هل يمكن للسوريين والكرد أن يحوّلوا هزائمهم إلى مكتسبات؟

لا جدال في أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإخلاء الساحة أمام الغزو التركي لمنطقة «نبع السلام» قد شكل هزيمة عسكرية ـ سياسية لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية المنضوية في إطار «قوات سوريا الديمقراطية». لكنه شكل، في الوقت نفسه خسارة صافية لكرد المنطقة، وللقضية الكردية عموماً، تضاف إلى الخسائر السابقة في استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان (2017) والاحتلال التركي لمنطقة عفرين (2018). قد يفيد التمييز بين قوة الأمر الواقع السياسية (حزب الاتحاد الديموقراطي) والمجتمع الكردي حين يتعلق الأمر بانتهاكات هذا الحزب أو فشله السياسي أو هزيمته العسكرية، لكنه يفقد قيمته من منظور القضية الكردية التي لا يمكن فصلها عن القوى السياسية التي تنطحت لتمثيلها، فلا يمكن التصرف وكأن شيئاً لم يحدث للأولى بهزيمة الثانية. بكلمات أخرى، من شأن النجاحات المفترضة أن تسجل لمصلحة قوى الأمر الواقع، في حين تسجل الهزائم في خانة المجتمع الممثل فيها ولو عنوةً. هذا لأن السياسة القائمة على الهوية تتشكل إزاء هوية، أو هويات، مقابلة، فتكون خسارة ممثلها خسارة للهوية ككل في نظر الهويات المقابلة أو من يمثلونها.
بيد أن ثمة عزاء يقدَّم للكرد مع كل خسارة يتلقونها، أو أن هزائمهم تغلَّف بورق لامع مما يغلف الهدايا في المناسبات. فمع تبدد مشروع الإدارة الذاتية الذي فرضه الحزب الأوجالاني بحماية القوات الأمريكية في السنوات الماضية، وانسحاب قوات «قسد» من الشريط الحدودي الذي احتلته القوات التركية، ارتفع «الرصيد المعنوي» للكرد في الدوائر الغربية، الولايات المتحدة وأوروبا، في حملة تعاطف سياسية على أعلى المستويات، بصرف النظر عن كمية النفاق «الموضوعي» التي تنطوي عليها. فقد تلقى الرئيس الأمريكي هجوماً سياسياً عاصفاً في الكونغرس والإعلام بسبب «تخليه عن الكرد». كذلك فعلت الحكومات في فرنسا وألمانيا وغيرها. لكن ارتفاع أسهم «الجنرال» مظلوم عبدي ـ قائد قوات سوريا الديمقراطية ـ في هذا البازار القاتل، شكّل التجلي الأبرز لجائزة الترضية التي قدمت للكرد، وكأن الجنرال المذكور هو الكرد، والكرد هم الجنرال المذكور. فلم يكتف الرئيس الأمريكي المعرّض لإجراءات العزل بتخصيص عبدي باتصال هاتفي لا يحظى به من الساسة الأجانب، عادةً، غير رؤساء الدول، بل زاد على ذلك «التكريم» أن وصف الرجل بـ«الجنرال» في سابقة لا يستبعد أن تتحول إلى سُنّة على ألسنة الساسة الغربيين.
ثم كان أن أثمر ضغط وزارة الدفاع الأمريكية على الرئيس المضعضع، فتراجع هذا عن قرار الانسحاب الكامل لقواته من «شرقي الفرات»، للمرة الثانية خلال عام واحد، فترك نحو 500 جندي لتأمين آبار النفط ومنع التمدد الإيراني الأسدي. وبذلك قطع الطريق على انضمام قوات قسد إلى جيش الأسد كما كان الميل الغالب لدى «الجنرال» مظلوم أو من يقف خلفه في جبال قنديل، ليتنكب مهمة جديدة قوامها حماية آبار النفط بين محافظتي دير الزور والحسكة. وهكذا خفتت أصوات النقد الصاخبة لقرار ترامب الأول، بعدما أثبت أنه لم يتخلّ عن الكرد.

واقع الحال أن كلاً من السوريين والكرد يواجهان تحدي تحويل خسائرهم إلى مكاسب. هل هذا ممكن، وكيف؟ وهل الخسارة المحتملة لأحدهما هي مكسب للآخر، أم أنه يمكن أن يكسبا معاً؟

بموازاة المعارك العسكرية على الأرض، في إطار عملية «نبع السلام» التركية، كانت معارك طاحنة تدور في «العالم الافتراضي» بين المظلومية الكردية الكلاسيكية التي استعادت «بريقها» في هذه المناسبة الدموية، والمظلومية العربسنية المستجدة في سوريا التي تحولت إلى المعبّر الرئيسي عن النزعة القومية العربية في السنوات القليلة الماضية. وعلى رغم الصفة الافتراضية لهذه المعركة التي تخاض من خلال كيبوردات الهواتف الذكية، فإن أثرها النفسي على ضفتيها هو شديد الانفجار والقابلية للتفاقم. وإذ يسعى الكرد، في هذه المعركة، إلى التوكيد على حقوقهم، ويسعى خصومهم إلى إنكارها، فهما ينسجان معاً حائطاً فاصلاً يزداد ارتفاعاً وسماكة وصلابة باطراد، من غير أي ضمانة مستقبلية للانفصال المرغوب من طرف أو الوحدة المرغوبة من الطرف الثاني، سواء بسواء. فالطرفان معاً واهنا القوى ولا يملكان على مصيرهما أي سيطرة.
في حين أن من بيدهم تقرير مصائر الجميع يتناوشون حيناً، ويتوافقون حيناً، يتوزعون المهمات ومناطق النفوذ والمكاسب، بانتظار توافقات تتجاوز سوريا إلى الإقليم والعالم. هم غير مستعجلين، فالدم الذي يراق لا يعنيهم في شيء، والدمار هو فرصة اقتصادية للمستقبل، والنفوذ السياسي يحسب بمقاييس كونية لا سورية أو إقليمية فقط. على سبيل المثال: إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد ثبّت بوصلته على فكرة منطقة كردية (آمنة) خالية من الكرد قدر الإمكان لينقل إليها أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين على الأراضي التركية، فيسكنهم في منازل تنشئها شركات تركية على أمل إعادة العافية لعجلة الاقتصاد التركي المريض، استعداداً لانتخابات قادمة تبدو قاتمة من منظور الحزب الحاكم اليوم، فالصراع الحقيقي هو حول موقع تركيا في الاستقطابات الدولية بين واشنطن وموسكو. في حين تبدو الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، في جناحها المشرقي في العراق ولبنان، مجرد صراع على النفوذ بين واشنطن وطهران، في نظر اللاعبين الدوليين.
القصد هو أن ما ننغمس فيه، محلياً، من صراعات ميدانية أو افتراضية هي دائماً أجزاء ميكروية من صراعات دولية كبيرة لا تعبأ بآلامنا أو أحلامنا أو حقوقنا أو قضايانا حقيقية كانت أو موهومة. ليس المقصود تبخيس قيمة المحلي لحساب الكوني أو الدولي، بل امتلاك الوعي بضآلة القوة الذاتية المحلية، لنتمكن من البناء على ذلك. قد يسر هذا الطرف لوصف مظلوم عبدي بالجنرال، أو يشمت الطرف الآخر بوضع صفة الجنرال بين مزدوجين بغرض السخرية، وقد ينظر طرف إلى الاجتياح التركي كتحرير، في حين يعتبره الطرف الآخر احتلالاً. وكان طرف يختال بتحالفه مع الأمريكيين في السنوات الماضية، فيشمت الطرف المقابل اليوم بتخليهم عن الكرد أو قسد. كل ذلك لا يبني شيئاً لأي من الطرفين. واقع الحال أن كلاً من السوريين والكرد يواجهان تحدي تحويل خسائرهم إلى مكاسب. هل هذا ممكن، وكيف؟ وهل الخسارة المحتملة لأحدهما هي مكسب للآخر، أم أنه يمكن أن يكسبا معاً؟
هذا هو التحدي

الكاتب :بكر صدقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة