سوريا: الحليف ينسّق مع العدوّ والنظام يردّ بقصف مواطنيه!

حمل الهجوم الإسرائيلي الجديد على مواقع عسكرية قرب العاصمة السورية دمشق وكذلك درعا والسويداء طابع المفارقات المذهلة التي صارت تعجّ بها المنطقة العربية و«الشرق الأوسط»، والتي لم يعد ممكناً التعامل معها بردود الفعل المعتادة، باستثناء التأكيد طبعاً على وصول الغطرسة الإسرائيلية إلى ذرى غير مسبوقة وذلك بعد فيضان هدايا إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها.
أولى هذه المفارقات هي أن الغارة الجويّة استهدفت مواقع لـ«فيلق القدس»، وهو تنظيم إيراني يرأسه الجنرال قاسم سليماني، ورغم وقوع ضحايا سوريين، حسب ما ورد في الأنباء، فالواضح أن النظام السوري ليس محسوبا ضمن المعادلة وما يحصل على الأراضي السورية هو «مبارزة» إسرائيلية ـ إيرانية سببها، على الأغلب، أن طهران أرادت إبعاد الأنظار عما يجري في مدنها من مظاهرات شعبية وذلك بإرسالها رسالة رمزية عبر إطلاق ميليشيات محسوبة عليها بضعة صواريخ من سوريا باتجاه الأراضي الفلسطينية قبل أيام، وهو ما ردّت عليه تل أبيب بعنف مما أدى لمقتل 23 بينهم 16 «من جنسيات غير سورية».
المفارقة الثانية هي قول نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف تعليقا على الواقعة إنها «خطوة خاطئة»، وإن بلاده «تواصلت مع حلفائها بشأنها»، فيما قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز إن التنسيق والتعاون مع روسيا «جيدان للغاية»، فيما أكد موقع إسرائيلي أن الجيش الإسرائيلي «أبلغ القوات الروسية في سوريا عن الهجوم بشكل مسبق».
ربط هذه التصريحات ببعضها يؤكد مجددا أن الضربات الإسرائيلية تتم بالتنسيق مع موسكو، حليفة النظام السوري، وفي ظل الموقع التابع والذليل للنظام السوري في المعادلة فهذا يعني أن النظام «ينسّق» أيضا مع إسرائيل، بإرادته أو بغير إرادته.
التطوّر الحاصل في هذه الهجمات الإسرائيلية هي أن تل أبيب ما عادت تتكتّم على أفعالها، فما الحاجة إلى ذلك ما دامت السلطات السورية متواطئة، وحليفها الروسي يبلّغ بالغارات.
المفارقة الثالثة هي أن طهران، على الأغلب أيضا، لا يهمّها كثيرا عدد الضحايا الذين سقطوا فالمهم هو إيصال الرسالة السياسية المطلوبة، وخصوصاً بعدما فاض الحال بالإيرانيين أنفسهم ونزلوا إلى الشوارع احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية البائسة، من ناحية، وعلى التدخّلات الإيرانية المدفوعة في بلدان الجوار العربية.
المفارقة الرابعة، أن قادة الأنظمة الثلاثة، في روسيا وإيران وسوريا، إضافة إلى تجاهلهم للإهانات الإسرائيلية، واستخفافهم بالضحايا الذين يسقطون، وتدخلهم في دول أخرى، يقومون، بدرجات مختلفة، وحسب الظروف السياسية، باعتبار أي احتجاج شعبيّ «مؤامرة خارجية»، وبدلا من الردّ على إسرائيل فعلا، فإنهم يردون بالاستقواء على الشعب السوري، فيستمرون بالقصف الذي لم يتوقف منذ سنوات، وكذلك، في الحالة الإيرانية، بالاستقواء على الشعب العراقي، والتدخّل الأمني والعسكري والسياسي في شؤونه.
فلنقارن على سبيل المثال، كيف ردّت «حركة الجهاد الإسلامي»، وهي منظمة صغيرة محاصرة مع شعبها في قطاع غزة، على اغتيال إسرائيل لأحد قادتها، بإطلاق نحو 450 صاروخا باتجاه إسرائيل، وكيف كلّف ذلك الفلسطينيين 34 شهيدا بينهم 8 أطفال و3 نساء، وجرح 113 بينهم 46 طفلا و20 امرأة.
يتفهّم المراقب طبعا «المقايسة» التي قامت بها حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» اللتان نددتا بالهجمات الإسرائيلية على سوريا، لكن من بؤس السياسة ألا تنتبه الحركتان إلى التهافت والبؤس والتواطؤ الذي يمارسه النظام السوري مع هذا العدوان، ولا إلى أن هذا النظام، الذي كان وما زال حارسا للكيان العبري، صار مجرد ناطور بين نواطير كثر بعد أن تمسّك بكرسي السلطة والفساد فحوّل البلاد إلى مزرعة بيعت بالمفرق لدول الاحتلال وليس له من السلطة غير توقيع الأختام والمقابلات الصحافية البائسة.

الكاتب:رأي القدس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة