تهاوي الليرة السورية.. احتمالات الانفجار

هل تسلم “جرة النظام” كل مرة من الكسر، أم أن مياهًا كثيرة مرت تحت جسر قدرة النظام على استمراره، وعلى قدرة حاضنته على التحمل؟ فهذا الاستمرار في إنكار الواقع واحتياجاته لعبت عوامل داخلية وإقليمية ودولية في فعاليته حتى اللحظة، ولعل العوامل الاقتصادية المقبولة، هي الأكثر فعالية في هذا الأمر، ولكن هذه الفعالية، بدأت بالتراجع وبسرعة قياسية، فقد بلغ سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، ما يزيد على 800 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد.

صمود الحاضنة يتعلق بتلبية حاجاتها الرئيسة ولو بالحد الأدنى، وهذه الحاجات هي لقمة العيش، وزيت التدفئة الشتوي، وبقية الحاجات الاستهلاكية ذات الطابع اليومي. ولكن غياب جزء مهم من هذه الحاجات، لن تستطيع الشعارات والولاءات أن تسد غيابه، فالجائع أو الباحث عن الخبز، وما يقيم أوده، يعرف أن للجوع والحاجات قوانين، لا يمكن الاحتيال عليها طويلًا.

إن تدني سعر صرف الليرة السورية تقف خلفه عوامل كثيرة، لا يستطيع النظام السوري أن يضع يده عليها، أو يستطيع التحكم بها كلها. فالنظام الذي حلم أن يضع يده بمساعدة الروس على آبار النفط في المنطقة الشرقية من البلاد، واجهته حقيقة بقاء القوات الأمريكية في تلك المنطقة، هذه القوات أعلنت إدارة البيت الأبيض أنها باقية لحراستها، ومنع قوات النظام وغيرها من الاستفادة منها، باستثناء حليفتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ومن العوامل التي أثرت على تدني قيمة الليرة أن “رجال الأعمال” الموالين للنظام، والذين شغلوا مركز أمراء حرب، سحبوا ودائعهم المالية من البنوك السورية، وعملوا على شراء الدولارات من السوق السوداء. وكذلك هناك عوامل داخلية، تتعلق بطريقة إدارة الاقتصاد السوري، منها امتناع مصرف سوريا المركزي عن التدخل في أسعار صرف الليرة، عدم التدخل هذا سمح لأمراء الحرب الاقتصاديين (التجار ورجال الأعمال الموالون) بالمضاربة على سعر الليرة، وهو ما ستدفع ثمنه حاضنة النظام، التي تنتمي إلى الشريحة الواسعة تاريخيًا من السوريين من ذوي الدخل المحدود.

ولعل الأحداث الإقليمية المتفجرة في لبنان والعراق، وهما بلدان جاران لسوريا، وحليفان سياسيًا لنظامها، لعبت هي الأخرى بوضع الليرة السورية، فالنظامان مشغولان بانتفاضتي شعبيهما اللتين تشابهان ثورة السوريين، التي تريد الانفكاك عن الاستبداد والتبعية لنظام طهران.

إن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على النظام السوري، وبالتضافر مع تغيرات معطيات الواقع الداخلي والإقليمي، تعمل جميعها على خنق الوضع الاقتصادي الداخلي في المناطق التي يسيطر عليها النظام، خنق الوضع الاقتصادي يعني ببساطة اختناق حاضنة النظام معيشيًا، واختناق اقتصاده شيئًا فشيئًا، ما يضع هذه الحاضنة أمام حقائق وجودها الحياتي بصورة لا لبس فيها، فكيف تصمد حاضنة تعيش الجوع والبرد؟ وهي أساسًا في غالبها عائلات جنود النظام، الذين يقاتلون لبقائه، بصيغته كنظام مستبد وفئوي.

إن استمرار تدهور سعر صرف الليرة السورية، يعني انزلاق النظام باتجاه تفجر الأوضاع في حاضنته، هذه الحاضنة تشبه قشًا يابسًا قابلًا للاشتعال عند أول شرارة غضب في الحاضنة. فهل ستغضب الحاضنة وتثور من أجل لقمة بقائها على قيد الحياة؟ أم أنها ستدخل مرحلة جوعها وبردها بقناعة منها أن لا قيمة لحياتها دون هذا النظام؟ الذي راح ضحية بقائه مئات آلاف القتلى من أبناء هذه الحاضنة، ومن أبناء الشعب السوري عمومًا.

والسؤال الذي لا غنى عنه: هل يستطيع النظام السوري في سياق التطورات السياسية وغير السياسية في المنطقة، وفي أوضاعه الداخلية، أن يتجاوز أزمة ليرته المتهاوية؟ وما الوسائل المتاحة أمامه والتي يمكنها أن تساعده على تجاوز هذا المأزق الخطير الذي تعيشه بنيته السياسية؟

لا نعتقد أن حلًا سحريًا يستطيع النظام السوري اجتراحه، فاقتصاده مشلول، والمعارك الدائرة في إدلب هي أساسًا ذات غاية اقتصادية أكثر من كونها بهدف انتصار عسكري حاسم، المعارك تدور من أجل فتح شرياني التجارة السورية داخليًا ودوليًا، ونقصد فتح الطريقين (M4 وM5).

إن استعادة التعافي لقيمة الليرة السورية، يرتبط أساسًا بضرورة وقف الصراع المسلح في البلاد، وضرورة التوصل لاتفاق سياسي وفق القرار الدولي رقم 2254، وعدم حصول ذلك الاتفاق سيزيد من بؤس حاضنة النظام، وسيزيد من احتقانها وقابلية انفجارها، وهو انفجار يأتي نتيجة تراكم القناعة بعجز النظام بصيغته الاستبدادية غير القابلة للإصلاح، وعدم قدرته على إعادة انتاج نفسه، وأن استقواءه بالروس والإيرانيين ضد مطالب شعبه مكلف له ولكل حاضنته، فالذي لم يقدمه النظام لشعبه، يضطر تحت قوة الحضور العسكري الروسي والإيراني اللذين يحميانه ويعملان على استمرار بقائه ضمانًا لتحقيق مصالحهما في هذه البلاد، والتي تمس سيادة سوريا واستقلالها الوطني وحقوق شعبها بثرواته، وهو أمر بدأت الحاضنة تعي خطورته على وجودها.

إن انشغال النظام الإيراني بالانتفاضة الكبيرة داخل البلاد، واشتعال الاحتجاجات في لبنان والعراق، هي عوامل مساعدة على سرعة انهيار النظام السوري اقتصاديًا، فالروس الذين عملوا على حماية هذا النظام عبر تدخلهم العسكري ضد الثورة السورية، بدؤوا يكتشفون حقيقة مرة، وهي أنهم لن يستطيعوا تسويق النظام بصيغته ورموزه الحاليين في أي تسوية سياسية، أو مقاربة روسية للقرار الدولي 2254. وهم ليسوا في وارد دعمه اقتصاديًا وهم في وضع ليس مريحًا، لا سيما أن العقوبات الغربية تحاصر اقتصادهم.

هل تنتظر حاضنة النظام شتاءً قارسًا لم تعش مثله من قبل؟ وهل ستتحمل أوجاعه مع جوعها، الذي بدأ يطل برأسه عليها، ويقرع أبواب بيوتها وبطون أطفالها. الأيام المقبلة ستحمل الجواب الحقيقي لما سيحدث.

الكاتب:أسامة آغي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة