عن الخدمة الاحتياطية… و«ترامب سوريا» والجولان

تغفوا الثكنات العسكرية على ضفاف خنادق مرتجلة، تبدو كما لو أنها تربض داخل تخوم من العزلة الشائكة، على طول الطرق الدولية التي تربط دمشق مع باقي المدن السورية. تظهر حيناً متكئةً على أكوامٍ من حجارة كلسية مهملة، وحيناً آخر تظهر مسترسلة في صياغة صمتها خلف أجماتٍ قصيرة من الأشواك والشجيرات البريّة، وصوبها يسير جنودٌ تبدّلت ألوان ملابسهم العسكرية خلال العقدين الماضيين، من اللون الخاكي «الكاكي» (كلمة فارسية تعني الترابي الزيّتي) وهو الذي كان لوناً موحّداً لملابس الجنود، وطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية، إلى لون بدلات «المارينز» المموّهة، وتلك واحدة من التجليات المرئيّة لمباهج مسيرة «الإصلاح والتطوير» التي بدأت عـام 2000، ولم تتـوقف بعـد.

الجيش الذي أضاع نجومه

يتعطل الضوء فوق الحديد الكامد للدبابات والمدرعات وطائرات «الميغ» و»السيخوي» السوفياتيّة الصنع، تلك التي تعود لعقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. إذ تسترخي مفاصلها، وكأنها إرثٌ عتيق تنزلق فوقه أبصار العابرين بشفقة، وهم يتساءلون: هل هذا كل ما لدينا من أسلحة؟! وكأن الاستنتاج البصريّ لا يكفي وحده لتذوّق الخيبة، وتحويلها إلى استفزاز نفسي غير علني يكون سبباً وراء نفور الشباب من تأدية الخدمة العسكرية. ثم أنّ هذا النفور كسلوك اجتماعي قابل للقياس والملاحظة لا يعود بمرجعيته إلى ما تولّده الأسلحة الهرمة من إحباطات غير مرئيّة فحسب، بل ولأن الخدمة العسكرية في سوريا تستفيض في إذلال من يدخل لجّتها، وتزدري إنسانيته، فيصير كما لو أنه يَهِبُ الدولة عامين من عمره إن لم يكن طالباً جامعياً، وعاماً ونصف العام إن كان طالباً جامعيّاً، وفي كلتا الحالتين تتحوّل تلك الخدمة إلى ثلمٍ محفور في أديم الذاكرة العميق، لكنه سرعان ما ينكشف بمخزونه الحسيّ السلبي في كل مرة تتجدد فيها البلاغات الرسمية الخاصة بالمطلوبين إلى تأدية الخدمة الاحتياطيّة، والتي تلاحقت خلال السنوات الماضية لتطال في بعضها من تجاوز عمره الأربعين عاماً.
لكن الجيش السوري بعد السبعينيات، ليس كمثل الجيش في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حين كان الضباط يلمّعون نحاس نجوم ونسر رتبهم العسكرية كل صباح بشغف المُحبّ، ويختالون ببدلاتهم المكويّة بعناية، وبضحكاتهم المجلّجلة بين نادي الضباط في «الصالحية» ومبنى الأركان في «الأمويين». كان زمن أبّهة الجيش ممسكاً بعنق السياسة في مسلسل انقلاباتٍ شهير بُثّت آخر حلقاته خلال انقلاب ضبّاط «البعث» عام 1963، ليصير الجيش لاحقاً مؤسسةً حكوميّة في دولة الحزب الواحد، شأنها شأن مؤسسة الدواجن، والمؤسسة العامة الاستهلاكية، وسواهما. إذ كفّت نجومه أن تكون مغريةً للتطوّع به، بعدما خبا بريقها مع الزمن، وتلاشى صيتها السياسي والاجتماعي أيضاً. ليسطع بدلاً عنها نجم المؤسسة الأمنيّة ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، بحيث أصبحت قبلةً لتطوع أبناء الريف الباحثين عن السلطة، ومرتّب الدولة الشهري، بعدما كان الجيش قِبلةَ تطوعهم الأثيرة. ومع هذا النكوص تراجعت رتبةُ الجيش، وتراخت مكانته داخل الحياة الاجتماعية، ولم تعد الحياة العسكرية قادرةً على جذب الطامحين. بالكاد صارت محطة يعبرها الشباب بنزق متى حانت خدمتهم الإلزاميّة، وينفرون منها إن استدعتهم الخدمة الاحتياطيّة.
تخرج بلاغات الالتحاق بالخدمة الاحتياطية لتستدعي الشباب المتململين من إرادة الحرب، المتخفّين عن دروب تقود إلى جبهات لا تهدأ. لكنها بلاغاتٌ تعفي تارةً بمفاعيلها فئةً عمريّة، وتارةً تتراجع عن هذا الإعفاء، فتصير تلك الفئة مطلوبةً للخدمة كسواها. مثلما حدث في شهر تشرين الأول / أكتوبر من العام الماضي، حين منح المرسوم رقم 18 عفواً عاماً عن كامل العقوبة لمرتكبي جرائم الفرار الداخلي والخارجي، وإلغاء كامل دعوات الاحتياط السابقة، بحيث استفاد حوالي 800 ألف شخص من تلك المزايا الإعفائية حسب إحصاءات غير رسمية. لكن القوائم بأسماء المطلوبين عادت لتكون فعّالةً بعد مرور أيام فقط على مرسوم العفو، وعادت معها إجراءات الملاحقة والتبليغ لتأدية الخدمة الاحتياطية إلى سابق عهدها كما كانت قبل صدور المرسوم، والذي استتبعه النظام بقرارٍ آخر في شهر شباط / فبراير من هذا العام بحيث استبعد فيه المولودين عام 1981 وما قبله من الخدمة الاحتياطية.

نظام مصاب بداء «الحرب الكونيّة»

غير أن تلك الخدمة أعيت مصائر الشباب الذين طالتهم، ففرّوا إلى الخارج متى استطاعوا ذلك، أو لازموا بيوتهم، وإن تنقّلوا، اختاروا الطرقات التي لا تطلب حواجزها بطاقاتهم الشخصية، وهذا أقرب ما يكون إلى الإقامة الجبرية. عدا عن تعثر إمكانية استحصالهم على بعض الوثائق الرسمية، مثل ورقة «غير محكوم» أو ورقة «عدم ممانعة» للسفر، والتي تُصدرها شعبة التجنيد التي يتبعون لها.
لا يريدون أن تسوقهم الحرب إلى جبهاتها الملوّنة باحتمالات البقاء ونقيضه، وهم الموالون للنظام القائم، ويجدر بهم من الناحية النظرية الدفاع عن نظامهم المصاب بداء «الحرب الكونيّة» داءٌ لا شفاء منه حتى الآن. فهم لا يريدون الموت إذاً، إما لأن نظامهم لا يستحق أن تُزهق الأرواح من أجله، أو لأنهم عالقون بين النظرية والتطبيق، موالون للنظام، ومعارضون لحربه في آن. ومن الذي يحارب في سوريا؟! أليست حرباً بالوكالة؟! ألم يهرب المعارضون أيضاً إلى نعيم القارة العجوز؟! تاركين التنظيمات الإسلاميّة الراديكاليّة تقاتل النظام بالنيابة عنهم، مثلما فعل النظام حين استقدم الإيراني والروسي ليقاتل تلك التنظيمات بالنيابة عنه.
من منهما يملك قضيةً تستحق الموت من أجلها؟! لا أحد. الفريقان كلاهما انتهازيّان بما يكفي لنكران هزيمة بلدهم وتشرذم قاطنيه.
لا يستسهل الموتَ أحدٌ في سوريا. لا دفاعاً عن النظام، ولا من أجل إسقاطه. وهذه معادلة سهّلت إفلاس المكونات السياسية للبلد، مثلما سهّلت مصادرة قراره عبر وصاية صريحة تمارسها الأطراف النافذة عليه، لدرجة أنّ المستشرقة الإسرائيلية «سمدار بيري» رشّحت يوماً اسم رئيسه القادم، عندما نشرت تقريراً مطولاً بهذا الخصوص في صحيفة «يديعوت أحرونوت» التي تعمل بها كمحللة لشؤون الشرق الأوسط، وكان محوره الشخصية الصاعدة للمال السياسي، رجل الأعمال السوري سامر الفوز الملقب باسم «ترامب سوريا» معتمدةً في سردها على معطيات مصدرها المخابرات الإسرائيلية والغربيّة كما أوضحت.
تلك ملامح أزمة وجودية تعيشها البلاد، لا أزمة سياسية فقط، لدرجة أن ترامب أمريكا وصف سوريا ذات مرّة بأنها صارت «بلاد الرمل والموت» وهو الذي طوّب الجولان باسم إسرائيل باعتبار أنه يمون على الجميع؟! والأشد إيلاماً من كل ذلك هو أن أحداً في سوريا لم يستشعر بعد عمق الهاوية التي تنحدر البلد إليها، وما ظاهرة التهّرب من الخدمة الاحتياطية، أو الهجرة سوى مرآتين اجتماعيتين تعكسان بعضاً من ملامح انهزام الشخصية السورية خلال السنوات الماضية، وتمجيدها مبدأ «الخلاص الفردي» كما لو أنه الخلاصة السياسية الاجتماعية الوحيدة والمتاحة لكل ما يحدث.

الكاتب : ايمن الشوفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة