آســـــتـانا…مسار أم بازار؟

ينص القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن في 18\12\2015 على وقف القتال بين فصائل المعارضة السورية المسلحة و النظام , وقف استهداف المدنيين , البدء بمفاوضات سياسية برعاية أممية , تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية و كذلك اختيار لجنة من المختصين ممثلين عن الطيف السوري لصياغة دستور جديد ليصار بعد ذلك إلى إجراء انتخابات وفق الدستور الجديد و بمراقبة دولية .

يشدد القرار على (أن الشعب السوري هو من سيقرر مستقبل سورية) و (..يضع في اعتباره الهدف المتمثل في جمع أوسع نطاق ممكن من أطياف المعارضة، باختيار السوريين، الذين سيقررون من يمثلهم في المفاوضات .. حتى يتسنى للعملية السياسية أن تنطلق..)

في كانون الثاني 2017 تم الإعلان عن آلية ثلاثية ( روسيا- تركيا- ايران ) خارج السياق الأممي الرسمي , فكان انطلاق مسار آستانا , مسمى “الدول الضامنة” و مصطلح “خفض التصعيد” , تحت هذه العناوين الخادعة بدأت فصول جديدة من المأساة السورية , أبعدتهم أشواطا إلى الخلف , بعيداً عن الحل السياسي و القرار الأممي ,حيث عززت روسيا تواجدها العسكري و أحكمت سيطرتها على القرار الأمني و العسكري كما هيمنت على مرافق و مفاصل حيوية في سوريا, إيران من جهتها مررت تدخلها الطائفي لصالح النظام و قطعت مراحل عديدة في رسم سوريا المفيدة على طريق وصولها إلى البحر المتوسط , أما تركيا و بعد أن تيقنت من فشل مشروعها مع الإخوان المسلمين في الوصول إلى قصر الحكم في دمشق ارتضت -مقابل غدرها بالمجموعات المسلحة – بمساحات نفوذ لها في الشمال السوري لتعمل على إعادة صياغة التركيبة السكانية على الطرف السوري من حدودها و إنهاء الوجود الكردي التاريخي الذي بات يزعج كثيراً-على ما يبدو- سيد قصر دولمه باهجة .

منذ التدخل العسكري الروسي و التغلغل الإيراني و الاحتلال التركي, زاد الطين السوري بلّة و ازدادت أزمتها تعقيداً ,حيث تصاعدت وتيرة العنف و التقاتل , تضاعف عدد المهجرين , تزايد حجم الدمار في البنى التحتية … يستمر استهداف المدنيين على مدار الساعة , تتفكك يوما بعد آخر عرى الترابط و التشارك بين السوريين, , تتعزّز النزعات الدينية , العرقية , الطائفية و حتى المناطقية .. و تجري أكبر عملية لتغيير التركيبة السكانية(الديموغرافيا).

إضافة إلى فظائع ثلاثي آستانا على الأرض السورية وجرائم حرب موثقة, تسببت بها أطرافه ضد السوريين , فإنها أبقت القرار الأممي 2254 مع وقف التنفيذ أربعة أعوام و أفرغته من المضمون و صارت تتحدث في المحافل و المناسبات باسم السوريين و تقرر مستقبلهم و تحدد لهم حتى من سيكتب دستورهم و ربما تكتب هي نفسها الدستور و تفرضه على السوريين .

الغريب أنه و بعد انطلاقة مسار آستانا تلاشت مسارات كانت موجودة , اختفت مسميات كانت متداولة و توقفت جهود كانت تبذل و كأن الجميع بمن فيهم الأمم المتحدة نفسها قد تنحّوا جانبا لمرور مركب آستانا , تاركين سوريا ساحة مستباحة لاستعراضات بوتين العسكرية و أطماع آردوغان التوسعية و مغامرات إيران في شق الطريق الى البحر المتوسط .

حسب القوانين و الأعراف الدولية كان من المفترض أن تتصدى منظمة الأمم المتحدة و مجلس أمنها لعبث الدول الثلاث( مجموعة آستانا) بحق دولة أخرى هي عضو فيها و مؤسس لها (سوريا) لا أن تذعن لإملاءات هذا الثلاثي و تشرعن بازاراتها بحق السوريين و تعلن تشكيلة لجنة دستورية من أسماء ظلت شهوراً تقلبهم و تغربلهم بدلا من السوريين الذين لم يسمعوا بالكثير منها مجرد سمع .

بغض النظر عن تشكيلة اللجنة و الشكوك التي تحوم حول قدرتها –أصلاً- على انجاز دستور و بغض النظر عن نوايا الدول الثلاث فان مجرد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة عن انطلاق عمل اللجنة وفق مشيئة بوتين – آردوغان – روحاني و القفز معهم فوق مراحل تمهيدية ينص عليه القرار الدولي , يعتبر سابقة خطيرة تضع مصداقية المؤسسة الدولية على المحك , و بمجرد موافقة الولايات المتحدة عليها , يتولد لدى المتابع أسئلة كثيرة , في المقدمة منها تلك المتعلقة بمستقبل مجلس سوريا الديمقراطية و الإدارة الذاتية لشمال و شرق سوريا بعد تهميشها في كتابة الدستور بضغط واضح من تركيا , رغم أنها تسيطر على حوالي ثلث مساحة البلاد و تضم حوالي ربع السكان و تتحالف مع أمريكا و الغرب في الحرب على الإرهاب.

أمام أنظار المجتمع الدولي -جهاراً نهاراً- يُصعّد ثلاثي آستانا العنف تحت مسمى التهدئة و يطيل عمر الأزمة تحت عنوان الحل السياسي و يعمل على تقسيم البلاد تحت مسمى وحدتها …تريد سوريا دولة ضعيفة ,غير متجانسة مجتمعيا , غير قادرة على لملمة ما مزقه العنف و السلاح لتبرر تواجدها فيها لأجل غير مسمى , المجتمع الدولي يساير هذا الثلاثي دون حسم و يذعن لهم بدلا من ردعهم , فهل المؤسسة الدولية عاجزة عن تنفيذ قراراتها ؟ أم أن أطراف آستانا أصبحت قوة تفرض قراراتها حتى على الأمم المتحدة؟

 

صلاح علمداري

 

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة