نزيف القطاع الطبي يتواصل في إدلب

 

تتفاقم أزمة القطاع الطبي الخانقة في أرياف إدلب وحماة وحلب الخارجة عن سيطرة النظام السوري، وذلك نتيجة الاستهداف المباشر من قبل القوات الروسية وقوات الأسد للمشافي والمرافق الطبية، ونتيجة ضعف التمويل وانقطاعه عن بعض المناطق، بالإضافة إلى موجات النزوح الضخمة وانقطاع الوقود (الديزل) التي تعتمد عليه هذه المرافق في تشغيلها وتشغيل آلياتها ومعداتها، وهو ما قد يسفر عن انهيار المنظومة الصحية في المنطقة بكاملها في حال غياب الحلول والاستجابة الطارئة.

سيارة إسعاف واحدة في ريف حماة

منذ بداية الحملة العسكرية لقوات النظام في نيسان (إبريل) من العام الحالي، تم استهداف عدد من المشافي والمراكز الصحية التي توقفت عن العمل، كما تسببت سيطرة هذه القوات على قرى وبلدات ريف حماة الشمالي بخروج مرافقها الطبية عن الخدمة، بعد نقل قسم من معداتها إلى شمال إدلب مع حركات النزوح التي شهدتها المنطقة.

يقول الدكتور حامد الشيخ حامد، مدير دائرة الإسعاف والطوارئ في مديرية صحة حماة، إن أغلب المشافي في المديرية قد توقفت عن العمل، وتم نقل بعض المعدات إلى مناطق في الشمال في محافظة إدلب، بينما بقي قسم كبير منها في المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد لصعوبة نقلها خلال المعارك الدائرة، أو تدميرها بالاستهداف المباشر، مثل مشفى قلعة المضيق ومركزها الصحي ومركز قرية الشريعة.

كما تم نقل معدات بعض المرافق الصحية، مثل مشفى الحواش بعد أن أصبحت البلدة نقطة تماس مع قوات النظام، ومركز قسطون الذي تم نقله إلى مخيم «عائدون» في حارم، والمركز الصحي في قرية المستريحة.

ويضيف الدكتور حامد إن قوات النظام قامت باستهداف المشافي والمرافق الطبية في حماة بشكل مباشر، رغم معرفتها بإحداثيات هذه النقاط الطبية المدعومة من منظمة الصحة العالمية والجمعية الطبية السورية الأمريكية سامز، التي كانت تدعم مشفى ترملا ومستوصف كفرزيتا اللذين تعرضا للقصف ما أخرجهما عن الخدمة.

ويؤكد الدكتور حامد أن هذه المرافق كانت ضمن الآلية الإنسانية لتجنب النزاع، التي يرعاها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، الذي شارك إحداثيات هذه المواقع مع القوات الروسية لتجنيبها القصف.

لم يعد هناك أي نقطة طبية عاملة في المنطقة، يقول الدكتور حامد، الذي قال إيضاً إن «مديرية صحة حماة أبقت على سيارة إسعاف واحدة في قسطون، وذلك لنقل المرضى والمصابين عند الحاجة لأقرب نقطة طبية آمنة».

ريف إدلب الجنوبي والشرقي بلا مرافق طبية

مع استهداف كتلة مبنى مشفى كيوان الجراحي في كنصفرة، ومبنى النسائية والأطفال المجاور له، ومشفى الروضة في كفرنبل، فإن ريف إدلب الجنوبي يكون قد فقدَ آخر المشافي التي تقدم الخدمات الطبية لأهالي المنطقة.

يقول الدكتور يحيى نعمة، رئيس دائرة الرعاية الثانوية والثالثية في مديرية صحة إدلب، إن قوات النظام وروسيا أخرجت نحو 44 منشأة طبية في المنطقة عن العمل منذ نيسان الماضي، وذلك جراء استهدافها لست وستين مرة، بعضها تم قصفه بشكل مباشر وبأكثر من غارة جوية، ما أدى إلى توقفه عن العمل بشكل كامل.

ويقول الدكتور نعمة أيضاً إن استهداف المشافي كان وفق خطة ممنهجة، شملت خط المناطق من كفرومة قرب معرة النعمان وحتى كنصفرة غرباً مروراً بحاس وكفرنبل، وباتجاه الشرق نحو بلدة التحّ في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، مؤكداً أن كل المنشآت الطبية الواقعة ضمن هذه المنطقة قد تعرضت للتدمير بشكل مباشر، حتى باتت تخلو من أي نقطة طبية عاملة باستثناء مشفى معرة النعمان، الذي نُقلت معظم معدّاته إلى الشمال، وهو يعمل الآن كمشفىً إسعافي مهمته تبريد الحالات وإحالتها إلى مشافي إدلب أو باب الهوى.

النزوح والوقود يهددان باقي مشافي الشمال السوري

يقول الدكتور يحيى نعمة إن مديرية صحة إدلب دقت ناقوس الخطر بسبب توقف بعض المنشآت التي تعرضت للقصف، إضافة لانقطاع الوقود وارتفاع ثمنه في حال وجوده، ما يهدد بتوقف باقي المرافق الطبية عن العمل، وهو ما أكده بيان صادر عن مديرية صحة إدلب في الثامن والعشرين من تشرين الثاني الماضي، أوضح أن عشرات المنشآت الطبية والمشافي وسيارات الإسعاف ستتوقف عن تقديم خدماتها، وذلك لانعدام المحروقات الضرورية وارتفاع أسعارها مع تراجع الدعم المُقدَّم من المنظمات الإنسانية.

وأشار البيان إلى أن توقف هذه المنشآت مع ازدياد حدة القصف والمعارك يهدد بكارثة إنسانية غير مسبوقة، خاصة مع تزايد عدد النازحين والضغط الحاصل على المرافق الطبية التي ما تزال تقدم خدماتها للمرضى.

وكان فريق منسقو استجابة سوريا قد وثَّقَ نزوح أكثر من واحد وستين ألف شخص خلال شهر تشرين الثاني الماضي، لينضموا إلى نحو ثمانمائة ألف نازح من أرياف إدلب وحماة خلال الأشهر السابقة. ويقول الدكتور نعمة إن ضغطاً كبيراً شهدته المرافق الطبية الأكثر أمناً بسبب النزوح، وضعف القدرة المالية للمواطنين العاجزين عن العلاج في العيادات والمراكز الخاصة ضمن الأزمة الاقتصادية التي يعيشونها.

جهاز مرنان مغناطيسي واحد وأقل من طبيبين لكل عشرة آلاف شخص في إدلب

في مقابلة له مع تلفزيون سوريا، قال الدكتور منذر خليل إن مناطق كاملة تم إخلاؤها من الخدمة الطبية في المحافظة بفعل الاستهداف، واستبدلت بتدعيم منظومات الإسعاف والإحالة، كما تراجعت الخدمات الطبية بعد توقف الدعم عن مديرية الصحة ونقص الاستجابة للنازحين، وارتفعت المعدلات المرضية وزاد عدد الوفيات في الآونة الأخيرة، مرجعاً الأسباب للقصف وتوقف الدعم بالدرجة الأولى، إضافة لضعف قطاعات الحوكمة الرديفة، وما سببه هذه الضعف من تلوث في مياه الشرب والهواء وتدمير بنية الصرف الصحي الذي زاد من الأمراض في المنطقة.

ويرى الخليل أن هناك نقصاً كبيراً في عدد الأطباء والكوادر الطبية، قدَّرَهُ بنحو 90%، إذ يبلغ عدد الأطباء العامين والاختصاصيين 600 طبيب يقدمون الخدمات الصحية لنحو أربعة ملايين مواطن. ويفترض المعدل الطبيعي، بحسب منظمة الصحة العالمية، وجود ثلاثة عشر طبياً وخمسة وأربعين (ممرضاً -قابلة) لكل عشرة آلاف من السكان، وتقدر الصحة العالمية أن البلدان التي لديها أقل من ثلاثة وعشرين عاملاً في الرعاية الصحية للعدد نفسه من السكان، لن تتمكن على الأرجح من تحقيق معدلات التغطية الواقعية للتدخلات الرئيسية في الرعاية الصحية الأولية.

كما تفتقد المنطقة لأطباء في بعض الاختصاصات، كالجراحة الوعائية والأورام السرطانية وأمراض الدم، ويقول الدكتور مأمون عيسى، وهو منسّق طبي في جمعية عطاء، إن المَرافق الطبية في إدلب تقتصر على تقديم الرعاية الأولية ومعالجة الإصابات، وهناك ضعف في الرعاية الثانوية والثالثية، مثل تلك التي يتطلبها مرض السرطان والتهاب الكبد C، كما أن هناك نقصاً في التجهيزات الطبية، إذ لا يوجد في إدلب سوى جهاز مرنان مغناطيسي واحد وثلاثة أجهزة تصوير طبقي محوري.

وبالرغم من وجود 244 مرفقاً طبياً في الشمال السوري، إلا أن الدكتور مأمون يقدر نسبة العجز الطبي بـ 45٪، ويرى أن هناك فجوة في الرعاية الأولية، فهناك نحو مليون ومئتي ألف مواطن يحتاجون للمستوصفات.

مستوصفات بلا أدوية

يقول الصيدلي إبراهيم الأحمد، الذي يعمل في مستوصف بريف إدلب، إن هناك نقصاً كبيراً في الأدوية، خاصة للأمراض المزمنة والاعتيادية كالضغط والسكر وأدوية الالتهاب والحرارة والسعال، زاد في الأشهر الخمسة الأخيرة بنسب كبيرة بعد تراجع الدعم تدريجياً على حد قوله.

ويقارن الصيدلي بين العام الحالي والأعوام السابقة، فيقول إن المريض اليوم لا يحصل سوى على 25% من الأدوية التي يحتاجها في المستوصفات، إن وجدت، بينما كانت المراكز الطبية تغطي نحو 75% من احتياجات المرضى الدوائية في السابق. ويرى الأحمد أن النقص بدأ يطال أدوية رئيسية، مثل اللوازم الطبية في المستشفيات من معقمات وشاش، مع توفر للمحاليل الوريدية (السيرومات)، إلا أنه يتوقع توقفها في أي لحظة. أما الأدوية النوعية كأدوية السرطان والتهاب الكبد فهي غير متوفرة، كذلك أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكر.

وتشهد المراكز الطبية زيادة في عدد المراجعين، بحسب الأحمد، الذي قال إنه من المستحيل أن يتمكن السكان من توفير العناية الصحية وشراء الأدوية على نفقتهم ضمن الظروف الحالية، ويقدر متوسط سعر الوصفة الطبية في الأمراض الشائعة مثل الكريب أو التهاب القصبات بنحو ثلاثة آلاف ليرة سورية، فيما تتراوح كلفة معاينة الطبيب الأخصائي بين سبعة وعشرة آلاف ليرة، هذا إذا استثنينا التحاليل الطبية والصور الشعاعية.

أما عن الكوادر الطبية، فيقول الأحمد إن المنظمات الداعمة قامت باحتواء الأطباء والممرضين والمسعفين النازحين في المراكز التابعة لها، لكن بالمقابل تم تخفيض الرواتب بنسبة 35% خلال الأشهر الماضية.

تحتاج السيدة أم مصطفى من معرة النعمان شهرياً لنحو أربعين ألف ليرة لشراء أدوية الضغط والسكري خاصتها، كانت سابقاً تحصل عليها من المستوصف، ومع توقف المراكز الطبية توقفت عن العلاج، تقول: «ما نزحنا لأنو ما معنا أجرة بيت، عايشين تحت القصف والموت والبرد؛ الموت أرحم، والقبر ما حقو مصاري ولا بدو دعم ومنظمات»

الكاتب:مصطفى ابو شمس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة