دعوة إلى الحوار

عندما يتعامل قويٌّ مع ضعيف، فإنه يرفض الندّية لأنه يرى فيها انتقاصا من قوته. وعندما يتعامل ضعيفٌ مع قوي، فإنه يقترف خطأ قاتلا إن صدّق إنه لن يستخدمه لخدمة أغراضه، ولن يرى فيه ضعفه. إذا أخطأ الضعيف في هذين الأمرين، فإنه لا يكون قليل قوّة فقط، بل قليل عقل أيضا.
في التعامل بين طرفين تفصلهما هوّة قوة، لا بد من خطوتين متلازمتين: تكثيف البناء الذاتي، وتحديد أهداف دقيقة للتعامل، تعرّف مصالحهما، ووسائل وسبل تحقيقها، وما فيها من تدرّج وتتابع، وحجم ونوع القوى الضرورية لذلك في مختلف مراحلهما، ونمط التوسّطات الضرورية لتنسيق الخطوات بين مرحلةٍ وأخرى، والأهداف النهائية التي سيبلغانها عبر تعاونٍ تتكامل بفضله جهودهما وقدراتهما، على الرغم من عدم تعادلها الذي سيعترف الضعيف به، وبالنتائج التي ستترتب على استخدامه، في مقابل اعتراف القوي بالشراكة واستقلالية مصالح وأهداف الضعيف عن مصالحه وأهدافه، وحقه في أن يطرق دروبا خاصة به لتحقيق مآربه، على أن يبلغ القوي استباقيا بها، كي لا يبقى مكان للخلاف بينهما، ولتدخل أحدهما في شؤون الآخر، بحجّة عدم التعادل الذي لا يجوز أن يحول دون بلوغ أهدافهما المشتركة، خصوصا إذا قرّر القوي وضع قدراته، أو بعضها، تحت تصرّف الضعيف، ولو من قبيل الإعارة.
ومع أن القوي لا يميل عادة إلى تعاونٍ كالذي وصفته مع الضعيف، خصوصا إن كان عاجزا عن نيْل حقوقه، فإن الحوار المفتوح بينهما قد يصل بهما إلى نتيجةٍ مرضية، أداتها تعاونهما الذي يراعي مصالحهما المشتركة، إلى جانب فرادة قضاياهما، ولا يجوز أن يتجاوز ما يمليانه من شراكةٍ، فيها نفع لهما.
ليست علاقات تركيا بالثورة السورية عصيةً على التنظيم والتعاون، وإنْ كانت تعاني من مشكلتين تهدّدان الطرفين، والسوري منهما خصوصا: انتقال السياسة التركية من احتواء ارتدادات انغماسها في القضية السورية إلى احتواء القضية ذاتها، وتحويلها إلى واحدةٍ من أدوات سياستها الخارجية والدفاعية، وخروج الثورة عن مسارها وتحولها إلى أخوية ارتزاقٍ عابر للدول، قرارها بيد أنقرة. المؤسف أن هذا الواقع سيتكرس، إذا ما اصرّ ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، بوصفه ممثلا للثورة، على التعامل مع تركيا تابعا وليس حليفا أو شريكا، وهذا شرطه أن يرى نفسه صاحب قضية منفصلة عن قضايا تركيا، مهما بلغ تداخلهما، وأن يضع رؤيةً تفصيليةً لقضيته، ولتشابكاتها الاقليمية والدولية، على طاولة الحوار مع أنقرة، على أن يمتلك بدائل عمليةً في حال أصرّت على إبقاء القضية السورية أداة بيدها، واستخدمت الحضور السوري فيها لتقويض قدرة الطرف السوري على ممارسة سياساتٍ تمليها الحاجة إلى موقف وطني مستقل.
وللوصول إلى هذا، لا بد من ورقةٍ تبين بالتفصيل ماهية الموقف السوري، وما يستطيع أو لا يستطيع قبوله، وحجم استقلاليته عن مصالح تركيا وتشابكاته معها، على أن يلي بلورتها حوار وطني مع مختلف أطراف المجالين، السياسي والعسكري، يمنح “الائتلاف” دعما وطنيا يعزّز موقفه الداخلي والخارجي، ويجدّد دوره بعدما خبا وانحدر إلى مستوىً خطير فصله إلى حد بعيد عن القضية السورية، فإن لم يوفّق إلى تفاهمٍ مع أنقرة، يكون قد فاز بموقفٍ وطنيٍّ جامع، يلزم أطراف العمل العمل الثوري والمعارض، ويمكّنه من أن يبنى على الأمر مقتضاه، ويبلور بدائل تطال حتى انتشاره في سورية والجوار والوطن العربي والعالم.
تدير تركيا القضية السورية اليوم، من دون الرجوع إلى أصحابها، وتتحمّل أعباءها المرهقة، التي تضاف إلى ما تواجهه من مصاعب. لذلك، أعتقد أن اليد التي ستطرق باب الحوار ستجده مفتوحا، ما دام هدفها التوفيق بين المصالح العليا لسورية وأنقرة، خدمة لاستقلاليتهما وخصوصيتهما.
الكاتب: ميشيل كيلو  – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة