صراع “روسي-إيراني” مكتوم.. دماء السوريين ضحية التنافس بين “موسكو وطهران”.. إيران تستقطب نحو 7850 سوري بسلاحي “التشيع والمال”.. وروسيا تحاول تقليص الدور الإيراني عبر استبعادها من الاتفاقات الأخيرة

المرصد السوري لحقوق الإنسان

ديسمبر/كانون الأول 2019

شهدت الأشهر القليلة الماضية تحولا في الأحداث على مسرح الأزمة السورية، بداية من الإعلان عن هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” مرورا باتفاقيات خفض التصعيد الجديدة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، وأخيرا وليس آخرا تبدلات التحالفات في شمال شرق سوريا ودخول روسيا لاعبا جديدا على مسرح المنطقة بعد الانسحاب الأمريكي في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ومع كل تلك التحولات، كان هناك صراع آخر يجري في الخفاء بين روسيا وإيران على حصد أكبر قدر ممكن من النفوذ داخل سوريا، حتى بات ما يحدث أشبه بـ”حرب باردة” بين الطرفين، رغم أنه من المفترض أن البلدين حليفين داعمين لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. وعلى الرغم من استعادة نظام “الأسد” السيطرة ظاهريا على ما يقرب من 70% من إجمالي مساحة سوريا، فإن الوضع على أرض الواقع يشير إلى التوترات الهائلة والحرب بين روسيا وإيران من أجل حصد أكبر قدر ممكن من النفوذ من خلال السعي المتبادل لاستقطاب السوريين والتفرد بالقرار السوري بأساليب ووسائل عدة مختلفة.

خلال الشهر الماضي، نوفمبر/تشرين الثاني، شهدت الساحة السورية زيادة في النشاط الروسي والإيراني على حد سواء من أجل حصد أكبر قدر ممكن من النفوذ، فعلى سبيل المثال، عاودت روسيا تصعيد غاراتها الجوية على منطقة “خفض التصعيد” لأول مرة منذ اتفاق “بوتين-أردوغان” الذي أعلن في أغسطس/آب الماضي، ما أسفر عن استشهاد 89 مدنيا من بينهم 30 طفل و17 امرأة، في الفترة ما بين الأول من نوفمبر/تشرين الثاني وحتى الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول، حيث كان اللافت أن ثلث العدد الإجمالي من الأطفال، فيما نفذت القوات الروسية 6 مجازر في إدلب وغرب حلب. ولم تكتف روسيا بتكثيف عملياتها على شمال غرب سوريا، بل إنها انشغلت كثيرا باتفاقاتها التي توصلت إليها مؤخرا فيما يتعلق بشمال شرق سوريا في أعقاب الانسحاب الأمريكي، حيث دخلت بصحبة قوات النظام للمرة الأولى إلى مناطق شمال شرق سوريا التي انسحب منها النظام قبل نحو 7 سنوات، وباتت هي الراعي الأول والأخير للاتفاقات التي تجري بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام وتركيا، من أجل تحديد مناطق النفوذ لكل طرف.

وفي الوقت الذي تكثف فيه روسيا من عملياتها العسكرية على شمال غرب سوريا، كانت إيران تواصل تحركاتها لاستقطاب المزيد من السوريين عبر القوة الناعمة، من خلال تعزيز عمليات التشيع والمبالغ المالية التي تدفعها إيران لمن ينتسب إلى قواتها أو يعتنق المذهب الشيعي. وبحسب ما رصده “المرصد السوري”، فإن عددا كبيرا من السوريين الذين كانوا يقطنون في مناطق سيطرة “قسد” وكانوا مطلوبين لـ”النظام” في قضايا أمنية، لجئوا إلى الانتساب إلى الميليشيات الإيرانية بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من شمال شرق سوريا ودخول قوات النظام إلى المنطقة بعد عملية “نبع السلام” العسكرية التركية، حيث رصد “المرصد السوري” انضمام المئات من أبناء محافظة دير الزور إلى الميليشيات الإيرانية، بهدف إجبار النظام على عدم ملاحقتهم كونهم باتوا جزءًا من الميليشيات الإيرانية.

وفيما يعد دليلا على الصراع المكتوم بين الروس والإيرانيين، رصد “المرصد السوري” في 8 ديسمبر/كانون الأول، خروج رتل عسكري مشترك بين القوات الروسية وقوات “النظام” في دورية داخل مدينة الميادين الخاضعة لسيطرة القوات الإيرانية والميليشيات الموالية لها في ريف دير الزور الشرقي، حيث تعد المرة الأولى التي تجري فيها القوات الروسية دورية في مدينة الميادين. وفي الوقت ذاته، تزايدت أعداد المتطوعين في صفوف الميليشيات الإيرانية في الجنوب السوري –بحسب إحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان- حيث بلغت أكثر من 4620 متطوع، فيما ارتفع عدد الشبان والرجال السوريين من أعمار مختلفة ممن جرى تجنيدهم في صفوف القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها مؤخراً بعد عمليات “التشيُّع” إلى نحو 3215، ضمن منطقة غرب نهر الفرات في ريف دير الزور، إذ تعمد المليشيات الإيرانية لتكثيف عمليات التجنيد، تزامنا مع انشغال الجانب الروسي بالعمليات العسكرية والاتفاقات الأخيرة مع تركيا فيما يتعلق بشمال سوريا.

وبحسب ما علمت مصادر “المرصد السوري”، فإن التقلب في الموالاة أصبح أمرا سائدا في أوساط المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، حيث إن التمايز بين موالٍ لـ”موسكو” وآخر لـ”طهران” ليس واضحا إلا في بعض الأسماء البارزة التي انتقلت من الموالاة لإيران إلى الموالاة لروسيا مثل “سهيل الحسن”. وأشارت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن “هناك مدارس ممولة من إيران في الريف الغربي (العلوي) لمدينة حمص. على سبيل المثال، في قرية عرقايا تنتشر مدارس حكومية ممولة من إيران يدخل بها المدرس ويلقي تحية (السلام على الشباب العلوي)، كما يتم منح رواتب مضاعفة للمدرسين”.

وعلى مدار الأشهر القليلة الماضية، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان صراع بين روسيا وإيران على اجتذاب الشباب السوريين عبر المساعدات والتجنيد في قوات وفصائل تابعة لكل منهما في مناطق سيطرة النظام. ووفقا لما رصدته مصادر موثوقة، فإن “الصراع الروسي الإيراني يتخذ أشكالا عدة، من بينها الصراع عبر المساعدات الغذائية واستغلال حالة الضعف والجوع وفقر الحال وضعف القوة الشرائية والتشرد والنزوح التي يعاني منها المواطنون السوريون بفعل ثماني سنوات من الحرب”. وفي شهر أبريل/نيسان الماضي، وثقت مصادر موثوقة توزيع القوات الروسية مساعدات عدة على مناطق في القطاعين الغربي والشمالي الغربي من ريف حماة، بالإضافة إلى توزيع هدايا للأطفال ومساعدات إنسانية وغذائية في المناطق القريبة من خطوط التماس مع الفصائل والتنظيمات الموالية لتركيا، في وقت تعمد فيه القوات الإيرانية إلى استغلال حاجة السكان في غرب الفرات والجنوب السوري والمنطقة الممتدة بينهما، لتزويدهم بالمساعدات الإنسانية والغذائية من خلال المطابخ الخيرية وغيرها من المراكز التي تمد المواطنين بالمساعدات، إضافة إلى تقديم الرواتب للمتطوعين بمبالغ تبدأ من 150 دولارا أمريكيا.

كذلك، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال الفترة الماضية، صراعاً بين الروس والإيرانيين على النفوذ ليس لأجل النفوذ فقط بل الصراع على المال كذلك، حيث حصل “المرصد” على معلومات موثقة تشير إلى أن الصراع بين الطرفين الحليفين للنظام السوري تحول إلى صراع على الحواجز والسلطة ونقاط التفتيش في البادية السورية وفي المنطقة الممتدة من حمص إلى الصفاف الغربية لنهر الفرات. ورصد “المرصد السوري” وجود نحو 40 حاجزاً للميليشيات الموالية لإيران والميليشيات الموالية لروسيا، من أطراف مدينة “حمص” وصولاً إلى مدينة “البوكمال” في القطاع الشرقي من ريف دير الزور عند الضفاف الغربية لنهر الفرات، حيث تتنافس هذه الحواجز وتتصارع على نقاط التفتيش التي تدر عليهم أرباحاً يومية هائلة ومبالغ خيالية. وأكدت المصادر لـ”المرصد السوري”، أن عائد الإتاوات المفروضة وصل لنحو 100 مليون ليرة سورية على دفعة من الصهاريج المحملة بالنفط ومشتقاته، حيث لا يسمح لهذه الصهاريج على وجه الخصوص بالمرور دون دفع إتاوات.

على الجانب الآخر، تحاول روسيا بشتى الوسائل سحب البساط من تحت أرجل الإيرانيين، عبر تحالفات واتفاقات مع تركيا وغيرها من الميليشيات والفصائل العاملة في سوريا، كان آخرها الاتفاقات التي جرت بشأن شمال شرق سوريا بعد انطلاق عملية “نبع السلام” التركية، والتي استبعدت فيها روسيا الجانب الإيراني تماما من أي مفاوضات أو تواجد للقوات الإيرانية والميليشيات الموالية لها على الأرض في كامل المناطق التي خضعت لسيطرة روسيا والنظام ضمن المناطق التي كانت تخضع لنفوذ “قسد” في السابق. كما رصدت مصادر مطلعة خلافا روسيا إيرانيا حول منطقة “تل رفعت” التي وعدت روسيا الجانب التركي بتسليمها إليها مقابل فتح طريق دمشق-حلب الدولي وحلب-اللاذقية الدولي، وهو ما ترفضه إيران نظرا إلى وجود مدينتي “نُبل” و”الزهراء” اللتان لهما أهمية مذهبية ورمزية بالنسبة لـ”طهران”.

وبحسب المصادر الموثوقة، فقد طلبت روسيا من قادة قوات سوريا الديمقراطية ضرورة إيجاد حل لإيقاف تمدد الإيرانيين في الحسكة ومناطق سيطرة “قسد”. وكذلك، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان في 24 يونيو/حزيران الماضي، أن الروس فشلوا في إدارة العمليات العسكرية في الشمال السوري الذي لا تزال إيران ترجح كفتها على حساب روسيا فيه، بل إن روسيا لم تستطع أيضا كبح جماخ الإيرانيين في الجنوب والشرق السوري. وبحسب المعلومات التي حصل عليها “المرصد السوري”، فقد باءت جميع مساعي الروس حتى اللحظة لوقف التمدد الإيراني بالفشل، ليزيد من فشل السياسة الروسية المتبعة في سوريا، الفشل المتواصل لها وللنظام السوري بإعادة فتح طريق السقيلبية-محردة وإبعاد الفصائل والجهاديين عن المناطق التي يقطنها مواطنون من أتباع الديانة المسيحية التي تدعي الكنيسة الروسية حمايتهم على الأراضي السورية.

في السادس من يونيو الماضي، علم “المرصد السوري” أن روسيا –ضمن محاولاتها المتواصلة للحد من التواجد الإيراني في الشمال السوري- عززت نقاطها في تل رفعت للحد من التمدد الإيراني في المنطقة، إلا أن الإيرانيين يواصلون تمددهم في الجنوب السوري ودير الزور وأماكن أخرى في دمشق وريفها، من خلال مواصلة استقطاب الرجال والشباب عبر شبكة العرابين والعملاء التي تمتلكها هناك. وفي 17 أبريل الماضي، كشفت مصادر لـ”المرصد السوري”، عن استمرار الصراع الروسي الإيراني لحصد أكبر قدر ممكن من النفوذ في ظل ركود العمليات العسكرية واقتصارها على تصعيد بري وجوي في الشمال السوري، حيث استغل كلا الطرفين الوضع من أجل ترسيخ قوته على الأرض وتوسعة رقعة نفوذه من أجل الانفراد بالسيطرة على القرار السوري.

وبحسب ما رصده المرصد السوري لحقوق الإنسان والمعلومات التي حصل عليها من مصادر متعددة، فإن كفة الصراع تميل إلى الجانب الإيراني على الرغم من التواجد الروسي الرئيسي ضمن مقرات القيادة وتحكمها بالقرار السوري في كثير من الأحيان، حيث تمكنت إيران من توسعة نفوذها واستقطاب الآلاف من السوريين إلى صفوفها ليس فقط بالمقابل المادي، بل ولعبت كذلك على وتر المذاهب والأديان، فضلاً عن تجنيد الشباب في سن الخدمة الإلزامية بصفوفها مقابل عدم سحبهم للخدمة في “جيش الوطن”. كذلك، بحسب ما رصد “المرصد السوري”، فإن التمدد الإيراني لم يلقَ قبولاً من الروس وأتباعهم ومواليهم على الأراضي السورية، حيث سعت روسيا إلى كبح الجماح الروسي من خلال استبدال حواجز الميليشيات الموالية لإيران والنظام في محيط منطقة اتفاق “بوتين-أردوغان” بشأن المنطقة منزوعة السلاح، بعناصر من قوات الفيلق الخامس الموالي لروسيا والمدعوم منها. كما أن الانتشار الإيراني الواسع على الأصعدة العسكرية والفكرية والمذهبية، يحول دون تمكن الروس من لي ذراع الإيرانيين في الوقت الحالي، على الرغم من التوجه العالمي والعربي بخاصة لمحاربة الوجود الإيراني على الأرض السورية، في الوقت الذي تعمد فيه تركيا لموازنة علاقاتها مع الجانب الإيراني بشكل كبير.

ومن بين محاولات روسيا كف أيدي إيران عن التغول في سوريا، عكفت “موسكو” على كف أيدي إيران عن التدخل في القضايا الداخلية والامتناع عن التقدم لفك حصار بلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب الشمالي الشرقي، وهما بلدتان تقطنهما أغلبية شيعية. كذلك، لم تعمد روسيا إلى بدء عمليات الجنوب إلا بعد توافق روسي – إقليمي، على تراجع إيران وحزب الله اللبناني، لمسافة 40 كلم عن الشريط الحدودي مع الجولان السوري المحتل. وبعد انسحابها بشكل عسكري، بدأت عملية السيطرة على الجنوب السوري. وفي وقت سابق، رصد “المرصد السوري” اقتراحا روسيا بانسحاب “حزب الله” والإيرانيين وتوجههما نحو غرب الفرات لقتال تنظيم “الدولة الإسلامية”، بعد رفض توجه القوات الإيرانية وحزب الله إلى الجنوب السوري.

وفي ظل الصراع الإيراني-الروسي، يبقى النظام السوري بلا حول ولا قوة في مواجهة تلك القوتين، ولم يعد خافيا على أحد أن تواجد النظام أصبح شكليا فقط، حيث لا يستطع فرض نفوذه وقرارته على أي بقعة جغرافية سورية، ولو كانت هذه البقعة هي الساحل السوري الذي كان مصدر قوته سابقاً، ليغدو اليوم ساحة تتصارع فيها كل من إيران وروسيا كحال دمشق وحلب والجنوب السوري ووسط سوريا وجميع الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة نظام بشار الأسد.

ويجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان مطالباته للمجتمع الدولي وأطراف النزاع كافة، لتجنيب المواطنين الذين عانوا على مدار ما يقرب من تسع سنوات من ويلات الحرب والدمار، في ظل تنامي الفقر والمعاناة والظلم الذي يعاني منه السوريون كافة في مختلف مناطق السيطرة، وخصوصا في مناطق سيطرة النظام التي يسعى كل طرف فيها إلى حصد أكبر قدر ممكن من النفوذ دون أدنى اعتبار لأوضاع المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة في صراع لم يعد لهم ناقة فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة