خارطة سوريا .. ألوان زائلة و أخرى قادمة ؟!

نمر نحن السوريون بمرحلة دقيقة ,خطيرة  بما للكلمة من معنى , نظام يضحي بملايين من شعبه و أجزاء من وطنه من أجل كرسي حكمه , معارضة مسلحة تحولت إلى مرتزقة و لصوص  و سياسية  بمعظمها الى نزلاء فنادق و منظرين بالأجرة , لا قرار للطرفين المتناحرين , روسيا تتحدث باسم السلطة و تركيا باسم المعارضة , إيران تتفاهم مع الإخوان ( تركيا) على  تقاسم النفوذ في سوريا , الأولى تستمر دون صخب في حملات تشيُّع سكان الجنوب الشرقي من سوريا لتشبيك حلقات ممرها عبر العراق إلى المتوسط , فيما الثانية  تستمر في صخبها و حروبها لدك و تقطيع الجدار الكردي و تتريك ما تيسر لها من الشمال  لتأمين وصولها إلى العمق الوطني و من خلاله إلى العمق العربي  …

روسيا كقوة عظمى , بمساندة التنين الصيني المتوجه إلى أفريقيا عبر المتوسط , تتمركز على الموانئ في الغرب , تتحكم كذلك بمفاصل الجيش السوري و تسليحه , تغض الطرف عن المشروعين مقابل صفقات تجارية جانبية مع كل من إيران و تركيا, تعزز بها  موقعها السياسي و تدعم اقتصادها المهدد,  البيت الأبيض لا زال يتمسك بتركيا حليفاً في الناتو رغم كل تمردها و خروقاتها  , تعطي الأولوية للصفقات على حساب السياسة و محاربة إيران على حساب محاربة مشروع الإخوان المسلمين بناء على طلب إسرائيل , تحصر تواجدها في شرق سوريا  حول مناطق النفط  كمخفر على طريق الحرير الايراني , أما الأمم المتحدة و باقي المؤسسات الدولية و كذلك  دعاة العدل و حقوق الإنسان من أحزاب و جمعيات و منظمات إنسانية و حقوقية  فهي عاجزة تماماً عن فعل أي شيء للسوريين .

الكرد السوريين يدفعون ضريبة مزدوجة, مرة لأنهم سوريون و مرة ثانية لأنهم كرد حيث حاربهم النظام كما تحاربهم المعارضة , تزحفت عليهم الحشود كما يغزوهم السلفيون.

الأطراف الأربعة المتدخلة في الشأن السوري زائداً النظام نفسه يريدون كرداً لا حول لهم, و مناطق كردية متقطعة, جميعهم شركاء في احتلال جيايه – كورمنج , سريه- كانية و كره- سبي .. وكذلك في التغيير الديموغرافي الحاصل , فالذين يتم إسكانهم  اليوم في المناطق الكردية المحتلة من قبل تركيا هم بغالبيتهم من الغوطة وحمص, تم اقتلاعهم من خلال مصالحات محلية توسط فيها الروس و الأتراك , نقلوهم إلى إدلب كمحطة ترانزيت ليتم توزيعهم على مناطق جديدة و مساكن جديدة تُشاد في المناطق الكردية على وجه الخصوص( الآمنة بحسب إردوغان ) و التي ستكون بمثابة “سوريا المفيدة” تركياً  دون أن تشمل كامل إدلب كونها تقع على تخوم حميميم , فقرار إنهاء الفصائل المسلحة وإعادة إدلب للنظام قد وقعت عليه تركيا مع الروس و بقي الاختلاف فقط في ساعة صفر التنفيذ  .

الخطة التركية تركت لإيرا ن و النظام في الجهة الثانية هامشا كبيراً لإحداث تغيير ديموغرافي آخر حول دمشق و على الطريق الواصل منها إلى الساحل السوري من خلال تجنيس بعض القادمين ضمن حشود المؤاذرة من أفغانستان و باكستان وإيران نفسها , و إسكانهم فيها لتتشكل “سوريا المفيدة “إيرانياً , تؤمن  من خلالها جداراً من الموالين حول العاصمة و حماية للمر إلى البحر.

 إمكانية بلورة المشروعين التركي و الإيراني على الأرض السورية يحتاج إلى سنوات طويلة , لهذا السبب تعطل الدولتين أي حل سياسي في سوريا , تتفاوضان مع روسيا خارج المسار الأممي من أجل ذلك , يعقدون مؤتمرات , يشكلون لجان( اللجنة الدستورية مثالاً) و هم متأكدون قبل غيرهم بأنها عقيمة لا تلد حتى فاراً , دون أن تغفل الدولتان عن  تفاهمات ثنائية إستباقية على حصة كل منها في إعادة الإعمار,  كأن  جنوب سوريا و الوسط من حصة ايران مدن الشمال و الشرق من حصة تركيا .

إيران نجحت في تنفيذ حلقاتٍ من مشروعها على الأرض السورية عبر تمويل ذاتي و حروب ناعمة خارج الجبهات الساخنة , أما تركيا فلا زال مشروعها يصطدم بالجدار الكردي و حلفائهم من مكونات المنطقة من جهة و بالرفض الأوربي لفكرة تمويل بناء مدن ومجمعات سكنية في شمال البلاد و إسكانها بنازحين من عمق البلاد  قسراً من جهة أخرى, يذكر هنا أن الوعود القطرية بتمويل الاستيطان قد تتعثر هي الأخرى و تصطدم بجدران كثيرة.

لا أعتقد أن الرأي العام العالمي الذي أصبح يتناول الكرد وقضيتهم العادلة تحت عناوين عريضة كما الدول الكبرى  و استناداً على أكثر من تصريح ,تحليل و تسريب , ستقبل  بإبادة الكرد و إنهاء قضيتهم كما يشتهيه إردوغان, لكنها متفقة في الوقت الحالي – ربما- على لجم طموحهم المتنامي في إقليم فيدرالي واسع الصلاحيات , و على إضعاف منظومة قسد القتالية التي تنافس جيش الدولة السورية نفسها من حيث العدد , الخبرة ,العقيدة القتالية و الانضباط , وعلى تقليص مساحة سيطرتها, إذ ثمة  في النهاية تفاهم دولي على نموذج محدد لدول المنطقة و أنظمتها , يعتمد على تجميل أنظمة الحكم  و تهذيبها بدلا من التغيير الذي قد يأتي بأنظمة إسلامية أسوأ من سابقاتها كما حصل في مصر بعد مبارك , و تفاهمات على إبقاء الحدود الدولية في المنطقة كما هي إلى أجل مسمى خوفاً من فوضى مجتمعية غير محسوبة العواقب سيما بعد اختبار العالم لكميات العنف الدفين في ثقافة المجتمع الشرق أوسطي,و انعكاساً لهذه الإرادة كان الموقف الدولي من استفتاء اقليم كردستان العراق, من المرجح أنه ثمة تفاهمات – اذا- على سوريا غير تلك التي كانت قبل 2011 , توافقية , مع حقوق محددة للكرد أقلها إدارة أنفسهم على مساحة ما من سوريا حتى و إن لم تشمل كافة مناطقهم.

 القراءة أعلاه ليست دعوة للقبول بالواقع و الاستسلام  للإرادة الإقليمية و الدولية بقدر ما هي تأكيد على أن التفاهمات و التوافقات المذكورة هي نتيجة غياب إرادة السوريين أنفسهم و هي مؤقتة , و أن مناطق النفوذ المحددة بألوان وأعلام كل دولة متدخلة , ستتغير و الخطوط المرسومة سرعان ما تفقد أثرها و هذا ما يجب أن يحفز النخب على بذل المزيد من الجهود لبلورة العامل الذاتي المغيّب في المعادلة السورية على مدار سنوات الحدث السابقة و الذي بإمكانه – لو توفر- قلب الموازين رأساً على عقب و البدء بحوارات تشكيل جبهة عريضة تضم الغيورين على سوريا أفراداً و مجموعات , عربا و كردا , مسلمين و مسيحيين و مكونات أخرى و  كل من يجد نفسه خارج المشروعين التركي و الإيراني , لتشكيل طرف ثالث , سوري , و بلورة مشروع وطني, يدافع عن الأرض و يصون القرار الوطني المستقل  يخاطبون به العالم و الدول المتدخلة في شأنهم , تمهيداً لبناء دولة لا مركزية , ديمقراطية , تعددية و دستور يضمن حقوق الجميع .

الكاتب:     صلاح علمداري – كاتب سوري

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة