الانفصال عن الواقع

يكاد يتوافق العالم كله على مقولة إن نظام الأسد منفصل عن الواقع. والأمر في هذا لا يتمثل في وضع رأس النظام فقط، رغم أهميته في المثال، وإنما يتعداه إلى بقية القيادات في هياكل النظام ومؤسساته المختلفة، ولا سيما تلك التي لعبت دوراً بارزاً وفاعلاً في السنوات الماضية، من المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية، والتي قادها انفصالها عن الواقع للذهاب إلى حلول وسياسات منفصلة عن الواقع أيضاً، فكان رفضها لأي حل غير ما تراه من حل أمني عسكري، فغرقت فيه، رغم معرفتها أنه سيقودها إلى دمار شامل لن تنجو منه، فأشاعت القتل الرخيص من خلال العمليات الأمنية، ومجازر الكيماوي، والبراميل المتفجرة، والحصارات والاعتقالات المديدة، مما أدى إلى موت السوريين قتلاً علنياً وجوعاً، ونتيجة فقدان الدواء والرعاية الطبية، إضافة إلى الموت تحت التعذيب، والقتل انتقاماً.
لقد فرضت خيارات الحل الأمني – العسكري على نظام الأسد سياسات وعلاقات، لا يمكن لغيرها أن يحقق هدف بقاء النظام، والسعي إلى جلب السوريين مجدداً إلى حظيرته، فذهب إلى ارتهان كلي لإيران وروسيا؛ بل ومسايرة إسرائيل باعتبارها أبرز المستفيدين من بقاء النظام. وسمح النظام للجميع بانتهاك السيادة السورية بكل معانيها،
والحصول على كل ما رغبوا فيه من مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية – أمنية، أخذت شكل تفاهم مكتوب، أو صارت عرفاً. وكله ما كان له أن يحصل لولا حالة الانفصال عن الواقع، التي وسمت النظام بما فيه رأسه، قبل أن تتمدد الحالة إلى الإيرانيين والروس بدرجة أو بأخرى. ولعل المثال الأول في حالة نظام الملالي تجاهل الأزمة السياسية التي يعيشها نظامهم، وإغماض العين عن حالة التدهور الاقتصادي – الاجتماعي للإيرانيين، وصرف مليارات الدولارات في بلدان حروب وصراعات، تحركها طهران، بينها سوريا ولبنان واليمن وغيرها. ويكاد يتشابه – رغم الفارق بين البلدين – مسار نظام موسكو ونظام طهران في التعامل مع القضية السورية؛ من حيث واقع الأزمة السياسية الكامنة في نظام المافيا الروسي من جهة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية لغالبية الروس من جهة أخرى، بينما يتابع نظامهم تدخلاته العنيفة، التي تشكل سوريا إحدى حلقاتها.
غير أن ظاهرة الانفصال عن الواقع في سوريا، لا تشمل النظام وسلوك حلفائه الإيرانيين والروس فحسب، إنما هي ممتدة في صفوف النخبة السورية، وخصوصاً في أوساط المشتغلين بالشأن العام، من المعارضين السياسيين، وقادة التشكيلات المسلحة، والناشطين في منظمات المجتمع المدني والأهلي، وهي ناتج طبيعي لسياسة الاستبداد والإكراه المكرستين في عهد الأب إلى الابن من آل الأسد. ولم تكن ثورة السوريين في دفقاتها الأولى إلا تعبيراً عن المسعى الواضح للخروج من إسارها ومسارها؛ لكنه ومع عنف المواجهات والخسائر المتتالية، ومع امتداد الوقت، صارت حلقات التمايز بين النظام والثائرين عليه تضيق، ويزداد التقارب بينهما، وسط استمرار الفارق المعلن بين طبيعة وشعارات كل منهما.
إن التعبيرات الأهم في هذا التحول، يمكن ملاحظتها في انتقالات الثورة، ومنها الانتقال من الثورة السلمية، على نحو ما ظهر في البدايات، إلى العمل المسلح. والإشارة هنا لا تتعلق بفكرة حمل السلاح بمقدار ما تتصل بالهدف من حمل السلاح، وبين الاثنين فوارق قد لا يوليها البعض أهميتها، وقد تجاوزت العسكرة فكرة الدفاع عن النفس، ليصير الهدف هزيمة النظام في ميدان هو الأقدر فيه، وبذل كل جهد ممكن لأخذ السوريين إليه بالإغراء أو بالإكراه، وهو السياق نفسه الذي تم اتباعه في أخذ الثورة من ثورة لكل السوريين على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية والطائفية، وإعطائها صفة طائفية، وهو ما جهد نظام الأسد لتأكيده وإثباته، مع أول صيحات الحرية في مارس (آذار) 2011.
وثمة تعبير آخر شديد الدلالة، فبعد الإبداع الهائل للسوريين في توليد التنسيقيات والمجالس المحلية، كأشكال جديدة تقيم انفصالاً وتمايزاً مع النظام، يشمل المحتوى السياسي بالفارق بين الديكتاتورية والتعددية، وشكل الإدارة في انتقالها من البيروقراطية الإدارية إلى الشكل الديمقراطي في إدارة المجتمعات المحلية، تلاحقت الصراعات، مما أدى إلى تهميش تجربة التنسيقيات، وإفراغ تجربة المجالس من محتواها المختلف.
والتعبير الذي لا بد من التوقف عنده، يكمن في ملاحظة انكفاء السوريين عن العمل وتحولهم إلى القول، وهذا بخلاف ما ولدته روح الثورة التي لم تكسر حاجز صمت السوريين حول ما يرغبون فيه فقط، وإنما كسرت حاجز العزلة والانكفاء عن العمل في مواجهة النظام، على نحو ما جسدته المظاهرات والاعتصامات وعمليات الإغاثة والدعم، وهي أشكال من العمل تكاد تختفي لدى السوريين، مع استثناء إدلب ومحيطها، وقد حل محلها سلوك لفظي، أكثر تجلياته على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها أصبحت ميدان نضال السوريين.
إن التعبيرات العامة تؤشر للمحتوى العام؛ لكن الأمثلة الأكثر تدقيقاً وتخصيصاً في دلالاتها، يمكن ملاحظتها في متابعة أهم جماعات المعارضة السياسية والمسلحة، وبعض رموزها ومواقفها من أحداث وتطورات كبرى تتواصل في القضية السورية. وأشير سريعاً إلى بعض المجريات:
رغم مرور نحو تسع سنوات، لم يقم هيكلا المعارضة السياسية، «الائتلاف الوطني» و«هيئة التنسيق»، بأي مراجعة جدية للمرحلة السابقة، ووضع برنامج عمل للمرحلة المقبلة. ولعل الأسوأ مما سبق تحول بعض أطراف المعارضة عن الاهتمام بالقضية السورية والسوريين؛ إذ لم تجد الحرب الراهنة على إدلب، ولا عمليات ترحيل لاجئين سوريين من تركيا، أي اهتمام جدي من جانب «الائتلاف الوطني»، وهذا مجرد مثال من كثير.
رغم كل ما تكشفت عنه الأحداث والتطورات على الصعيد الميداني، فإنَّ أياً من التشكيلات المسلحة لم تقدم مراجعات حول عملها ونتائجه في المرحلة السابقة، وكثير منها أبقى على وجوده الشكلي، رغم ما لحقه من هزائم ميدانية، وكأنه في انتظار من يعيد توظيفه في الصراع القائم. وقد تحولت بعض تلك التشكيلات إلى أدوات للسياسة التركية في القضية السورية.
وواقع تردي النخبة، لم يقتصر على جماعات المعارضة السياسية والمسلحة؛ بل امتدَّ إلى الأجسام التفاوضية؛ حيث انكفأت إلى الظل «هيئة المفاوضات»، وكأنه لم يعد لديها ما تقوم به، وذهب وفد آستانة إلى اجتماعاتها الأخيرة، ليعطي شرعية مفقودة للحرب الروسية الجارية على إدلب.

فايز سارة
المصدر: الشرق الأوسط

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة