إدلب في المزاد الليبي

باتت معركة إدلب على صلة مباشرة بالعاصمة الليبية التي تشهد منذ إبريل/ نيسان الماضي هجوماً واسعاً من القوات التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا وروسيا التي ساندته بإرسال مئات من فرقة فاغنر التي يشرف عليها أحد أصدقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رجل الأعمال يفغيني بريجوزين، الشهير بطباخ بوتين، والمقرّب من شخصياتٍ معروفةٍ في الحكومة الروسية. وفرقة فاغنر شركة عسكرية خاصة، تتولى التدريب والتمويل لمجموعة من المرتزقة الروس، ينشطون في روسيا وأوكرانيا. وتقدّم هذه القوات خدماتٍ للكرملين في عدة مناطق من العالم، منها سورية وليبيا. وفي تحقيق استقصائي، أنجزته شبكة سي إن إن، جرى الحديث عن مساندتها ديكتاتور السودان السابق، عمر البشير. وأفادت أوساط إعلامية ليبية بأن حضور مرتزقة فاغنر بات كبيراً في الهجوم على طرابلس أخيراً، الذي أراده حفتر وداعموه أن يكون حاسماً لجهة دخول المدينة، وتقويض الحكومة الشرعية التي يقودها فايز السراج، وتعترف بها الأمم المتحدة.
وفسّر مراقبون ضراوة المعارك على جبهة طرابلس ومحاور إدلب في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) بأنه يعكس خلافاً روسياً تركياً، بعد أن دخلت تركيا بقوة على خط الأزمة الليبية، وباتت، من خلال العلاقة المتينة مع حكومة الوفاق، طرفاً أساسياً في النزاع الليبي، وذلك بعد توقيع اتفاقيتين لترسيم حدود النفوذ البحرية والتعاون الأمني، وهو الأمر الذي ترجمته حكومة الوفاق الليبية بتوجيه طلب رسمي إلى أنقرة من أجل إسنادها عسكرياً بإرسال قوات تركية. وسيتزامن ذلك مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المقرر أن يقوم بها لتركيا في الثامن من يناير/ كانون الثاني الحالي، ولذا من المنتظر أن تكون القمة التي ستجمعه مع نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، مفتوحة على التطورات الليبية، بعد أن قطعت التفاهمات التركية الروسية أشواطاً مهمةً في ما يخص الوضع في سورية خلال العامين الأخيرين، وخصوصاً من طريق مسار أستانة الذي استعادت بموجبه روسيا أغلبية المساحات التي كانت تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، ولم يبقَ عالقاً سوى وضع منطقة إدلب.
وبدا واضحاً في الآونة الأخيرة أن إيجاد مخارج لقضية إدلب ليس أمراً سهلاً. وأجرى وفد تركي، دبلوماسي عسكري أمني، الأسبوع الماضي، محادثاتٍ في موسكو استمرت أسبوعاً، من دون أن تحقق نتيجة، وذلك في وقتٍ كان أردوغان يتحرّك فيه من أجل تأمين حشد دبلوماسي يساند موقفه في ليبيا، وزار تونس من أجل ذلك، وطرح فكرة تأسيس محور تركي تونسي جزائري قطري يساهم في محادثات الحل الليبي المرتقبة في ألمانيا، ولكن يوقف، قبل ذلك، زحف حفتر على طرابلس.
وتكمن عقدة المفاوضات بين الطرفين، في أن الروس ربطوا بين إدلب وليبيا، وترجموا ذلك على الأرض برفع منسوب إبادة المدنيين، فعمدوا إلى مطاردة المدنيين المهجّرين برشاشات الطائرات الحربية على طرقات النزوح من بلدات معرّة النعمان. وبدا أن التفاهم الذي حصل بين الطرفين في اجتماع أستانة 14 قد تأثر نسبياً بسبب التطورات على الجبهة الليبية.
من شأن دخول تركيا إلى الملف الليبي بقوة أن يخلط الأوراق، ويعقّد مهمة الحلف الروسي السعودي المصري الإماراتي الداعم لحفتر، وبات واضحاً أن هذه الأطراف تعمل على تكبيل المسعى التركي، من خلال كبح جماح أنقرة نحو طرابلس، وفي حساباتها، يبدو الملف السوري أفضل ميدان حيوي للرد على تركيا سياسياً وعسكرياً. وفي جميع الأحوال، سيظل الوضع في إدلب يزداد تدهوراً. ومثلما لم توقف التفاهمات التركية الروسية السابقة حرب الإبادة الروسية، فإنه ليس هناك مؤشرات على تغييرات لمصلحة إدلب.
الكاتب:بشير البكر  – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة