|
قبل نحو عامين تقريباً، وخلال اجتماع
خاص لتتبع فرص التعاون مع الجانب الليبي،
كشف وزير المالية الدكتور محمد الحسين عن
رغبة ليبية بالاستفادة من العمالة السورية
المتميزة في مجال البناء، و لدرجة أن أحد
المسؤولين الليبيين قال له: نحن مستعدون
للاستفادة من جميع عمال البناء الذين
عادوا من لبنان خلال الفترة السابقة...!!.
تثير هذه الفرصة المهمة وغيرها من
المؤشرات المختلفة حول وضع العمالة
السورية في سوق العمل الإقليمي، موضوع
تنظيم سوق العمل في سورية، الذي ما زال
عشوائياًُ وفوضوياً، قائماً على آليات
تقليدية بدائية، فلا هناك تصنيف واضح لقوة
العمل تبعاً للمواصفات و الأسس المتبعة
عالمياً، و لا هناك أية خطوات تشعرنا أن
هذه العمالة تحصل على جزء بسيط من التأهيل
و التدريب لتكون على الأقل قادرة على تحمل
شدة المنافسة، لذلك كان من الطبيعي أن
ترتفع لدينا نسبة البطالة، و تتراجع حصة
سورية من سوق العمل الإقليمية لمصلحة
أطراف ودول أخرى، و الأهم أن تضيع علينا
فرص هامة كالفرصة التي بدأت بها مقالتي.
و لعل العمالة الزراعية خير مثال يمكن
التطرق إليه للتأكيد على الوضع غير
الطبيعي لسوق العمل في سورية و ماهية
المتغيرات و العوامل التي تؤثر فيها، إذ
يقدر أن القوة العاملة تشكل من إجمالي عدد
السكان نحو 5 ملايين ونصف المليون عامل،
يعمل منهم 19.2% في الزراعة، و إذا ما تمت
إضافة الصناعات المعتمدة على الزراعة
والخدمات، فإن أهمية الزراعة في التوظيف
تصبح أكثر وضوحا، مع العلم فإن أكثر
المزارع يعمل بها ملاكها وعائلاتهم.
و تؤكد إحدى الدراسات الصادرة مؤخراً، حول
آفاق العرض و الطلب للمحاصيل الزراعية
الرئيسية في سورية، أن كثافة العمالة
الزراعية المستخدمة تعتمد على المحصول
ودرجة مكننة العمليات الزراعية، فإنتاج
الحبوب ممكنن بشكل كامل تقريباً (باستثناء
بعض المساحات الصغيرة من القمح الذي يزرع
لاستهلاك الأسرة على المنحدرات الشديدة)
وبذلك فإن زراعة الحبوب لا تمثل أهمية
بالنسبة للتوظيف الريفي، بينما يؤمن
الشوندر والمحاصيل الزيتية فرص عمل صغيرة
في المزارع الأكبر، بينما لا يستخدم معظم
المزارعين الصغار عمالة كبيرة لهذه
المحاصيل، و تعتبر المحاصيل الصناعية
المزود الأكبر للعمالة الزراعية العادية،
ومن بين هذه المحاصيل القطن الذي يزرع
بمساحات شاسعة والذي يجتذب خلال موسم
الجني أعداد كبيرة من العمالة العادية على
امتداد كامل البلاد، فحتى المزارع
المتوسطة والصغيرة تقوم باستئجار عمالة
إضافية لتضاف إلى العمالة الأسرية وخاصة
في مواسم الحصاد، أما المزود الرئيسي
الثاني للعمالة الموسمية في القطاع
الزراعي فهو قطاع الأشجار المثمرة، حيث
يقوم بالجني عمالة غير مدربة وبالتقليم
عمالة مدربة، أما العنصر الهام الثالث
لسوق العمالة الزراعية العادية السورية
فهو زراعة الخضراوات وخاصة العمالة
الموسمية التي تقوم بجني الخضراوات
الحقلية، وتعرف السهول الجنوبية في محافظة
درعا بالنسبة للفقراء في الأنظمة الزراعية
المختلفة، بوجود فرص عمل متعددة.
و تضيف الدراسة: إن مصدر العمل في الإنتاج
الزراعي يختلف من منطقة إلى أخرى في القطر،
حيث تعتمد الزراعة في المناطق الساحلية
والجبال بشكل خاص على العمالة العائلية،
وعندما تكون هنالك حاجة لاستئجار عمل عادي
تكون العمالة المستأجرة على الأغلب من
القرى المجاورة. لكن في مواسم قطاف
الزيتون والحمضيات تكون العمالة المستأجرة
من مناطق أخرى من القطر. والأمر نفسه
ينطبق على السهول الداخلية الوسطى في
سورية (حمص ، حماة ، الغاب) كما تتميز كل
المناطق السابق ذكرها بكثافة سكانية عالية
وبمعدل حيازات صغير، حيث من السهل العثور
على المزارعين الفقراء وغير الحائزين في
حماة والغاب ويرغب العديد منهم بالعمل في
مناطق أخرى من القطر، و أحياناً يعتمد
المكان الذي يقصده المهاجرون على العوامل
الاجتماعية، فعلى سبيل المثال عادة يقصد
الناس في المناطق الغربية من سهل الغاب
المناطق الساحلية لأن لديهم علاقات
تاريخية مع السكان المقيمين هناك، أما في
المناطق الشرقية والجنوبية فعادة ما
يقصدون محافظتي حماة وحمص ولنفس السبب،
وقد زادت هجرة العمالة خلال العقد الماضي
بسبب الزيادة السكانية وبالتالي زيادة عرض
العمل، واقترن ذلك مع انخفاض العوائد على
الأرض الزراعية والذي كان المصدر الرئيسي
للدخل لأغلب العائلات الزراعية العاملة.
و السؤال بعد هذه اللمحة المختصرة لواقع
العمالة الزراعية في سورية...هل مثل هذه
العمالة إن بقيت على وضعها الحالي ستكون
قادرة على تلبية احتياجات ما نطمح إليه و
ما نحتاجه من نهضة زراعية، ولن نقول
قدرتها على المنافسة في سوق العمل
الإقليمي؟! لماذا لا يكون هناك مشروع
لتصنيف هذه العمالة تبعاً لمؤهلاتها و
عملها و الجزء المسموح له العمل خارجاً؟!
و إذا ما طلبت دولة عربية عمالة زراعية
سورية...كيف يمكن أن تلبي الجهات المعنية
سواء العامة أو الخاصة هذا الطلب؟! و هذه
التساؤلات يمكن أن تطرح على واقع ومؤشرات
قوة العمل السورية كافة و في مختلف
القطاعات الاقتصادية و الخدمية |