سوريا: العودة إلى النقطة صفر

يوجد تشابه كبير بين ثورتي إيران وسوريا من حيث الانطلاق والمآل. فكلا الثورتين بدأها يساريون مناهضون للنظام الحاكم وكلا الثورتين تحولتا إلى الخطاب الإسلامي مع فارق أن ثورة إيران نجحت ذاتيا بسبب عدم التدخل الخارجي معها أو ضدها فالثورة الإيرانية تيار الخميني لم تطلب عون الروس ولا الأمريكان علما أن الروس كان بإمكانهم دعم اليسار الإيراني الذي أشعل الثورة؛ ولم يفعلوا خوفا من تزكية نار حرب أهلية بين اليسار والإسلاميين.فيما وقفت كل من أمريكا وروسيا ضد الثورة السورية، الأمريكان سرا والروس علنا.

الصراع الطبقي

يمكن أن تتحول سوريا بالفعل إلى أفغانستان ثانية. بإعلان «القاعدة» عن وجودها رسميا في سوريا بعد انشقاق قيادات من أحرار الشام وجبهة النصرة عن التنظيمين وانضمامهم إلى ما يسمى فرع القاعدة في سوريا المعلن عن تأسيسه قبل فترة.
ما سبق مضافا لإعلان تأسيس حرس حدود كردي بدعم أمريكي يمتد على طول ضفة الفرات الشرقية قدمت بعض الأنظمة العربية المستبدة نفسها لجمهورها كأنظمة علمانية فكفرت الجماهير بالعلمانية وأقبلت أفراد وجماعات على ما هو ضد العلمانية أي التدين.
لم تكن العلمانية سوى قفاز استخدمته الديكتاتورية العربية كوسيلة لتعميق التخلف واضطهاد الشعوب، فالمطلوب السلطوي هو شعوب عربية فاشلة كما هو المطلوب الدولي أنظمة عربية وشرق أوسطية فاشلة.
صدقت الماركسية حين وصفت الأفكار القومية أنها وسيلة البرجوازية لإلغاء الصراع الطبقي، الأفكار القومية في العالم العربي كانت وسيلة لصعود الفاشية العسكرية التي ألغت كل شيء بما في ذلك الصراع الطبقي الكلاسيكي لأنها أصلا أبادت إحدى أهم الطبقات في كل المجتمعات أي الطبقة الوسطى التي تعد حامل جميع المشاريع الوطنية الثقيلة أو حاملة النهضة.
بعض المعارضين وبعض التجمعات المعارضة في الخارج يتحدثون بمنطق يخدم النظام فهؤلاء يزكون العسكرة ويجدونها الحل الوحيد للمشكلة والكارثة السورية، بهذا يجد النظام عونا من هؤلاء «العسكرتاريين» لأن العسكرة هي أحد الاثافي الثلاثة للنظام ( الفساد، الأمن، الجيش) فهو نظام عسكري في تكوينه وحلوله كلها تعتمد على العنف فمن يريد إسقاط النظام عسكريا يجب أن تكون له قوة تساوي قوة النظام مرتين أو ثلاثة ويجب أن تكون له خبرة نصف قرن في العسكرة.

حلول «فيسبوكية»

الثورة السورية كما ثورات شعبية عديدة في التاريخ لا تستوي مع العسكرة فهي في طبيعتها ثورة مدنية سلمية لا عنفية نهض به جمهور المثقفين والجامعيين والمعارضين ابتداء من العاصمة وانضمت إليهم على الفور جماهير من كل الشرائح، وبالطبع فهذه الثورة لم يقم بها عسكريون، ولا يصلح بالتالي أن يقود عسكريون ثورة وإلا تحولت إلى انقلاب عسكري أو حرب أهلية.
حلول فيسبوكية للكارثة السورية، هذا ما تقدمه معارضة ونشطاء الفيسبوك لمواجهة المجزرة الجارية في سوريا منذ ست سنوات، لقد انحصرت عقول الثوريين لتأخذ شكل ومساحة المستطيل الأبيض في صفحة كل منهم على الفيسبوك بدل مساحات للحوار المباشر واللقاء الفيزيائي قبل الفيسبوك.
ولعمري قد يكون الفيسبوك أحد الأسباب الفرعية لتأزيم الكارثة السورية، فبعد أن كان وسيلة لتنظيم الحشود والدعوة للتظاهر في أول الثورة تحول الفيسبوك إلى مجال واسع للنشاط الإلكتروني وتفريغ طاقات الثوار والنشطاء بدل لقائهم الحي على الأرض وهو ما يقتضيه الحراك الطبيعي.
صار الحراك إلكترونيا والثورة فيسبوكية، وهو حراك يأخذ منحى الخلافات والنزاعات أكثر من التوافقات والتقاطعات فلقد شهدت الساحات السياسية خلافات وانشقاقات حقيقية على الأرض بسبب تعليق فيسبوكي بل حدث في واقعة مشهودة أن استقال سياسي سوري من أحد الأحزاب بسبب «لايك» وضعه لسياسي معارض آخر مما أثار حفيظة زعيم الحزب الأمر الذي أدى به بعد مناوشات مع زعيم الحزب إلى الاستقالة.

الزاوية النفسية الاجتماعية

لم يعد من المفيد تناول الثورة السورية سياسيا أو أمنيا بل ربما كان من المؤذي الاستمرار على هذا النحو من التناول، لا بد الآن من تناول الثورة ثقافيا أو اجتماعيا كي نفهم الثورة حقا بعيدا عن التناول العنصري أو السطحي أو الشكلي شديد التبسيط والاختزال.
فالثورة أي ثورة لا تنجح ولا يتم الاستفادة منها حتى لو أجهضت إلا بكشفها ثقافيا اجتماعيا أي تناولها من حيث الدوافع والمسارات من حيث القوى الفاعلة فيها والمحركة لها بعيدا عن الرؤى السياسوية المؤقتة أو الآنية التي كانت سببا في الجهل والتجهيل بالثورة السورية وبالتالي كانت سببا في انحراف الثورة أو استغلالها من الدوغمائيين ومن إجهاضها.
رؤية للحرب السورية من زاوية لم يتم النظر منها أيضا هي الزاوية النفسية الاجتماعية.
الوضع الذي يبدو عليه السوريون اليوم هو أنهم شعب مشروخ نفسيا واجتماعيا حتى أعماقه ولن يتم الوصول إلى السلام الأهلي إلا إذا اعترفنا أولا أن الحرب السورية هي حرب أهلية أجّلت طويلا أو هي حرب أهلية مستحقة بدأت قبل ست سنوات ولن تتوقف إلا إذا تم الاعتراف بها، عند ذلك فقط يمكن تحقق وعي الحرب ومعالجة الظروف التي أدت إليها.
هذا الاعتراف لا يعني بأي حال تجاهل مسألة جوهرية مفادها أن الأزمة السورية الحالية بدأت كثورة شعبية عارمة واضحة الأهداف.
إن أسوأ ما يلحق قضية أو نزاع هو عدم الاعتراف به أو تشويه حقيقته أو تزييفها. هذا التجاهل يؤخر حل أي قضية أو نزاع.
الخطاب الثوري بأهمية الثورة ذاتها، فإذا لم يكن لديك خطاب يقنع العدو قبل الصديق فلا تعلن الثورة، اذا لم تحسن علم الخطاب لن تحسن عِلم الثورة…
بقاء المعارضة الخارجية عند لحظة الثورة الأولى أي لحظة الاعتراض والصوت العالي فوت على المعارضة تحولها إلى مجال سياسي مالي أو شبه نظـام ينـظم حيـاة السـوريين خـارج سـوريا.
كل الثورات تقبل النجاح كما الفشل هذا ما يدركه الثوريون والشعوب. غير أن الشعب السوري الذي وقع في فخ ثورييه الحالمين أنهك نفسه بل أفنى نفسه لأنه مازال يعتقد أن الثورة السورية لا بد أن تنتصر.

الكاتب :فراس سعد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة