أمريكا المترددة في الشرق الأوسط بين الانسحاب أو البقاء

لم يحدث في تاريخ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أن تعرضت لارتباك مثل الذي تتعرض له في الوقت الحاضر. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال بوضوح إن حروب الشرق الأوسط «لا نهاية لها»، وإن الأفضل للولايات المتحدة أن تنأى بنفسها عنها. وعلى الرغم من ضغوطه الشديدة على إيران، فإن الإدارة الأمريكية اعترفت، على لسان مساعد وزير الخارجية للأمن الدولي كريستوفر فورد، بأن سياسة الضغوط القصوى على إيران فشلت في إجبارها على التراجع عن برنامجها النووي.
وبالنسبة لتركيا، فإن الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن، لم تحقق الغرض الذي كان يسعى إليه ترامب بإقناع تركيا بالتخلي عن صواريح أس 400 الروسية. وفي سوريا ضحت الولايات المتحدة بمصالح حلفائها الأكراد، الذين شاركوا في الحرب على «داعش». وفي السعودية اكتفت الولايات المتحدة بتوقيع عقود جديدة لإرسال قوة للمشاركة في الدفاع عنها، وبيع أنظمة دفاعية لحماية منشآت شركة أرامكو.
الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت تقوم على الحاجة إلى محاصرة الاتحاد السوفييتي، وضمان إمدادات النفط للعالم الغربي، وحماية أمن إسرائيل، إضافة إلى الحرب على الإرهاب منذ مطلع القرن الحالي. وبعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ومع وصول إسرائيل إلى مستوى التفوق العسكري الساحق ضد أعدائها، تراجع إلحاح الدور الأمريكي في المنطقة، لكن أهمية الشرق الأوسط استمرت في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب وضمان إمدادات النفط. وخلال العام الماضي وقع تطوران كبيران الأول، إعلان الولايات المتحدة الانتصار في الحرب على الإرهاب؛ فقررت إنهاء المهمة في سوريا في ديسمبر 2018. وجاء التطور الثاني على صعيد إمدادات النفط والغاز، حيث أصبحت الولايات المتحدة هي أكبر منتج للنفط في العالم. الولايات المتحدة تنتج حاليا حوالي 13 مليون برميل يوميا، أي أكبر من روسيا أو السعودية. كما وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى 92 مليار قدم مكعب يوميا، في نوفمبر 2019.
وعلى هذا يمكن تفسير السياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي لا تأخذ في اعتبارها، إلا مبدأ المنفعة والمصالح المجردة؛ فإذا رغبت دول في الشرق الأوسط بقاء القوات الأمريكية، فإنها يجب أن تدفع ثمن ذلك. لكن منطق الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، اصطدم بعقبتين كبيرتين، الأولى هي عودة الحرب الباردة والصراع على النفوذ في المنطقة مع تنامي القوة الروسية، والثانية هي مصالح شركات السلاح والنفط الأمريكية. كذلك فإن الحرب الباردة اتخذت بعدا إقليميا واضحا، مع انتشار الصراع على النفوذ والحروب بالوكالة بين كل من إيران والسعودية. ومن هنا فإن أطرافا في الإدارة الأمريكية، بما في ذلك وزارتا الدفاع والخارجية والمخابرات ومجلس الأمن القومي، تتمسك بضرورة استمرار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. هذا الصدام بين منطقين، منطق الرئيس ومنطق الإدارة، يفسر الارتباك الحالي في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عموما، وهو ما يظهر بوضوح في سوريا.
ويعتقد المسؤولون في البيت الأبيض (مجلس الأمن القومي) ووزارتي الدفاع والخارجية، أن التصدي لتوسع النفوذ الإقليمي الإيراني، لن يتحقق بدون إعادة الوحدة إلى مجلس التعاون الخليجي، الذي يعاني من انقسام حاد بسبب الحصار المفروض على قطر. وقد انعقد في واشنطن مؤخرا اجتماع لدول التحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط (ميسا) الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي الست والأردن، وكان من المفترض أن يضم مصر، التي لم تشارك في الاجتماعات الأخيرة. وتضمن جدول أعمال الاجتماع العديد من القضايا العاجلة والملحة، في مجالات الأمن والدفاع والطاقة وغيرها. وهذا يعني أن الرغبة الأمريكية في الانسحاب من المنطقة، تحد منها في الوقت نفسه أيضا رغبة في استمرار الاشتباك مع قضايا الشرق الأوسط، وتعزيز نفوذ الولايات المتحدة، وقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.

ارتباك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ينتهي عندما يصطدم بمصالح شركات السلاح الأمريكية ونفوذها في المنطقة

وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي يريد الانسحاب، وأن في الإدارة من يريدون عدم التضحية بالنفوذ الحالي للولايات المتحدة؛ فقد وجد الفريقان أرضا مشتركة على الرغم من الخلاف بينهما. هذه الأرض المشتركة تتمثل في مصالح شركات الصناعات العسكرية الأمريكية، وهي مصالح لا تتغير بتغير الإدارة، نظرا لأن سوق السلاح في الشرق الأوسط هي أكبر سوق في العالم لصادرات السلاح الأمريكية، وتستوعب وحدها أكثر من نصف مبيعات الأسلحة الأمريكية في الخارج. ومن المعروف أن السعودية على وجه التحديد، تستخدم واردات السلاح، كوسيلة من وسائل ممارسة الضغط الدولي، وتبادل المنافع مع الدول المصدرة للسلاح، ولذلك فإن سياسة شراء الأسلحة من الخارج تتضمن تخصيص ميزانية للاستيراد من الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، بغرض ضمان مواقف هذه الدول عند التصويت على مسائل تخص السعودية في المجلس. وفي سياق هذه السياسة، تشتري السعودية أسلحة من الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، وكذلك من الدول الأخرى ذات النفوذ في الغرب مثل، إيطاليا وألمانيا وهولندا والسويد وسويسرا. ويتم اتخاذ قرارات الشراء بواسطة المسؤولين السعوديين، بصرف النظر عن حاجة البلاد لهذه الأسلحة، وبصرف النظر عما إذا كانت لديها المهارات الكافية للتدريب عليها وتشغيلها. وعادة ما تتكلف عقود التدريب والصيانة قيمة مساوية تقريبا لصفقة الأسلحة المستوردة أو أكثر.
وطبقا لإحصاءات معهد سيبري لأبحاث السلام في السويد، فإن منطقة الشرق الأوسط استحوذت وحدها على نسبة 49% من مبيعات الأسلحة الأمريكية خارج الولايات المتحدة خلال الفترة من 2013 وحتى 2017، ثم حققت المنطقة طفرة كبيرة في المشتريات في العام التالي 2018. وتحتل السعودية المركز الأول بين الدول المستوردة للأسلحة الأمريكية، إذا تستحوذ وحدها على ما يقرب من 20% من واردات المنطقة. وتتضمن الصفقات السعودية الأخيرة صفقة لشراء صواريخ ثاد المتطورة، بلغت قيمتها وحدها حوالي 15 مليار دولار. وتعتبر السعودية والإمارات ومصر والعراق والكويت والجزائر من أهم الدول العربية المستوردة للسلاح الأمريكي. وتسعى شركات السلاح الأمريكية إلى المحافظة على تفوقها في سوق السلاح في الشرق الأوسط، بمساعدة البيت الأبيض، وأجهزة الإدارة المختلفة. ولهذا فإننا نستطيع تفسير الموقف الأمريكي المتشدد تجاه مصر، التي تسعى إلى تنويع مصادر السلاح، بالتوجه إلى الاستيراد من روسيا، جنبا إلى جنب مع استمرار الواردات من كل من الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما. لكن ما كشفت عنه «وول ستريت جورنال» مؤخرا، من أن الرئيس الأمريكي بعث برسالة إلى الرئيس المصري، يحذره فيها من أن شراء أسلحة روسية سيعرض مصر لعقوبات أمريكية، يؤكد أن الإدارة الأمريكية تأخذ مصالح شركات السلاح مأخذ الجد، وليست مستعدة للمساومة عليها. وكان الموقف الأمريكي الأخير مفاجئا للكثيرين، لأنه جاء بعد أسابيع قليلة من لقاء الرئيسين على هامش افتتاح اجتماعات الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو اللقاء الذي أعرب فيه الرئيس الأمريكي، دعمه وتأييده للرئيس المصري، في وجه الانتقادات التي كان يتعرض لها، بسبب ملف حقوق الإنسان.
ولم يقتصر موقف الإدارة الأمريكية على تحذير مصر فقط، وإنما أصدرت أيضا تحذيرا للقائد العسكري لحكومة شرق ليبيا خليفة حفتر. وتلقى حفتر رسالة من الولايات المتحدة، تحذره فيها من توسيع نطاق التعاون العسكري مع روسيا، وتطالبه بوقف هجماته على حكومة طرابلس الشرعية، المدعومة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتبحث الإدارة الأمريكية حاليا إنهاء العقوبات المفروضة على السودان، بما في ذلك الحظر على صادرات الأسلحة، بعد التغييرات الأخيرة. وقد تلقت الحكومة السودانية بالفعل العقوبات، إشارات إيجابية من وزارة الخارجية الأمريكية، التي أفادت بأن قرار إنهاء العقوبات ينتظر عددا من الإجراءات التشريعية والإدارية. ومن المتوقع عند استئناف العلاقات الإقتصادية والعسكرية العادية، أن تجري محادثات بين الطرفين، للاتفاق على برنامج للتسليح والمشتريات العسكرية، لإعادة تأهيل الجيس السوداني تسليحا وتدريبا.
إن ارتباك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ينتهي عندما يصطدم بمصالح شركات السلاح الأمريكية ونفوذها في المنطقة. ولذلك فإنه حتى بافتراض تخفيف الوجود العسكري الأمريكي، فإن الولايات المتحدة لن تضحي بنفوذها في المنطقة، وإنما قد تعيد نشر قواتها، في سياق التعاون الاستراتيجي مع الدول الأعضاء في مشروع التحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط (ميسا)، على أن تتحمل تلك الدول تكلفة إعادة الانتشار، وتمويل استمرار وجود القوات الأمريكية التي سيتم الإتفاق عليها، وذلك على غرار ما تطالب به الولايات المتحدة حلفاءها الآخرين مثل، اليابان وكوريا الجنوبية. لكن لا مساومة على سيطرة الولايات المتحدة على سوق السلاح في الشرق الأوسط؛ بما يعني أن دخول شركات السلاح الروسية أو الصينية بأسلحة منافسة هو خط أحمر، ستحاول واشنطن منع دول المنطقة من تجاوزه.

الكاتب:ابراهيم نوار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة