكثير من
الأهالي في الحي يُفاجؤون اليوم باسم
المختار، لذا فإعطاء المزيد من الاهتمام
بعمليّة اختيار المختار ستزيد من تعاون
الأهالي معه، لأنّهم هم من اختاره، وستزيد
من قوّته لحلّ مشاكل الحي، كما أنّ الأهل
لهم دور في تعزيز دور المختار، بأن يجعلوه
مصدراً لحلّ إشكالياتهم، حتى لو كانت
بسيطة، بدلاً من الفكرة المسيطرة والقائلة
بأنّ المختار غير قادر على حلّ أيّ مشكلة.
¶ المساحات الجغرافية
ازدياد عدد السكان، والامتداد الجغرافي
الواسع أبرز ما تحدّث عنه البعض، أنطوان
الخوري، مختار حي (الحميدية والفاخورة) في
مدينة حمص، أشار إلى أنّ دور المختار
اختلف عن الماضي بسبب اتساع المساحات
الجغرافية للحيّ، مع زيادة عدد السكان
فيها، ففي الماضي كان حي الحميدية، على
سبيل المثال، يضمّ 300 عائلة، يقوم بتسيير
أمورها ثلاثة مخاتير، أمّا حالياً فالأمر
مختلف، حيث يوجد مختار واحد يقوم بتسيير
أمر حيّ كبير كحي الحميدية، الأمر الذي
يشكّل إرباكاً للمختار في معرفة كلّ سكان
الحي، بعكس الفترة الماضية حيث كان
المختار يعرف تفاصيل كلّ عائلة، ويساعد في
حلّ مشاكلها إن وجدت».
لكن ماذا يمثل المختار؟ يقول أنطوان: «إنّ
شخصية المختار، وحبّه للعلاقات الاجتماعية،
إضافة إلى الجو الاجتماعي في الحيّ، تلعب
دوراً مهماً حالياً في تعزيز دور المختار
من عدمه، فقيام المختار بواجبه أثناء وفاة
أحد سكان الحيّ أمرٌ يكون له أثر إيجابي
عند أهالي الحي».
¶ من سكان الحي
كما يفّضل السيد أنطوان أن يكون المختار
من سكان الحي، ولا يجوز أن يكون من سكان
حيّ آخر لتكون لديه مقدرة على معرفة سكان
الحي بشكل صحيح من ناحية، وليكون مقبولاً
من أهالي الحيّ من ناحية أخرى، ولا مشكلة
في عمره، وإن كان التوجّه حالياً نحو كبار
السن المتميزين بالحكمة.
وتابع مختار الحميدية، قائلاً:
«الصلاحيّات المقدمة للمختار من ناحية
تسيير المعاملات جيّدة جداً حالياً،
وتغطّي أغلب الأمور الاجتماعية في الحي،
الأمر الذي يجعل الأهل دائماً في علاقة مع
المختار، رغم رفض البعض دور المختار».
¶ ليس في خطر
بعض التوقعات تشير إلى اختفاء دور المختار
في المستقبل، فهل يمكن أن يحدث ذلك، قال
أنطوان: «مستقبل المختار ليس في خطر، ولن
ينحدر دوره، رغم التطور الحاصل، لأنّ ما
يملكه المختار من معلومات اجتماعية عن
أهالي الحي يصعب على أيّ موظف امتلاكها
بسهولة».
¶ البيت الأول
في محافظة الحسكة لا يختلف الوضع كثيراً
عن المحافظات الأخرى، فقد كانت مضافة
المختار سابقاً البيت الأول لحلّ الخلافات
الاجتماعية والعشائرية في القرية التي
يرأسها المختار ويسيّر أمورها، خاصة أنّه
المرجع الرئيسي لأهل القرية، ولخاتم
المختار دور كبير في تسيير أمور عامة
الناس في المدينة.
صنعة من لا صنعة له
أمّا الحال في دير الزور فتختلف عن غيرها
في المدن السورية الأخرى، فقد وصف البعض
عمل المختار بأنّه «صنعة من لا صنعة له»،
على اعتبار أنّ الوضع الاجتماعي اليوم قد
اختلف، وذلك بعد أن كان بيت المختار أو
محلّ إقامته نقطة علام أساسية في السابق
عند كلّ حي، فقد أصبح مجهول المكانة،
ويستشهد البعض لتأكيد ذلك بالحال التي وصل
إليها منصب المختار اليوم.
تقليد منصب المختار لأيّ شخص كان سبباً في
بعد الناس عنه، فقد يصحّ ذلك!!، هاني خميس
(موظف)، قال: «غابت أهميّة منصب المختار
في الوقت الحالي، لأنّها أصبحت تعطى لأيّ
شخص كان، مبيّنا أنّ تعامل الأهالي معه
اقتصر على المعاملات الرسمية التي تحتاج
إلى ختمه، وبيّن أنّ بعض المخاتير وضع
طاولته وكرسيّه أمام السجل المدني، ويقدّم
له المواطن مبلغاً زهيداً على كلّ ورقة
يختمها».
إلا أنّ العباس قال: «ختمُ المختار أصبح
عبئا على أهل الحي، والسبب أنّ المختار
لديهم يقوم بتعقّب المعاملات في إحدى
الدوائر الرسمية، وعند الحاجة إليه تطول
عملية البحث من أجل العثور على مكانه،
وأضاف: من الصعوبات الأخرى محلّ إقامة
مختار الحي، والتي غالباً ما تكون في حيٍّ
آخر بعيد عن الحي الذي يقطنون فيه، وهذا
يزيد من صعوبة لقائه عند الحاجة إلى ختمه
في معاملات سند الإقامة أو تسجيل الولادات
وغيرها».
بعض المخاتير أشار إلى أنّ الحاجة المادية
هي التي فرضت على المختار القيام بأعمال
لا تلاقي استحسان أهل الحي، لكن المعيشة
صعبة، وتحتاج إلى مردود مادي جيّد يمنعه
من حاجة الناس.
بالانتقال إلى ريف ديرالزور يُلاحظ أنّ
المختار لا يزال يحافظ على دوره وهيبته ـ
كما يقول عثمان خلف ـ ولكنها ليست كما
كانت سابقاً، مضيفاً أنّ دور المختار في
الريف ينافسه عليه عادة مشايخ القرية،
فيما يتعلّق بالمناسبات الاجتماعية التي
تحدث. منصب المختار إذاً طغى عليه الطابع
الرسمي في مدينة ديرالزور، أمّا الدور
الاجتماعي الذي كان يحتلّه سابقاً فقد
تضاءل بشكل كبير، عدا بعض الاستثناءات هنا
أو هناك، ومن هنا فإنّ ختم المختار بقي
الشيء الوحيد الذي يربط صاحب هذه المكانة
بسكان حيّه، فهل سيشهد المستقبل القريب
اختفاء تاماً لهذا المنصب، أم أنّ للبعض
رأياً آخر..؟
¶ لا هيبة للمختار
يتحدّث المختار جورج سليم حيدو (مختار حي
الخابور) عن دور خاتم المختار، بالقول:
«ختم المخترة سابقاً كان بحجم ليرة الذهب،
ومصنوع من النحاس الخالص، ويستخدم لختم
الأوراق الرسمية المطلوبة من الدوائر
الرسمية، ويحفظ في كيس من المخمل، ويرافق
المختار في صولاته وجولاته، لذلك كان هذا
الختم مصدر الرزق الوحيد للمختار، ومصدراً
أميناً لنقل المعلومة من المختار إلى
الدوائر الحكومية، ومن دونه لا هيبة
للمختار ولا رهبة، لذلك كان لا بدّ من حفظ
الختم في مكان آمن يحفظ هيبة المختار
ويعزّز مكانته بين أهل القرية، كما أنّ
المختار كان لا بدّ من أن يكون من
الشخصيات المعروفة لدى جميع القاطنين في
القرية أو الحي التي يقطن فيها ليساعد في
تسهيل العديد من المعاملات التي تتعلّق به
وبرعيّته من القرية.
¶ مضافة المختار مكمنٌ للأسرار
ويضيف المختار حيدو أنّ جميع مشاكل القرى
في مدينة الحسكة تُحلّ عن طريق المختار،
دون الرجوع إلى الجهات الأخرى في القرية،
حيث إنّ مضافة المختار مكمن لأسرار أهل
القرية، ومقرٌّ لحلّ المشاكل العالقة التي
يحتكم فيها أهل القرى إلى المختار، وملاذ
آمن للدخلاء والضعفاء من أهل المشاكل
العالقة.
¶ شاهد مصادق عليه
ويتحدّث المختار عن ميزات الختم، ويؤكّد
أنّه الشاهد الوحيد على دلالات الحي
وسكّانه، ومن دون هذا الختم لا يتمّ
التعامل مع الأشخاص الذين ينسبون سكنهم
إلى أحيائهم، لذلك لا بدّ من مهر هذه
الأوراق الثبوتية بختم المختار الذي
يعتبره العديد من الجهات الرسمية شاهداً
مصادقاً عليه من هذه الجهات، ومصدر ثقة
بالنسبة إليهم.
¶ تبدل عمل المخاتير
يتحدّث المختار جورج سليم حيدو عن التطور
السريع في آلية عمل المختار، والختم الخاص
به، فاليوم، وبعد التطوّر السريع الذي
سارت عليه الدنيا، فقد تبدّل عمل
المخاتير، خاصة فيما يتعلق بالختم، لأنّ
هذا الختم لم يعد المصدر الوحيد للرزق لدى
المختار، ما يجبرهم على امتهان العديد من
المهن المرافقة للعمل كمختار، وأصبح الختم
مقتصراً على سندات الإقامة وشهادات
الولادة والوفاة الخاصة بقاطني الحي الخاص
به، وتحوّل من النحاس الخالص إلى ختم
مصنوع من الخشب، كبقية الأختام المعتمدة
في الدوائر الحكومية، مكتوب عليه اسم
المختار، والحي التابع له، والجهة الصادرة
عنها، مثل هذه الأختام، ويضيف أنّ العديد
من المخاتير أصبحوا يبحثون عن سبل العيش
في وضع العديد من أختامهم أمام الدوائر
الحكومية، التي لها شأن في أمور المخاتير
والمواطنين.
ويضيف المختار جورج سليم حيدو أنّه مع
اتساع القرى وتحوّلها إلى مدن، أصبحت
مهمّة المختار مقتصرة على الحي الذي يقطن
فيه، ويقتصر عمله على تسيير أمور الحي،
لذلك نرى أنّ دور الختم تمّ تحجيمه
وتصغيره بحسب الأحياء في المدن.
بين مختار اليوم ومختار الأمس هل ضاعت
الهوية ؟!
لا يختلف اثنان حول التفاوت والاختلاف
الواضح بين مختار اليوم ومختار الأمس، فقد
لحق بتلك الشخصية الكثير من التطورات،
لتغيب شخصية المختار بطربوشه الأحمر،
وبمضافته المفتوحة لأهل الحي، عن الأنظار،
وعن الواقع الذي نعيشه، وليبرز مختار أكثر
تطوراً وعصرية، لأنّك ـ بكلّ بساطة ـ
ستشاهد اليوم مختاراً شاباً عمره في
الثلاثينات، ويستخدم الحاسوب الشخصي في
أعماله.
المختار هيثم أبو الخيت، أحد المخاتير في
مدينة حلب، وتحديداً في حي «الفردوس»
وتوابعه، يعلّق حول دور المختار في حياة
الناس اجتماعياً وخدمياً حيث يقول: «أؤكّد
لك تراجع دور المختار في الوسط الاجتماعي،
لكنني ـ كمختار ـ أقوم بدور على الصعيد
الخدمي، بالتنسيق مع مجلس المدينة،
والدوائر الخدمية المختلفة لتأمين مطالب
المواطنين في الحي، وفي الفترة الأخيرة
نلاحظ تجاوباً من الجهات المعنية».
المختار الشاب الذي يجلس، وعلى طاولته
حاسوب محمّل ببياناتٍ عن أهالي الحارة، لا
يجد مانعاً من التطور، على مبدأ السير إلى
الأمام، ولا يجد ما يمنع من أن يكون
المختار في عمر الشباب، لأنّه سيكون أقدر
على مواكبة التطور مع إشارته الصريحة إلى
تراجع الدور الاجتماعي للمختار، لتقتصر
على تلبية مطالب سكان الحي العامة، وليست
الخاصة، فيما اقتصرت وظيفة المختار على
توقيع سند الإقامة أو أوراق رسمية أخرى
تخصّ السجلات الرسمية أوالمدنيّة.
¶ مختار قديما
المختار هو الشخصية التي لعبت منذ فترة
بعيدة دوراً مهمّاً في حياة الناس، لتحمل
معها الكثير من الأهميّة، بل كانت تلعب
الدور الأكبر في كلّ حي سكني قديم، ليس
هذا فحسب بل تسعى منذ عقود إلى التخطيط
لتحسين أوضاع الحي والتدخّل إيجاباً في
حياة الناس العامة، ولعب دورٍ كبيرٍ لا
يمكن أن نشيح النظر عنه.
الباحث في مجال التراث صلاح الدين كيالي ـ
له العديد من الكتب التي تتحدّث عن
العادات والتقاليد ـ أشار في حديثه
لـ»بلدنا» إلى طبيعة دور المختار، وبحسب
قوله: «المكان الذي يوجد فيه المختار طوال
اليوم يسمّى «المضافة» ويعتبر المكان
الأبرز الذي يلتقي فيه كلّ أهالي الحي أو
القرية، ويتناقشون خلال جلساتهم في
المضافة في شؤون الناس وأحوالهم
الاجتماعية، مع مناقشتهم للأوضاع الخدمية،
ويسعى هنا المختار إلى الاستماع بحكمته
إلى كلّ الآراء والأفكار التي تطرح،
وبعدها يتخذ قراراته التي تكون أغلبها
حاسمة، ولا تكتفي المضافة بمناقشة شؤون
الناس اجتماعياً، بل يعمل المختار ومن يثق
فيهم على تقديم دعم مادّي للفقراء أو
للأشخاص الذين يعانون من ضائقة مادية، أو
للعائلات التي تضرّرت نتيجة كارثة أحدقت
بهم، يتابع الكيالي: «تأتي المساعدات
المادية إلى الفقراء والعائلات المنكوبة
من خلال إنشاء صندوق للتبرعات يساعد في
تمويله الميسورون مادياً، وهذا الأمر
يعزّز حالة التلاحم الاجتماعي بين أفراد
الحيّ الواحد».
وفي مدينة حلب، تلك المدينة الكبيرة التي
اتّسعت وزادت رقعتها ومساحتها مع زيادة
عدد سكانها، يجد المخاتير ولجان الأحياء
فرصة للتواصل مع مجلس المدينة، لمناقشة
أوضاع الحي الخدمية، ولينحصر دور المختار
في توقيع الأوراق الروتينية أو سندات
الإقامة، ولم يبق لنا، ونحن نعيش في عصر
التطورات، من ذكريات تلك الشخصية شيئاً،
عدا مشاهد المختار في المسلسلات
التلفزيونية الشامية
المصدر:صحيفة
بلدنا -
أية
اعادة نشر من دون ذكر
المصدر تسبب ملاحقه
قانونيه