هل تعد روسيا الرابح الكبير في معركة الشرق الأوسط؟

تحيل الصور على ذكريات مثيرة. مركبات عسكرية ترفع العلم الروسي تدخل ما كان حتى اليوم السابق معقلا كرديا في شمال سوريا؛ وصحافيون روس يتجولون بحرية في قاعدة عسكرية أميركية. يقول مراسلون  في الموقع إن هناك ما يشبه تسليما منظما للسلطة من القوات الأميركية إلى نظيرتها الروسية – رغم أن أيا من الجانبين لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك علانيةً.

حدث التقدم الروسي بعد إعلان دونالد ترمب في 13 أكتوبر سحب جميع القوات الأميركية من شمال سوريا. وقد كان ترمب أعلن عن قرار مماثل في العام الماضي قبل أن يتراجع تحت ضغط كبار العسكريين. لكن هذه المرة كان أمر الانسحاب حقيقيا. ففي غضون أيام، قام الجيش الأميركي بحزم وتدمير أي منشآت حساسة لم يتمكنوا من سحبها ثم غادروا. كان الأمر بسيطا، لكنه مع ذلك محفوف بتداعيات هائلة.

في الأوساط السياسية بواشنطن كانت هناك إدانة من كلا الحزبين في الكونجرس، حيث تم اعتبار الانسحاب بمثابة تقصير من قبل الولايات المتحدة في أداء واجبها الإلهي كشرطي العالم، وخيانة مخزية لحليف مخلص، وضوءًا أخضر لتركيا لتفعل أسوأ ما تستطيع. كانت هناك إدانة أيضا من الاتحاد الأوروبي وحيرة خاصة في وزارتي الدفاع الفرنسية والبريطانية، حيث أن كِلا البلدين لديهما قوات خاصة تقدم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد (دون أي تفويض شعبي أو برلماني –  كما هو الحال في الحالة البريطانية).

وكان هناك أيضا قلق، بعبارة ملطفة، في عواصم الناتو الأخرى التي بدت فيها فجأةً مصداقية أميركا كحليف، أكثر هشاشة مما كانت عليه من قبل.

أما إذا كان الانسحاب الأميركي من شمال سوريا ينذر بفك الارتباط مع الشرق الأوسط في نهاية المطاف، فذلك مسألة أخرى. وجدير بالذكر هنا أن الرئيس ترمب ما إن أمر بالانسحاب من سوريا حتى أعلن أيضا إرسال 2000 جندي أميركي إلى السعودية للمساعدة في تعزيز دفاعاتها ضد إيران. لذا فإن الانسحاب من المنطقة ككل قد يكون مستبعدا أو ليس مخططا له على الإطلاق. ورغم ذلك يكتسي الانسحاب من شمال سوريا أهمية كبيرة.

وفي أقل تقدير، يعد هذا الانسحاب بمثابة اعتراف بالهزيمة لسياسة الولايات المتحدة وبريطانيا في دعم التمرد ضد بشار الأسد. ولكن، بصرف النظر عن نشر القوات في السعودية، من الصعب عدم اعتباره أيضا علامة محتملة لبداية فك الارتباط العسكري الأميركي على نحو أوسع، من حيث التورط المحتمل في صراع قد يتجاوز الشرق الأوسط ويؤثر على الأساس المنطقي للانتشار الأميركي حول العالم.

وعلى أي حال، عندما يشير ترمب إلى أن الحدود التركية السورية “ليست حدودنا،” فهو على حق. وهو على حق أيضا، رغم كل الغضب في واشنطن بشأن التقصير في أداء الواجب وخيانة الأكراد، لأنه انتُخب بوعد إعادة القوات إلى الوطن وعدم إشراك الولايات المتحدة في أي حروب أجنبية أخرى. وهذه سياسة لا تزال تحظى بتأييد قواعده الانتخابية مع بدئه حملة إعادة انتخابه.

لكن هناك جانباً آخر للانسحاب من سوريا الذي أثار انتقادات سياسية في واشنطن وأماكن أخرى، وهو أن أي خسارة وأي تنازل عن النفوذ أو الأراضي من قبل الولايات المتحدة – وخاصة في هذه المنطقة – يُنظر إليه تلقائيا على أنه انتصار لروسيا. لكن ليس مجرد انتصار، بل دليل آخر على التوسع الجغرافي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي تجسد في ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.

إن تعثر القوات الروسية في سوريا أو حدودها يشكل مخاطرة لا يستطيع بوتين تحملها.

ورغم أن هذا يتناسب بوضوح مع عقلية “الحرب الباردة الجديدة” التي تنامت بشكل ملحوظ في واشنطن منذ انتخاب ترمب والتي تدعمها صور الجيش الروسي وهو يدخل بسلاسة إلى الأراضي التي أخلتها القوات الأميركية وحليفها الكردي في سوريا، فإنني لست مقتنعة تماما بصحة ارتباط ذلك بحرب باردة جديدة. نعم، كانت هناك تغطية إعلامية روسية – بما في ذلك شريط فيديو لمراسلين روس داخل القاعدة الأميركية التي تم إخلاؤها، وعناوين الانتصار في الصحف الروسية، كالتي تقول بأن “بوتين فاز باليانصيب” – لكن الصورة الإجمالية تبقى أكثر تعقيدًا.

أولاً، كما كتب الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط ميخائيل روستوفسكي تحت ذلك العنوان عن “اليانصيب”، فإن مكاسب روسيا الأخيرة لم تكن إلى حد كبير من صنع روسيا. “كل نجاحات روسيا الأكثر أهمية في سوريا … نزلت ببساطة على بوتين وموسكو كبركة من السماء نتيجة السلوك الغريب للدول الغربية وتركيا.” وبعبارة أخرى، لم يكن انسحاب الولايات المتحدة – وقرار قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد طلب الحماية من الحكومة السورية بدلاً من مواجهة تركيا بمفردها – لم يكن بتخطيط روسي. لذا، فبينما قد تجد روسيا نفسها في وضع أسعد مما كانت تتوقعه، فإن ذلك لم يكن جزءا من خطط روسيا – والتي قد تتطلب الآن بعض التعديلات.

ثانياً، إن السبب الذي يجعل الغرب يرمي على روسيا في كثير من الأحيان مسؤولية تفسير تورطها في سوريا – لإبقاء حليفها الأسد في السلطة بأي ثمن – يعكس أيضاً سوء فهم. فعندما أرسل بوتين قواته لأول مرة إلى سوريا في عام 2015 – بشكل قانوني بناءً على طلب من الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة – كان بوتين أقل اهتماما بإبقاء الأسد في السلطة من منع سوريا من السقوط في الفوضى، كما حدث في العراق وليبيا بعد المحاولة الغربية لتغيير الأنظمة هناك. لقد ساندت روسيا الأسد باعتباره القوة الوحيدة التي رأت أنها قادرة على الحفاظ على وحدة سوريا – لكنها كانت دائماً منفتحة على تغيير الترتيبات الدستورية بما في ذلك تغيير الرئيس من خلال التفاوض، ويبدو أنها لا تزال منفتحة على ذلك.

ثالثا، تريد روسيا إنهاء النزاع في سوريا بقدر ما يريده أي طرف، وتتطلع منذ مدة طويلة إلى لعب دور صانع السلام هناك. ومن المحتمل أن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة، ودور روسيا في تحرك قوات الحكومة السورية الآن عبر الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد باتجاه الحدود التركية، إلى تعزيز موقف موسكو كوسيط سلطة في المشهد الأخير للعبة السورية. فقد فشلت محاولات الوساطة الروسية السابقة، عبر كازاخستان، إلى حد كبير لأن الولايات المتحدة رفضت المشاركة فيها. لذلك من شأن الانسحاب الأميركي تسهيل جهود الوساطة الروسية. لكن في الميدان، قد يؤدي حدوث صدام مباشر بين سوريا وتركيا، علاوة على التحالفات المتغيرة لقوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد ونشاط قوات داعش السابقة التي أصبحت طليقة، يمكن أن يؤدي هذا كله إلى جعل المشهد الأخير من اللعبة غير متوقع أكثر مما هو عليه حاليا.

رابعاً وأخيرًا، قد لا يكون استمرار التدخل الروسي في سوريا أمرا غير قابل للتنبؤ فحسب، وإنما أيضا أكثر كلفة بالنسبة موسكو. ومن الناحية الإيجابية، قد تخرج روسيا من الحرب بنفوذٍ أكبر، ليس فقط في سوريا، ولكن أبعد من ذلك في الشرق الأوسط. وهذا قد يلبي ما يبدو أنه أحد أهداف بوتين البعيدة المدى كرئيس وهو استعادة كرامة روسيا ووضعها أكبر من مجرد لاعب “إقليمي.”

 لكن الجمهور الروسي، مع ذلك، يشعر بالقلق بشأن الارتباطات العسكرية في الخارج، سواء بسبب تكلفة ذلك على الخزانة أو أكثر من ذلك بسبب تكلفتها البشرية. إن شبح الحرب الأفغانية الفاشلة لا يزال يخيّم على روسيا، كما أن عودة التوابيت من شرق أوكرانيا وعمليات الدفن السرية أثارت ردود فعل غاضبة لدى العامة. لذلك فأن تعثر القوات الروسية في سوريا أو في حدودها يشكل مخاطرة لا يستطيع بوتين تحملها.

 لذا، ورغم أن الانسحاب الأميركي يمنح روسيا مكافأة عسكرية ودبلوماسية فورية وغير متوقعة، فإن المكاسب ليست بسيطة، كما أنها ليست كما تبدو خالية من الخطورة. ربما تكون “روسيا قد فازت باليانصيب،” ولكن يجب أن تكون حذرة للغاية في كيفية توزيع أرباحها، خشية أن ينتهي بها الأمر أكثر فقرا على جميع الأصعدة مما كانت عليه من قبل.

ماري ديجيفسكي
المصدر: independentarabia

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة