تعالوا نصبح سوريين ثانية

حتى إذا نجح الجيش النظامي السوري في حسم الحرب الدائرة في إدلب، لن ينتهي الاقتتال. والسبب بسيط للغاية.

دعونا نعد قليلا إلى الوراء، نتذكر ماذا حصل في غوطة دمشق، وريف حمص، وحوران، وفي مناطق أخرى من سوريا، حيث جرت مصالحات بقوة السلاح، وبإشراف مباشر من روسيا. المصالحة لم تكن سوى حبر سال على الورق، لتنتهي باعتقالات واسعة، وفرار عشرات الآلاف من تلك المناطق.

انضم الفارون إلى قوافل المهجرين، من كان محظوظا منهم وجد طريقه إلى خارج سوريا. الباقون، الذين لم يحالفهم الحظ، انتهوا في جحيم إدلب يفترشون العراء.

اليوم يعيش في محافظة إدلب قرابة أربعة ملايين مواطن سوري، ينتظرون مصيرهم، أغلبهم مستعد للموت، فهم جربوا المصالحة من قبل، لينتهوا محاصرين من جديد، ولكن هذه المرة مبعدون مشردون.

مشروع المصالحة يجب أن يسبق الحل العسكري، ويجب أن يكون بوصلة تحدد للمواطن السوري أي اتجاه يختار، هل يختار أن يتجه إلى طرف الميليشيات المسلحة أو يتجه إلى القوات النظامية؟

مخطئ من يظن أن السوري يختار طواعية حماية الميليشيات والجماعات المتطرفة لأنه يؤمن بمشروعها.

السوري حضاري بالوراثة، عرف التجارة والمدنية، وكان سباقا في العيش بحماية القانون، وهو إن رضي بالعيش في ظل المتطرفين، رضي به لأنه لا يثق بالجهة الأخرى، التي خذلته.

لا يوجد سوري عاقل واحد -والسوريون عاقلون عادة- يرضى بأن تقع سوريا فريسة للتطرف، ولكنه محاصر لا يعرف في أي اتجاه يسير.

في مطلع الثمانينات لم يتردد السوريون في دعم الحكومة في مواجهة الإخوان المسلمين، وكان تجار حلب ودمشق أوائل المناضلين الذين وقفوا في وجه الإسلام السياسي. كلهم يعلمون، بالسليقة، أن الدين لله والوطن للجميع.

من مصلحة السوريين جميعا أن ينتهي الاقتتال، ولكنّ هناك أسئلة تفرض نفسها؛ ماذا قبل ذلك؟ وماذا بعده؟

من يضمن أن يحترم المنتصر وعوده؟ هل قدم كل طرف برنامجه؟ هل أعلن أنه لن يَشْرع في نصب محاكم تفتيش ترفع شعار: كل من لم يكن معنا هو ضدنا اليوم؟

ومن لم ينته معتقلا، هل سيضمن أنه لن يصنف مواطنا من الدرجة العاشرة، يحرم من حقوقه المدنية، ومن العمل، ويجرّد من إنسانيته؟

الدم، لا يتم.. هكذا قال قدماؤنا، إلا برعاية من كبار القوم، واليوم الدم لن يتوقف إلا باتفاق ترعاه منظمات دولية، وتشرف عليه دول عربية شقيقة، تعرف مكانة دمشق وتحرص على صيانتها.

الكارهون لكلمة “تدويل” منافقون، ما يحدث في سوريا يحدث في ظل قوى دولية؛ روسيا، وتركيا، وإيران، والولايات المتحدة وأطراف أوروبية أخرى. ولكنه لا يحدث في ظل الشرعية.

تعالوا أولا، نتفق على كلمة سواء، تعالوا نكن مواطنين سوريين، ليست لهم هوية أخرى، طائفية، أو عرقية، أو حزبية.. مواطنين سوريين وكفى.

وتعالوا ثانيا، نَدْع إلى تدويل “شرعي” برعاية مباشرة من دول شقيقة، تدويل يضمن حق الأطراف الحكومية، وحق المواطن السوري الذي وجد نفسه، دون إرادته، في الجانب الآخر.

لنطالب، حكومة ومواطنين، بمبادرة دولية تبعد أمراء الحرب عن سوريا، ونضع مشروع مصالحة مبنيّا على نسيان الأحقاد، نحن لسنا أحفاد داحس والغبراء، بل أحفاد الكنعانيين والفينيقيين وأحفاد الأمويين.

تعالوا نبن مشروعا مستقبليا قائما على احترام الاختلاف بيننا، وإحياء ثقافة المساواة. لا فضل فيه لعلوي على سني، ولا لمسيحي على درزي، ولا لكردي على أرمني أو تركماني أو شركسي.

سوريا بلد غني، بمصادره الطبيعية والبشرية، غني بتنوعه واختلافه، ولم يكن فقيرا يوما. لنترك أحقاد الماضي وننسَ آلام الحاضر، ونجنب سوريا المزيد من الخسائر. فالحل لن يكون إلا بإحلال دولة الدستور والقانون. اكتب بوصفي مواطنا سوريا، اغترب أربعين سنة عن أرض أحبها، مزروعة بقلبه، لم تفارقه لحظة.

مواطن سوري محاط بحب أصدقاء أبطال، بعضهم غادروا، وكثير منهم تشبثوا بالبقاء.. أصدقاء يخجل أي منهم أن يُعرّف نفسَه بغير كلمة سوري. باقة جميلة منوعة ومختلفة الألوان مقطوفة من حدائق سوريا، هؤلاء هم أصدقائي، هؤلاء هم السوريون. تعالوا نحم سوريا من التحزب، والتطرف الديني، والولاء العرقي.. تعالوا نكن سوريين ثانية.

علي قاسم
المصدر: العرب 

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة