هل دقت ساعة الصفر لصوغ الدستور السوري؟

من يتابع حماس البعض للجنة الدستورية، سيما من الذين ظنّوا أن التاريخ اصطفاهم دوناً عن غيرهم، للدخول فيه من بوابة تلك اللجنة، من مختلف الفرقاء (نظاما ومعارضة وما يسمى “مجتمعا مدنيا”)، يظنّ أن مشكلة سوريا كانت تتمثّل في عدم وجود دستور، أو في تغييبه، أو في خلل ما فيه.

طبعاً ثمة حاجة لأي شعب إلى دستور، أي إلى عقد اجتماعي، يحدّد ماهية نظام الحكم، ويحقق التوازن والاستقلالية بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) في أي دولة، وينظم العلاقة في ما بينها وبين الشعب، والعلاقة بين أفراد الشعب بوصفهم مواطنين، أحرارا متساوين ومستقلين، إلا أن ذلك المدخل لا يكفي لوحده، أو ليس هو المناسب، في الظروف السورية، إضافة إلى أن هذا المدخل ينمّ عن تخبّط واضطراب في إدارة الصراع السياسي ضد النظام، في تحديد ما هو المطلوب أساسا، وفي سلسلة التراجعات الحاصلة في مواقف “المعارضة”.

وكما شهدنا فإن حماس ذلك البعض وصل حد التصرّف كأن “ساعة الصفر”، أو ساعة التاريخ، تتكتك له، وأن الأخرين لا يستوعبون ذلك، ما يذكّر بالكلام الرث والساذج والكارثي عن “ساعة الصفر” (2012) الخاصة بسقوط قصر المهاجرين في دمشق، و”ساعة الصفر” للتدخل الدولي، و”ساعة الصفر” المتعلقة بمفاوضات جنيف، و”ساعة الصفر” المتمثلة في انبثاق مسار آستانة، وهكذا بات لدينا الآن ساعة صفر أخرى!

المشكلة، أيضا، أن بين هؤلاء من كان يقول بـ “ساعة الصفر” بواسطة السلاح لكنه بات يتحدث بعدها عن ساعة الصفر بواسطة مسار آستانة، وأن بين هؤلاء من كان يخوّن المفاوضات في مسار جنيف، فبات شديد الحماس لمسار التفاوض في آستانة وسوتشي، وهو أمر نادر الحدوث في ثورات التاريخ، والحركات السياسية التي خبرتها الشعوب.

ثمة مآخذ أيضا على من يسِمون أنفسهم كمحسوبين على حصة المجتمع المدني في اللجنة، إذ لا يوجد في سوريا شيء اسمه مجتمع مدني، لافتقادها إلى مفهوم المواطن، وحقوق المواطنة، ولأن النظام لم يسمح بتبلور مجتمع كهذا، في ظل شعاره: “سوريا الأسد إلى الأبد”، أي إنه منذ البداية ظهر تهافت هذا البعض ليس في الانضواء في تلك اللجنة، فهذا أمر ربما تحصيل حاصل للمداخلات الخارجية، وإنما المشكلة الكبرى في ادعاء تمثل تلك الصفة وانتحال ذلك الاسم، من دون أية حيثية معقولة او مشروعة.

وللتوضيح، فإن المشكلة لا تكمن في الدخول إلى هذا المسار أو ذاك، لكنها تكمن في الآتي: أولاً، توهم القدرة على فعل شيء، من دون امتلاك أي رصيد، في الصدقية أو في الوحدة أو في القوة أو في الصلة بالشعب؛ وهذا هو واقع المعارضة المتصدرة اليوم. ثانياً، الدخول إلى مسار معين استجابة لتوظيفات خارجية، علما أن المعارضة مهمتها الاستجابة لمصالح شعبها، ولسلامة مسار كفاحها، ويأتي ضمن ذلك صمتها عن تحالف آستانة، على الرغم من كل التراجعات التي لحقت بالثورة السورية منذ قيامه (2017)، بل انخراطها فيه قولا وفعلا. ثالثا، دخلت المعارضة المتصدرة مسار التفاوض على الدستور بالطريقة نفسها والتركيبة التي دخلت فيهما المفاوضات على مساري جنيف وآستانة، إذ إنها لم تقم بما يجب القيام به، لا بإعادة بناء الكيان السياسي للمعارضة، ولا بفتح عضوية اللجنة لخبراء ومؤهلين ومختصّين.

أيضا، وإضافة إلى كل ما تقدم، ثمة مسألتان أساسيتان يفترض إدراكهما: الأولى، أن هذا التوجه الدولي بخصوص اللجنة الدستورية، وتلك الحماسة لها من قبل البعض (لأغراض ذاتية أو ضيقة في الأغلب)، سبق أن تم تجريبها كما قدمنا، سواء في الحماسة للتدخل الدولي، أم لمساري المفاوضات، في جنيف بين الأعوام 2012ـ 2018، وآستانة، مع 13 جولة، على امتداد الأعوام الثلاثة المنصرمة، علما أنه ولا مرة جرت مفاوضات حقيقية بين الأطراف المعنية، وإنما كلها كانت تجري بالواسطة، والمعنى أن الأمر لن يكون أحسن حالا في اللجنة الدستورية، فكم عشرة جولات مثلا، أو كم من السنوات يفترض أن تمر لاكتشاف ذلك، وركوب موجة أخرى، أو مسار أخر، ربما؟ الثانية، أن لحظة صوغ الدستور لم تحن بعد، لعدم توفر إرادة دولية (لا سيما أمريكية) لفرض وقف القصف والقتال، واستعادة الاستقرار، وتحقيق التغيير السياسي في سوريا. والفكرة أنه إلى حين توفر هذه الإرادة، وحسم الأطراف الدولية الفاعلة لموقفها، فإن اجتماعات اللجنة ستعقد بين فترة وأخرى، وبين جولة وأخرى، إلى حين.

قصارى القول، وبدلا من بيع الوهم، وتغطية العجز والقصور، يفترض بالمعارضة تعزيز ادراكاتها، وإدراكات شعبها، إلى أن المسألة في سوريا تتعلق أساسا بإحداث التغيير السياسي، أي بالتخلص من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، لأنه من دون ذلك لا يمكن الحديث عن دستور ولا عن فصل سلطات ولا عن نظام ديمقراطي.

لذا، وفي غضون ذلك الأجدى للمشاركين في هذه اللجنة تقديم أنفسهم لشعبهم بوصفهم ممثلين له وليس لأي أحد أخر، وضمن ذلك إقلاع البعض عن تقديم نفسه كحمامة سلام، أو كحيادي، لأن ذلك لن يفيده في شيء لا عند النظام، ولا عند الأطراف الدوليين، فضلا عن أنه سيخسر نفسه عند شعبه. وفي الحقيقة فإن ما ينبغي إدراكه أنه عندما تحين “ساعة الصفر” الدولية حقا، لصوغ الدستور السوري سيكون قرار الحسم بوقف القتال، وبالتغيير السياسي، قد اتخذ، وحينها ستكون كل المعادلات قد تغيرت، على الأرجح، وضمن ذلك الشخصيات ذاتها التي ظنت او توهمت أن التاريخ، في غفلة عن شعبها، بات ملكها أو ملك توهماتها.

ماجد كيالي
المصدر: بروكار برس

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة