الموقف من الضامن التركي

من المتوقع أن يثير عنوان المقال حفيظة بعض السوريين، وخصوصا ذوي المصالح والارتباطات التركية الذين اعتادوا على التهجم؛ بوقاحة شديدة؛ على أي صوتٍ ينتقد سياسات تركيا إزاء المنطقة، وسورية تحديداً، من بوابة التشكيك بدوافع الناقد ورميه بتهم التخوين والعمالة لعصابات الأسد ومناصريه الإقليميين والدوليين، وكأن نقد سياسة الرئيس التركي، أردوغان، يعبر عن تأييدٍ مطلقٍ لإجرام الأسد وروسيا وإيران. وهو ما يعبر عن جهل سياسي وثقافي من جهة، وعن تبعية فكرية وسياسية من جهة أخرى، إذ كان يكفيهم إلقاء نظرةٍ، ولو سريعة، على مواقف الناقد من مجمل قوى الاحتلال والطغيان والاستبداد والرجعية، قبل استسهال رميه بوابلٍ من الشتائم والاتهامات، كما يمكنهم التدقيق في الحقائق الميدانية، لاكتشاف مدى سفاهة الفصل القسري بين روسيا وإيران وتركيا، وربما الأسد أيضاً، فالتقارب والانسجام التركي الروسي تحديدا، وبدرجة أقل التركي الإيراني واضح للعيان، ولا مجال للشك فيه! لكن يبدو أن تبعيتهم قد أعمت بصيرتهم، حتى باتوا مؤمنين باستحالة وجود تيارٍ أو فكرٍ أو حتى شخصٍ مستقلٍّ بقراءاته وتحليلاته عن تمثيل مصالح طرف خارجي. وعليه، يؤكد نقد تركيا بالمطلق عدم تبعيته لها، وبالتالي، هو تابع لأحد الأطراف الأخرى، لذا يستسهلون إلقاء التهم والشتائم عليه، من دون تدقيق أو حتى تفكير ولو قليلاً.
وبالتالي، يغدو نقد تركيا وفق المتيّمين والمنتفعين منها كيدياً فقط، أي لا يمتّ لمصالح سورية 

 والسوريين بأي صلة، بل على العكس يتم تصويره كأنه جريمة لا تغتفر بحقّ الكيان السوري، في حين لا يعيرون التعدّيات والمساومات التركية بحقوق السوريين أي اهتمامٍ يُذكر، على الرغم من كثرتها وفداحتها، فمن وعود الرئيس التركي، أردوغان، بحماية المتظاهرين السلميين في مدينة حماة في أشهر الثورة الأولى، إلى اتفاق مناطق خفض التصعيد، وقتل اللاجئين السوريين المدنيين على الحدود التركية السورية، أو بالحد الأدنى التعدّي عليهم بالضرب والشتم والإهانات، مروراً بتعدّد الغزوات التركية على الأراضي السورية، وإثارتها الصراعات بين بعض أطياف المجتمع، وصولا إلى صمت تركيا؛ أو بالأصح تجاهلها المتعمّد جميع الجرائم الروسية والأسدية المرتكبة بحق المدنيين في إدلب اليوم، وفي الأمس القريب. وللأسف، غالبا في المستقبل المنظور أيضاً. حيث تؤكد كل من هذه الوقائع ومئات الأحداث المشابهة لها بأن تركيا تتحرّك وفقا لمصالحها السياسية والاقتصادية الذاتية، وبغض النظر عن تأثيرها على مصالح السوريين وأحوالهم، بل يمكن القول إن موقف أردوغان الداعم والمؤيد للثورة السورية في أشهرها الأولى، انطلق من محاولته استثمار التطورات السورية؛ واستغلال الثورة في توسّع نفوذه السياسي والاقتصادي داخل تركيا وخارجها، وبالتالي فهو لم ينطلق من دوافع إنسانية وقانونية بحتة، كما يحلو لبعضهم الادّعاء والترويج.
لذا لا يمكن تبرير الانتهاكات بقضايانا وحقوقنا الوطنية والقومية والشخصية على اعتبارها شرّا لا بد منه، من أي جهةٍ أو طرفٍ يدّعي تمثيل السوريين ومصالحهم، في حين يحقّ للتركي المناصر لأردوغان وحزبه تبريرها، بذريعة المصلحة القومية التركية العليا، بل يُحسب له هذا  

التبرير على اعتباره اعترافا أو تلميحا بتداعياته السلبية علينا، وإقرارا بكونه شرّا لا بد منه، وكأنه يتأسّف لعدم قدرته على تبني موقف إنساني وسياسي عادل تجاه قضايا منطقتنا، ويلبّي مصالحه الوطنية في الوقت نفسه. في حين يعبر تبريرنا وتفهمنا لجميع سياسات أي طرف خارجي وتوجهاته، حتى التي تؤدي إلى شق أوطاننا وتأجيج الصراع والخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وتشريد المدنيين المسالمين وقتلهم، عن فقداننا البوصلة التي ينبغي بها أن توجّه أفعالنا، وفقدان هويتنا القومية الجامعة وقيمنا وأخلاقنا الإنسانية، ويعبّر أيضاً عن قصور في فهم الأسباب التي أدت إلى تنامي شعبية أردوغان وحزبه في تركيا. 
لم ينجح أردوغان في إيصال حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم في انتخابات العام 2002 نتيجة مواقفه الإنسانية والسياسية تجاه قضايانا العربية، بل بفعل خطابه الداخلي الذي لامس هموم شرائح واسعة من الأتراك ورغباتها وأهدافها، وهي الأسباب نفسها التي مكّنت الحزب بشخص رئيسه من تحقيق الانتصارات المتوالية في جميع الجولات الانتخابية اللاحقة، كما أن الهزائم أو الهزّات الانتخابية التي تعرّض لها حزب العدالة والتنمية، كالتي حدثت أخيرا في الانتخابات البلدية في جولتيها الرئيسية والمعادة تعود للأسباب نفسها، أي إلى الفشل في تحقيق أهداف الأتراك الذين انتخبوه. أي أن نجاح (أو فشل) أي شخص أو حزب يعود إلى مدى  

قدرته على تمثيل مصالح المجتمع الذي يدّعي تمثيله، وهو ما يفسح المجال أمام توسّع شعبيته خارج هذا المجتمع، فلنتخيّل لحظة واحدة شعبية أردوغان وهالته لدى شعوب منطقتنا العربية، لو فشل في انتخابات 2002 وما لحقها، هل كنا سمعنا به أصلاً؟ وكذلك بما يخصّ أيا من المرجعيات أو الأصنام التي صنعها بعضهم لأحزاب وشخصيات أخرى، يُعزى نجاحها في استقطاب شرائح عربية واسعة إلى إنجازاتها الداخلية أولاً، وقدرتها على ملامسة مطالب شعبها وحقوقه أولا وثانيا، وربما عاشرا أيضا، في حين تعظم مواقفها الإنسانية والمبدئية تجاه قضايا الشعوب الأخرى من قيمتها وتأثيرها العالمي. فمن الطبيعي أن يتحرّك أردوغان، وفق قراءته الذاتية أو الحزبية لمتطلبات أمنه القومي ومصالح الشعب التركي. ولكن من غير الطبيعي، بل ومن المرفوض أيضا، أن يتبنّى جزء من السوريين هذه المصالح، ويدافعوا عنها وعن حق أردوغان في التحكّم بمصير ومستقبل سورية ومستقبلها ووحدة المجتمع السوري في الوقت نفسه، ولو تذرّعوا بجرائم سواه من قوى الاحتلال من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الأسد مروراً بجميع قوى الاحتلال والطائفية، سيما في الوسط الذي يدّعي تمثيل السوريين، والدفاع عن قضاياهم السياسية والاجتماعية والقانونية، الذين تجاهلوا في الماضي القريب الحرب التركية على جزءٍ من الأراضي السورية، كما تجاهلوا اليوم الدور التركي في استمرار المجازر الروسية في إدلب، إذ باتوا ينطقون ويتحرّكون وفق بوصلة مصالحهم الشخصية، ذات الميول الأردوغانية حتى إشعار آخر، حيث قد تتبدّل مصالحهم وفق التحولات الإقليمية والدولية المتتابعة، غير أن الأكيد والمثبت في الواقع أنهم باتوا أعداء لوطنهم وشعبهم كأي مرتزق وأجير خارجي إيراني أو روسي أو أسدي أو أميركي أو تركي الهوى، فلا فرق يذكر بين أيٍّ منهم.

الكاتب:حيان جابر  – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة