مستقبل سوريا شبابها مثلما هي مستقبلهم

“الثورة فكرة، والفكرة لا تموت” شعار أبدعه مهندس إبداعات كفرنبل رائد فارس، يلخّص الواقع السوري، ويُلقي الضوء على ما سيكون في مستقبله.

هذا الشعار رفعه المتظاهرون السوريون في معبر باب الهوى على الحدود السورية-التركية، وذلك في وقفة رمزية أدانت ما تعرّض، ويتعرّض له، السوريون من قتل وتدمير وتشريد، نتيجة تقاطع مصالح الدول، سواء القريبة منها أم البعيدة، ومن دون إعطاء أي اعتبار لتطلّعات السوريين، ورغبتهم في حياة حرة كريمة في ظل حكم وطني مدني تعددي، يطمئن الجميع من دون أي استثناء.

لقد جاءت الوقفة الشبابية السورية في ظروف بالغة التعقيد تعيشها منطقة شمال غربي سوريا، وإدلب تحديدا، حيث تتحكّم جبهة النصرة بأسمائها الحركية المختلفة، وفصائل أخرى متشددة، بمفاصل المنطقة المجتمعية ومواردها الاقتصادية.

وبذريعة محاربة الإرهابيين، تقوم روسيا بالتعاون مع قوات النظام والميليشيات الإيرانية بقصف المنطقة، وتعمل بصورة مستمرة على قضمها تدريجيا. أما الهدف الحقيقي فهو إسكات صوت الثورة هناك، ودمج المنطقة مع غيرها من تلك الخاضعة لسيطرة النظام، أو بتعبير أدق لسيطرة الروس والإيرانيين.

غير أن الوقفة الشبابية المشار إليها، أتت لتؤكد فكرة أن الثورة السورية مستمرة بغض النظر عن الترتيبات التي ستعتمد نهائيا في منطقة إدلب وفق تفاهمات أطراف مسار أستانة، وهي ترتيبات ستراعي بالدرجة الأولى مصالح الدول، وعلى حساب تضحيات السوريين التي تستعصي على أي توصيف.

أما بالنسبة إلى الفصائل المسلحة المتشددة، أو بتعبير أدق قياداتها، فإنها ستشدّ الرحال على الأغلب إلى مناطق أخرى من العالم، تؤدي أدوارا جديدة بناء على توجيهات وأوامر الأجهزة الدولية المشرفة عليها، أو سينتهي بها المطاف إلى السجن أو القتل، إذا كان دورها قد انتهى، وذلك بعد أن أفرغت الثورة السورية من مضمونها، ومكّنت النظام من تطبيق استراتيجيته، وتسويق ضلالاته ومزاعمه التزييفية.

ولكن الشباب السوري الذي أصبحت الثورة جزءا عضويا من بنيته الكيانية، وباتت مفاهيمها من العناصر الأساسية في منظومته المفهومية، وبعد أن مرّ بتجارب قاسية لا حصر لها، وتعلّم الكثير، واطّلع بما فيه الكفاية على أفاعيل الفاسدين المتسلقين ضمن الثورة ذاتها، وبعد أن تيقّن من إجرامية النظام واكتسب خبرة كبيرة في ميدان العلاقة بين المصالح والمواقف السياسية الدولية، لن ينسى ما ألمّ بشعبه ووطنه ولن يقف عاجزا في مواجهة سلطة تستعد منذ الآن للانتقام من السوريين بعقلية ثأرية حاقدة، عقلية لا تنقذ وطنا ولا تؤسس دولة. والأسوأ من هذا وذاك، أنها لا تبذل أي مجهود من أجل ترميم النسيج المجتمعي الوطني، بل تمارس المزيد من النخر فيه، وتعمل على تفجيره من الداخل، ليتمكّن أصحابها، بمعية الآخرين ودعمهم، من التحكّم برقاب السوريين وأرزاقهم مجددا.

لقد بذل النظام الأسدي منذ استيلائه على الحكم في سوريا عام 1970 كل الجهود من أجل الهيمنة على الشباب السوري، ووضع في سبيل بلوغ أهدافه في هذا المجال خطة صارمة، استهدفت فرض تربية شبه عسكرية على الأجيال السورية الجديدة، لتكون مستقبلا مشلولة من جهة  القدرة على التفكير والفعل في مواجهة السلطة، بل لتصبح رديفا لها وأداة من أدوات سيطرتها.

وهكذا تم تعديل البرامج الدراسية لتؤله القائد الملهم، الضرورة والرمز. وبدأ العمل عبر منظمة طلائع البعث ببرامج إخضاع الأطفال للتربية العقائدية الموالية، وأجبر اليافعون على الانتساب إلى منظمة شبيبة الثورة، وأُلزمت أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية رسميا بالابتعاد عن اتحاد الطلبة والجيش. وكانت المراكز الثقافية والبرامج الإعلامية، وسائر النشاطات والفعاليات الرياضية والفنية والثقافية تتمحور حول هدف أساس، ألا وهو إخضاع الشباب السوري لعمليات التدجين والترويض والتضليل، ليصبح مجرد كتلة بشرية، يتم التحكّم بها من قبل الأجهزة الأمنية المرتبطة بصورة مباشرة برأس النظام.

وهكذا اعتقد النظام أنه قد تمكّن من قهر إرادة السوريين وإلى الأبد، ونجح في التحكّم بهم، وتفتيتهم عبر السيطرة الأمنية على مفاصل الدولة والمجتمع. فالأجهزة الأمنية كانت تسيطر على الجيش، وتحكم الدولة والمجتمع عبر واجهة حزب البعث. أما الجبهة الوطنية التقدمية، فهي مجرد إطار لتقييد الأحزاب المنافسة، وعزلها عن وسطها الشعبي، مقابل إقناعها بفتات سلطوي لا يُذكر.

وخارج نطاق هذه الجبهة كانت توجد أحزاب ضعيفة مترهلة، تضم مجموعة من المتقاعدين. أما الأحزاب الكردية، فقد كانت تتمتع مقارنة مع غيرها، بالمزيد من الحيوية والقدرة على استيعاب الشباب، ولكنها بصورة عامة كانت أحزبا مطلبية، فهي لا تعمل من أجل تغيير نظام الحكم، وإنما تسعى من أجل تحقيق مطالب محدودة، وهذا أمر لم تكن السلطة ترى فيه خطرا وجوديا يهددها.

لذلك كانت تغضّ النظر عنها بعض الشيء، وتقوم من حين إلى آخر بعمليات اعتقال لأعضائها، منعا من اتساع دائرة عملها ونفوذها، وتحسبا لأي تفاعل وطني ممنوع قد يحدث بين الأكراد والمكونات السورية الأخرى. إلى جانب ذلك كانت الأجهزة الأمنية على اطلاع بما يجري في داخل معظم قيادات الأحزاب المعنية بفعل وسائل مختلفة.

ولكن مع انطلاقة موجة الربيع العربي، فوجئ النظام بتحرّك غير متوقع للشباب السوري من جميع المكونات السورية، شباب يطالب بالإصلاح والتغيير. فقد تمكن هؤلاء رغم كل الدعاية السلطوية التي خضعوا لها على مدى عقود، وكل التعتيم الإعلامي الذي فرض عليهم، من الوصول إلى خلاصة حاسمة مفادها أن لا مستقبل لهم يرتقي إلى مستوى إمكانياتهم وتطلعاتهم، طالما ظلّ نظام الاستبداد والفساد والإفساد على حاله.

ولم تكن طلباتهم في بداية التحرك السوري الكبير تتجاوز نطاق المطالبة بضرورة التغيير نحو الأحسن، وذلك باعتماد جملة من الإصلاحات، كان أركان الحكم أنفسهم في ذلك الحين يرون ضرورتها. ولكن الذي حصل نعرفه جميعا ونتذكره جيدا. فعوضا عن أن يستمع الحاكم إلى الداخل الوطني، التزم بأوامر الراعي الخارجي، وهدفه من كل ذلك كان هو البقاء في السلطة وبأي ثمن.

والآن بعد مرور حوالي تسعة أعوام على انطلاقة الثورة السورية، يوهم النظام ورعاته وتوابعه أنفسهم بأنهم قد انتصروا على أشلاء السوريين، وأطلال مدنهم وبلداتهم وقراهم. وهم يتجاهلون وجود الملايين من الشباب السوري في الداخل والخارج ممن ألهمتهم الثورة، وزودتهم بمعارف وخبرات ومهارات، كانت ممنوعة عليهم سابقا. فهؤلاء لن يتمكن أحد من إخضاعهم وإرغامهم على العودة ثانية إلى حظيرة العبودية لآل الأسد وشركائهم، والمستفيدين من سلطتهم.

ستتفجر طاقات سورية إبداعية لا حصر لها في الحقول كافة من فكرية ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وتنظيمية. سيكتشف الشباب السوري الأخطاء والثغرات التي كانت، وسيعمل على تلافيها، ليعود بإصرار أشد، وعزيمة أقوى، ويؤكد أن الثورة هي فكرة، والفكرة لا تموت.

عبد الباسط سيدا
المصدر: العرب

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة