المفاوضات على خان شيخون: مساعٍ تركية روسية لإبرام اتفاق

في وقت كان فيه النظام السوري يخرق وقف إطلاق النار المعلن في شمال غربي سورية بقصف بالطيران الحربي، برزت أمس الثلاثاء معطيات عن مفاوضات تركية روسية حول مدينة خان شيخون ومورك، تهدف لسحب قوات النظام والمليشيات التابعة لها من المدينة والمواقع المحيطة بها، وسط ترجيحات بأن الاتفاق سيأخذ وقتاً ولن يتم الكشف عنه قريباً.
واستخدم النظام السوري لأول مرة الطيران الحربي في خرقه للهدنة الحالية في الشمال السوري. وذكرت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” أن الطيران الحربي التابع للنظام شنّ غارتين على مواقع في تلة الكبينة بجبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، وألقى صواريخ شديدة الانفجار على تلك المواقع. وأضافت المصادر أنها المرة الأولى التي تشنّ فيها طائرات النظام غارات على المنطقة منذ سريان وقف إطلاق النار الذي أعلنت عنه روسيا في شمالي غربي سورية في 31 أغسطس/آب الحالي.
كما قصفت قوات النظام بالمدفعية وراجمات الصواريخ مناطق في مدن وبلدات كفرنبل وحزارين وحاس والشيخ مصطفى ومعرة حرمة في ريف إدلب الجنوبي، وذلك بالتزامن مع تحليق طيران الاستطلاع التابع لها فوق المنطقة. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد” إن القصف كان مصدره قوات النظام المتمركزة في محيط مدينة خان شيخون، وأسفر عن وقوع أضرار مادية في ممتلكات المدنيين والمرافق العامة، فيما تواصل غياب الطيران الحربي عن أجواء ريف إدلب الجنوبي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر مطلعة من فصائل المعارضة السورية، لـ”العربي الجديد”، عن وجود مفاوضات روسية تركية لسحب قوات النظام والمليشيات التابعة لها من مدينة خان شيخون والمواقع المحيطة بها. وأضافت المصادر أن المفاوضات تدور حول انسحاب قوات النظام إلى مسافة ثلاثة كيلومترات شرق خان شيخون وثلاثة كيلومترات غربها، مع بقاء دوائر شرطة ومؤسسات مدنية تابعة للنظام في المدينة تشرف عليها شرطة عسكرية روسية. وأوضحت أن المفاوضات تدور حول إنشاء نقطتين للجيش التركي، الأولى في منطقة ظهرة النمر شمال مدينة خان شيخون والثانية في مزارع كفرطاب غرب خان شيخون، وذلك بعد سحب النظام للمليشيات التابعة له. وكانت قوات النظام قد بسطت سيطرتها بدعم روسي على مدينة خان شيخون وعلى ريف حماة الشمالي في العشرين من أغسطس/آب الماضي بعد عملية عسكرية استمرت قرابة ثلاثة أشهر.

في السياق نفسه، أكدت مصادر تركية لـ”العربي الجديد” وجود مفاوضات مع الجانب الروسي حول المنطقة منزوعة السلاح جنوب إدلب، ستفضي في النهاية إلى انسحاب قوات النظام، ولكن من السابق لأوانه الانسحاب خلال الفترة الحالية، إذ لا تزال الأطراف تنتظر القمة الثلاثية في أنقرة وحصول تفاهمات تركية روسية قبلها أو خلالها، حول ترتيبات هذه المنطقة، وفق المصادر، التي استبعدت الإعلان عن أي توافقات في فترة قريبة، “خصوصاً أن هناك صيغة مطروحة للتفاوض ولكن لا يمكن الكشف عنها حالياً، وهناك مفاوضات جادة حولها”، متوقعة أن يستغرق الأمر وقتاً ولا يُعلن عنها في القريب العاجل.

من جهته، قال القيادي في الجيش السوري الحر، مصطفى سيجري، لـ”العربي الجديد”، إن هناك مفاوضات بين الطرفين التركي والروسي حول مصير خان شيخون وغيرها من المناطق التي كانت خاضعة لاتفاق سابق، وهو اتفاق خفض التصعيد. وأشار سيجري إلى أن هذه المفاوضات لم تسفر حتى الآن عن أي نتائج عملية، في ظل رفض الطرف الروسي عودة المدينة إلى سلطة المعارضة، مقابل إصرار الجانب التركي على ضرورة انسحاب قوات النظام منها. وأعرب سيجري عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى حل وسط يقضي بألا تكون المنطقة تحت سيطرة النظام أو المعارضة، بغية تطمين الأهالي، وتشجيعهم على العودة إلى ديارهم.

وفي الإطار ذاته، قال مصدر عسكري من فصائل “الفتح المبين” لـ”شبكة شام” المحلية، إن سيطرة النظام وروسيا على خان شيخون كانت خارج الحسابات بين الضامنين الروسي والتركي، وهو ما خلق صراعاً بينهما، لا سيما مع بقاء نقطة مورك التركية محاصرة حتى اليوم، ومنع وصول الرتل التركي إلى أطراف خان شيخون قبل تطويقها والسيطرة عليها وتمركزه في معرحطاط. وأكد المصدر وجود مباحثات بين موسكو وأنقرة لإيجاد حل توافقي لمنطقتي خان شيخون ومورك، مع إصرار الجانب التركي على عدم سحب النقطة التركية، وسط تسريبات تتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق لخروج النظام من المدينتين وإدارتها من قبل الشرطة التركية والروسية. وتوقع المصدر أن يكون هناك اتفاق ما مهدت له زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخيراً إلى موسكو، ولا يزال قيد التباحث بين الطرفين، ليجنّب المنطقة التصعيد، وسيكون وفق شروط محددة بين الضامنين، أبرزها فتح الطرق الدولية وحل “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وإبعاد الفصائل عن خطوط التماس، مع خروج النظام ومليشياته من خان شيخون ومورك إلى أطرافهما.
من جهته، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن “كل ما يجري في تلك المنطقة الآن هو عبارة عن إعادة تموضع لقوات النظام وفق الاتفاق الروسي-التركي في محاولة روسية لإقناع تركيا بالمساعدة على إعادة المدنيين، الذين يخشون تعرضهم للانتقام من جانب النظام ومليشياته، إلى تلك المنطقة”. وأضاف أن التركيز هو على سحب المظاهر العسكرية من تلك المناطق، على أن تتولى الأمن شرطة عسكرية روسية وشرطة مدنية مثلما هو الحال في الغوطة الشرقية، متسائلاً عن جدوى مثل هذا الحل، إذ تتواصل الاعتقالات في الغوطة الشرقية بحق المدنيين على الرغم من الضمانات الروسية.

وفيما تتزايد الضغوط على “هيئة تحرير الشام” لحل نفسها أو الاندماج في فصائل أخرى، كجزء من الترتيبات المفترضة للمرحلة المقبلة بين روسيا وتركيا، هاجم “المسؤول العام لكتلة مدينة حلب” و”الإداري العام لجيش عمر” في الهيئة، عبد المعين محمد كحال، قيادته وطريقة إدارتها السياسية والعسكرية والاقتصادية للمناطق الخاضعة لسيطرتها في الشمال السوري. وقال كحال الملقب بـ”أبو العبد أشداء” ليل الإثنين-الثلاثاء، في مقطع مصور على حسابه في تطبيق “تلغرام”، إن “تحرير الشام” تخضع للتفاهمات الدولية مثل “اتفاقية أستانة”، إذ كانت تعلم بعملية النظام العسكرية في حماة وإدلب لكنها لم تحصن خطوط القتال. واعتبر أن من أشكال انصياع “تحرير الشام” للتفاهمات والأوامر الدولية هو الانسحاب من منطقة شرق السكة في ريف إدلب الشرقي.

وأضاف كحال أن “تحرير الشام” عملت على تقوية الجناح الأمني على حساب الجناح العسكري، وفعّلت كتابة التقارير بين عناصرها، مشيراً إلى أنها لا تشغل سوى ربع نقاط الحراسة على الخطوط الأولى للقتال مع قوات النظام والمليشيات الموالية له، كما أنها لا تقدّم أي دعم عسكري لهذه الخطوط على الرغم من سيطرتها على المنطقة. وأشار إلى أن الجناح العسكري في “تحرير الشام” لا يكلّفها أكثر من 650 ألف دولار شهرياً، وهو رقم يشكّل خمسة في المائة من دخلها الشهري، منوهاً إلى أنها صادرت من “حركة نور الدين الزنكي” بعد هجومها عليها أكثر من عشرة ملايين دولار أميركي و1100 آلية ومستودعات أغذية وأدوية ومعامل. واتهم قيادة “تحرير الشام” بالفساد المالي والإداري والعسكري، والكذب والخداع وسرقة أموال الفقراء والتسلط على رقابهم. وقال إن “عناصر الهيئة لا يتقاضون رواتبهم القليلة بانتظام على الرغم من توفر المال لدى القيادة، وعندما تتم المطالبة من قبل قادة التشكيلات بزيادة الدعم تتذرع القيادة بأنها صرفت الأموال في قطاعات أخرى، وهي أكاذيب تم كشفها في أكثر من حادثة، وأن سياسة التجويع التي اتبعتها الهيئة أثرت إلى حد كبير على معنويات وأداء المقاتلين وتسببت في الخسارة الميدانية”.

ويرى مراقبون أن هذا “التمرد” العلني من قِبل أحد قادة “تحرير الشام” قد يشجع قادة آخرين على شق عصا الطاعة، وقد يسهم ذلك في كسر هيبة قيادة الهيئة، وتشجيع تفككها. وكان “أبو العبد أشداء”، انشق عن “أحرار الشام” نهاية العام 2016، ومعه عشرات المقاتلين من كتيبته “مجاهدو أشداء”، غالبيتهم من حلب. وانضمت الكتيبة بعد خسارة أحياء حلب الشرقية إلى صفوف “الهيئة”، وتولى أشداء قيادة الكتلة العسكرية لحلب المدينة، قبل أن يصبح قائداً إدارياً لـ”جيش عمر”.

المصدر: العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة