هل تدخل سوريا وتركيا بحرب مباشرة؟

264455421349504584_main1لا حاجة لتحليل تفصيلي للوصول إلى الخلاصة النهائية، لأنّ الجواب السريع والبديهي وبكل وضوح على هذا السؤال هو: كلا! صحيح أنّه كان بوسع تركيا إستغلال حادثة سقوط قذيفة مدفعيّة – عن طريق الخطأ على الأرجح – على قرية أكجاكالي الحدودية ومقتل خمسة مدنيّين وجرح آخرين، لإفتعال مواجهة عسكرية شاملة مع سوريا، لكنها لم تقدم على هكذا خطوة، وإكتفت بقصف مدفعي محدود على مواقع عسكرية سورية في منطقة “تل الأبيض” على بعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود التركية، على الرغم من موافقة البرلمان التركي على طلب الحكومة بمنح الجيش الإذن بشنّ عمليّات عسكرية في سوريا “إذا إقتضى الأمر”. فلماذا تلكأت تركيا عن تنفيذ ردّ عسكري عنيف وشامل ضد مواقع الجيش السوري المنهك بمواجهاته مع المعارضة الداخلية المسلّحة؟ ولماذا لم تستغل الحادث لفرض منطقة عازلة وآمنة داخل الأراضي السورية، لإيواء نحو مئة ألف مهجّر لجأوا إلى أراضيها؟ ولماذا إكتفت برد ضعيف لا ينسجم مع التهديدات الكبيرة التي دأبت على إطلاقها منذ بداية الأزمة في سوريا وحتى اليوم، علماً أنّ الحادث ليس الأوّل من نوعه، وكان سبقه خصوصاً إسقاط طائرة عسكرية تركية بنيران سورية في حزيران الماضي؟!

أولاً: تعلم أنقره علم اليقين أنّ قرار فتح الجبهة عسكرياً مع سوريا ليس بيدها، بل بيد القوى العظمى الحليفة، وهي بالتالي لن تتفرّد بهكذا خطوة من دون تنسيق ودعم كاملين مع الحلفاء الكبار، باعتبار أنها غير قادرة على تحمّل عبء فتح المنطقة على كل الإحتمالات بتصرّف أحادي من قبلها.

ثانياً: تدرك أنقره أنّ المواجهة العسكرية المفتوحة مع الجيش السوري قد تقوّي عصب الوحدات المسلّحة حول نظام دمشق، بدافع “الحس الوطني ضد الغريب”، وهذا ما لا تريده إطلاقاً، بل ترغب بعكس ذلك تماماً، أي إضعاف النظام الحاكم في سوريا، وتشجيع العسكريّين على الفرار من الجيش.

ثالثاً: تخشى أنقره من إنفلات الأمن كلياً على حدودها المشتركة مع سوريا، والتي تمتد على مسافة يبلغ طولها 800 كلم. في حال ضربها الجيش السوري المتمركز في النقاط الحدودية بقوّة، وهو ما يستوجب إتخاذ تدابير عالية الكلفة، وحشد قوى عسكرية كبيرة، للتعويض عنه.

رابعاً: تتخوّف أنقره كلياً من دخول أكراد سوريا (يقدّر عددهم بنحو 1,7 مليون نسمة أي نحو 10 % من إجمالي سكان سوريا) في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع قواتها، إن هي تقدّمت في العمق السوري، مع الإشارة إلى أنّ أكراد سوريا باتوا يقيمون نوعاً من الحكم الذاتي المبطّن في المناطق الشمالية – الشرقية من سوريا، مستفيدين من تجنّب النظام السوري التصادم معهم، خشية إنضمامهم إلى المعارضة المسلّحة من جهة، وتشجيعاً لهم للقيام بعمليّات عسكرية ضد تركيا من جهة أخرى. وهذه الأخيرة هي ورقة لا ترغب دمشق بخسارتها حالياً!

خامساً: تعجز تركيا عن تحمّل كلفة أي حرب شاملة مع سوريا حالياً، إنّ عسكرياً على صعيد الخسائر أو سياسياً على صعيد الأزمة التي ستوجدها، أو خصوصاً مالياً وإقتصادياً.

وفي ظل هذه المعطيات، كيف ستتطوّر الأمور بين سوريا وتركيا في الفترة المقبلة؟

الأكيد أنّ الحرب غير المباشرة ستبقى مفتوحة ومستمرّة بين تركيا وسوريا، حيث ستواصل الأولى دعم المعارضة السورية بالسلاح، وتوفير الغطاء السياسي والدعم اللوجستي الكبير لهم، في حين ستواصل الثانية رفع قبضتها عن الجهات الكرديّة المتشدّدة، بهدف إستغلال هجماتها ضد الجيش التركي، وإعتمادها كورقة ضغط بيدها. وعلى الأرجح أنّ “الكباش” بين أنقره ودمشق مرشّح للتصاعد، مع وجود إحتمالات كبيرة بحصول مناوشات حدودية متعدّدة بين الطرفين في المستقبل نتيجة هذا الأمر. وربما قد تقوم تركيا بتوجيه ضربة عسكرية محدودة في الزمان والمكان بهدف رفع المعنويات، وعدم الظهور بمظهر العاجز! لكن الأمور لن تبلغ مرحلة التدخّل التركي العسكري المباشر في سوريا، ولا مرحلة المواجهة العسكرية الشاملة بين الطرفين، لأنّ سوريا المشغولة بمشاكلها الداخلية تتحاشى هذا الأمر كلياً، وتركيا غير مغطّاة من قبل الحلفاء النافذين إلا بالتصاريح الإعلامية غير الفعّالة، وهي أصلاً لا ترغب بنقل “ضريبة الدم” إلى جيشها وحدودها، في الوقت الذي تقوم فيه بذلك بالواسطة!

ناجي س. البستاني

المصدر : النشرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة