تصاعد العنف وموجات النزوح تؤجج معاناة المدنيين خلال السنة الثامنة من النزاع السوري

لا يزال النزاع في الجمهورية العربية السورية، الذي دخل عامه التاسع، يتميز بتزايد حدة العنف، ويؤجج معاناة المدنيين الذين يتحملون وطأة الأعمال القتالية، وفق ما أعلنته لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الأخير.

وفي تقرير من 21 صفحة صدر اليوم، تبرز لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية كيفية تأثير الأعمال العدائية المستمرة على حياة السوريين وتسببها في تشريد أعداد هائلة ليرتفع بذلك عدد النازحين السوريين لما يناهز 13 مليون شخص.

ورغم الاتفاق الحاصل بين روسيا وتركيا في أيلول/سبتمبر 2018 لإحداث منطقة مجردة من السلاح في إدلب، هاجم إرهابيو هيئة تحرير الشام المواقع العسكرية للقوات الموالية للحكومة وأطلقوا صواريخ بشكل عشوائي باتجاه المواقع الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أدى إلى قتل وتشويه العشرات من المدنيين في ريف حلب وحما ومناطق أخرى. كما أن الهجمات الجوية والبرية التي شنتها القوات الموالية للحكومة لطرد إرهابيي هيئة تحرير الشام والجماعات المسلحة التابعة لها من إدلب وشمال حماة واللاذقية وغرب حلب  تصاعدت بشكل مثير، مما أدى إلى تدمير البنى التحتية الضرورية لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك المستشفيات والأسواق والمرافق التعليمية والموارد الزراعية، وإجبار ما يناهز نصف مليون مدني على الفرار.

وشملت الأعمال العدائية كذلك عمليات واسعة النطاق من جانب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية، مما أدى إلى تدمير واسع النطاق للبلدات والقرى في محافظة دير الزور. وتسبب ذلك في نزوح الآلاف من المدنيين، يُعتقد أن العديد منهم ينتمون لعائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو من المقربين منهم. وقام عشرات الآلاف بالفرار هربا من قصف بلدة باغوز، فقط ليجدوا أنفسهم محتجزين في مخيم الهول، مما استنزف الموارد الإنسانية المنهكة أصلاً.

ويظل حوالي 70 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال دون سن 12 عاما، محتجزين في ظروف مؤسفة وغير إنسانية، في مخيم الهول. وتم توثيق على الأقل 390 حالة وفاة  للأطفال كان بالإمكان تجنبها، بسبب سوء التغذية أو الجروح التي لم تُعالج، بينما تظل الاستجابة الإنسانية عموما غير ملائمة. ويوجد من بين المحتجزين نساء وأطفال يزيديون لم يتأكدوا بعد من إمكانية العودة إلى مجتمعهم، ويعانون من الوصول المحدود للرعاية الصحية والدعم النفساني والعلاج الخاص بالصدمات اللازم لأغراض التعافي. وتواجه النساء اليزيديات في العديد من الحالات خطر التخلي عن اطفالهم كشرط للعودة إلى مجتمعاتهن.

ويواجه الأطفال في مخيم الهول خطر عدم الحصول على جنسية والانفصال عن ذويهم نتيجة سياسات الدول الأعضاء. ومن بين 3500 طفل في مخيم الهول، بما في ذلك الأطفال الذين ولدوا جراء حالات اغتصاب، تفتقر الأغلبية إلى وثائق تسجيل الولادات أو فقدتها. وقال رئيس اللجنة باولو بينيرو: “إن حرمان الآباء من جنسيتهم أمر يؤدي إلى تداعيات وخيمة وسلبية بالنسبة للأبناء. إن سياسات الدول الأعضاء التي تهدف إلى تيسير عودة الأبناء دون أمهاتهم بمثابة الإجراء الذي يتعارض مع مبدإ “المصالح الفضلى للطفل”.”

وبالإضافة إلى معضلة الهول، يُحتجز الآلاف من الأطفال الذين تجاوز عمرهم 12 سنة –والذين يُعتبرون في “سن القتال”- في السجن الانفرادي من طرف قوات سوريا الديمقراطية، بمعية بالغين يُعتقد أنهم من مقاتلي تنظيم الدولة، وفي ظروف قد تؤدي إلى التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة. ويشمل ذلك آلاف المقاتلين الإرهابيين الأجانب من حوالي 50 دولة.

وبعد العيش لما يقارب 4 سنوات في ظروف تتدهور باستمرار تم خلالها التوصل بمساعدات مرة واحدة، غادر 16 ألف شخص من النساء والرجال والأطفال مخيم الركبان على إثر سلسلة من حالات الإجلاء التي انطلقت خلال آذار/مارس. وتم نقل المدنيين خارج المخيم على متن حافلات، أحيانا ضمن دفعات عديدة ومقابل مبلغ مالي معين، قبل الخضوع لتفتيش أمني ثم الوصول إلى وجهتهم في محافظة حمص. وتخلَّف عن الركب الأفراد الذين لا يتوفرون على موارد مالية أو القدرة على تأمين مغادرتهم لمخيم الركبان بشكل آمن.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، تعرض المدنيون، بمن فيهم العائدون مؤخرًا، للاعتقال التعسفي من طرف الحكومة السورية أو للاختطاف من طرف ميلشيات موالية للحكومة. إن محنة المعتقلين بصورة غير قانونية والمفقودين والمختفين قسرا لا ينبغي أن يطالها النسيان. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة، بدأت تظهر من جديد أنماط الاعتقال والاختفاء السابقة. وقد تم إبلاغ مئات العائلات هذا العام بأن أقاربهم المفقودين ليسوا على قيد الحياة، مع تقديم القليل من التفسيرات.

ويظل الوضع الأمني مترديا في عفرين والمناطق المتاخمة، بسبب وجود فصائل مسلحة قامت بتوزيع الإقليم إلى مناطق جغرافية للنفوذ. وأدى ذلك إلى غياب عام لسيادة القانون ووجود حالات متكررة للاختطاف والتعذيب والابتزاز والاغتيال. ويكون الضحايا في أغلب الأحيان من الأكراد أو المدنيين الذين يُنظر إليهم كأثرياء، بما في ذلك الأطباء ورجال الأعمال والتجار.

ويشدد التقرير كذلك على أنه، إلى جانب المعاناة الهائلة التي سبَّبها تكثيف الأعمال العدائية للشعب السوري، لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان الأقل بروزًا والتي يتعرض لها السكان مستمرة نتيجة لهذا النزاع المسلح. وبعيدًا عن أنظار الناس، لا يزال توفير الخدمات في درعا ودوما، والغوطة الشرقية، غير فعال، حيث يُحرم مئات الآلاف من المدنيين من الوصول إلى المياه والكهرباء والتعليم على نحوٍ ملائم.

وأدّت الأدوار الجنسانية، وأوجه عدم المساواة التي تنطوي عليها، إلى زيادة آثار كل هذه الانتهاكات وتضخيمها. وأدى النزاع إلى تفاقم أوجه انعدام المساواة التي كانت قائمة من قبل، حيث تواجه النساء والفتيات العديد من الصعوبات من أجل ضمان الحيازة أو الحصول على الوثائق المدنية أو على دخل ثابت. وتتأثر النساء ذوات الإعاقة بشكل سلبي وتُحرم من الوصول إلى الخدمات المتخصصة. ولا يزال الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي مستمرًا. وبشكل عام، تعيق الانتهاكات المستمرة حق المدنيين في العودة الطوعية، بأمان وكرامة.

ويقترح التقرير سلسلة من التوصيات العملية التي تهدف إلى معالجة ثغرات الحماية الأكثر إلحاحًا للسكان المدنيين. ويُرتقب تقديم تقرير اللجنة في 17 أيلول/سبتمبر 2019 خلال حوار تفاعلي بمناسبة انعقاد الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الإنسان.

خلفية 
تتألف لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية من السيد باولو سيرجيو بينيرو (رئيساً)، والسيدة كارين كونينج أبو زيد، والسيد هاني مجالي، وقد كُلّفت اللجنة من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بمباشرة التحقيق وتوثيق كافة انتهاكات القانون الدولي داخل الجمهورية العربية السورية منذ آذار/مارس 2011.

المصدر: الأمم المتحدة

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة