الصاعدون على ظهر «داعش»!

كان المرشد الإيراني علي خامنئي آخر من ذكرنا بأن «الحشد الشعبي» العراقي حارب تنظيم «داعش»، وبأنه قام بهزيمة التنظيم. وجاء كلام المرشد في معرض تنديده بالهجوم الأميركي على قواعد «الحشد الشعبي» في العراق، والذي استولد التطورات اللاحقة، ولا سيما محاولة اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد وتداعياتها. وقال خامنئي إن واشنطن تنتقم من «الحشد الشعبي» لهزيمته «داعش» الذي أوجدته الولايات المتحدة.
التعقيب الأول على كلام المرشد الإيراني، سمعه العالم مرات ومرات على ألسنة مختلفة، وكل من قاله، زعم أنه حارب «داعش» وانتصر عليه، وهذا ما سمعناه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسمعناه من تركيا ونظام الأسد، والروس، و«قوات سوريا الديمقراطية»، التي حاربت «داعش» وهزمته في الباغوز، وحتى فصائل مسلحة للمعارضة السورية، قالت ذلك بعد معاركها المعروفة ضد «داعش» في ريفي حلب وإدلب عام 2014؛ لكنه وبخلاف كل الأقوال، فإن «داعش» ما زال حاضراً في سوريا والعراق؛ حيث يوجد كل الذين حاربوه، وقالوا إنهم انتصروا عليه، وهو موجود في بقاع أخرى من عالم، يقول إنه حارب «داعش». 
ودليل وجود «داعش» لا يكمن فقط فيما يقوم به من عمليات إرهابية، وإنما أيضاً فيما ينكشف من خلايا نائمة، يعتمد عليها قادته في إعادة إطلاق نشاطاته مجدداً، وكلها معطيات دفعت كثيرين – وأولهم الولايات المتحدة – إلى إعلان أن الحرب ضد «داعش» مستمرة، وأن خطر عودة التنظيم أمر قائم.
وإذا كان خطر عودة التنظيم ما زال قائماً، فإن ذلك مستمد من حقيقة أن «داعش» ليس مجرد تنظيم آيديولوجي متطرف؛ بل هو جهاز وظيفي، يأخذ شكل تنظيم آيديولوجي متطرف، تدعمه دول وجماعات وشخصيات، وهي حقيقة ينبغي ألا تفارقنا في الحديث عن «داعش» ولا سيما علاقاته. ووسط هذه الحقيقة التي تعكس الصفة الأساسية للتنظيم، يمكن استعادة المسار الأسود للتنظيم، بما يمثل ويخدم، من النواحي الآيديولوجية – السياسية، والعسكرية – الأمنية. تعود مرحلة التأسيس الأولى لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» إلى بدايات الغزو الأميركي للعراق؛ حيث توافقت أوساط من «الجهاديين الإسلاميين» القادمين من أنحاء مختلفة، مع عسكريين وأمنيين من بقايا نظام صدام حسين، على الدخول في شراكة مسلحة ضد الوجود الأميركي. وسجلت تلك الفترة دخولاً لنظامي دمشق وطهران على خط «الدولة الإسلامية»، بحكم مناهضة الوجود الأميركي في العراق، فاستفاد الطرفان من وجود التنظيم، فبسطت إيران سيطرتها على العراق، وضبط نظام الأسد حركة «الجهاديين الإسلاميين» السوريين، والمارين إلى العراق عبر سوريا.
غير أنه ومع تطورات الوضع السوري بعد الثورة، استجدت طموحات التنظيم في الانتقال إلى حيز جغرافي وسياسي أوسع، فبدأ في إرسال كوادر وخلايا إلى سوريا، قبل أن يؤسس خلاياه الأولى أواسط عام 2013، وغير اسمه إلى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام»، ثم إلى «الدولة الإسلامية»، وبرزت إلى العلن تشكيلاته المسلحة، وخصوصاً في ريفي حلب وإدلب، ثم في الرقة، التي انتزعها بداية عام 2014 من يد «جبهة النصرة»، وأعلنها «عاصمة الدولة الإسلامية»، وقد صارت أراضي سيطرتها تمتد من محافظات غرب العراق إلى محافظات شمال وسط سوريا، وصارت لها قوات تقارب الثمانين ألفاً، أكثر من نصفها في سوريا. إن أهمية التطور العام لتنظيم «داعش»، مرتبطة بتطورات محددة تواصلت مع سياسات وإجراءات، تمت في الفضاء المشترك لنظام الملالي في إيران، وشقيقه نظام الأسد في سوريا، إضافة إلى العراق. فقد أطلق نظام الأسد سراح عشرات آلاف «الجهاديين» والجنائيين في قضايا الأسلحة والذخائر من سجونه، أواسط عام 2011، مكوناً جزءاً من بيئة ينشط في مجالها المتطرفون، وخصوصاً «دواعش» الفكر والتنظيم. وبفعل تخلي نظام الأسد عن سيطرته على المراكز الحدودية مع دول الجوار، جاء كثير من كوادر وقيادات جماعات التطرف عبر المنافذ الحدودية مع الأردن في الجنوب، والعراق في الشرق، وتركيا في الشمال، مما سمح بدخول الأشخاص والأموال والأسلحة بشكل كيفي، وزادت سلطة التقاسم الطائفي والفساد العراقية في فترة رئاسة نوري المالكي للحكومة إلى ما سبق أمرين اثنين؛ أولهما السماح بتهريب مئات من كوادر وأعضاء جماعات «السلفية الجهادية» في يوليو (تموز) 2013 من أكثر سجون العراق ضبطاً، وفيها سجن أبو غريب، الذي حدثه الأميركان قبل تسليمه لأنصارهم من قادة العراق الجديد، والثاني تسليم الموصل لميليشيات «داعش» وسط هجوم مسرحي على المدينة في يونيو (حزيران) 2014، انتهى بالاستيلاء على معسكرات الجيش العراقي وأسلحته وذخائره، وعلى مصارف المدينة ومؤسساتها، بما فيها البنوك وأموالها. وفي الحالتين، توفرت للتنظيم إمكانات تؤهله ليس فقط للحفاظ على وجوده؛ بل للتمدد في سوريا والعراق على السواء، وهذا ما حصل بالفعل.
ورغم الأهمية الكبيرة لما تم القيام به من جانب السوريين والعراقيين، حلفاء ملالي إيران، في خدمة تمدد «داعش» في العراق وسوريا، فقد كان الثلاثة مشتركين في هم أكبر، وهو إيجاد قوة طائفية مسلحة ومتطرفة، تمثل الإسلام السني في بلدان الهلال الشيعي، تساهم في تصعيد الصراعات الطائفية، وهكذا تكاملت وتشابكت جهودهم في تقوية قوة موازية، ولو شكلياً، للقوة الطائفية المسلحة والمتطرفة التي تمثل الإسلام الشيعي، وهي «حزب الله» اللبناني، وتجاربه الشقيقة التي استنسخها في العراق وسوريا. وكان من شأن بروز «داعش» كقوة طائفية مسلحة ومتطرفة، أن يبرر مشاركة «حزب الله» اللبناني والميليشيات الشيعية الأخرى في الحرب السورية، لمواجهة التطرف السني.
وسط تلك المعطيات والأهداف الظاهرة والخفية، تتبين حقيقة موقف إيران وحلفائها الحاكمين في بغداد ودمشق، ودورهم في تأمين كل احتياجات نمو وتمدد «داعش»، إن لم نقل في تأسيسه أصلاً، إضافة إلى ملاحظة أن مشاركتهم وميليشياتهم في الحرب ضد «داعش» كانت ملتبسة وشكلية في غالب الأحيان؛ حيث لم تسجل الوقائع مشاركة إيران الملموسة في الحرب ضد «داعش»، رغم الوجود الكثيف للقوات الإيرانية وميليشياتها، بما فيها «حزب الله» اللبناني، على خطوط تماس مع «داعش» في أنحاء مختلفة من سوريا، وظهرت معارك نظام الأسد و«داعش» باعتبارها عمليات تسلم وتسليم لمناطق السيطرة، على نحو ما كانت العمليات في تدمر، وقد تجنبت هجمات النظام الجوية على الرقة قصف مراكز قيادات «داعش» في المدينة، وركزت قصفها على الأحياء السكنية في المدينة، بينما راوحت معارك السلطات العراقية ضد «داعش» بين المستويين، فكانت ذات طابع مسرحي على نحو ما كان تسليم الموصل لـ«داعش» عام 2014، وكانت جدية عندما تم إخراج «داعش» منها عام 2016، ذلك أن الوضع العراقي والضغوطات الدولية ما عادت تحتمل تداعيات تمدد «داعش» في سوريا والعراق.
خلاصة الأمر، أن «داعش» باعتباره جهازاً وظيفياً أخذ شكل تنظيم آيديولوجي متطرف، كان حاجة ملحة لإيران وحلفائها من دول وتنظيمات في المنطقة؛ بل إنه كان حاجة روسية أيضاً، حيث تمت مساعدته على البقاء للاستفادة منه إلى أقصى الحدود. ولم يقتصر ذلك على إيران وحلفائها؛ بل شمل آخرين استخدموا «داعش» بقدر احتياجاتهم واستطاعاتهم، وسط إعلانات الحرب على «داعش» وإرهابه، وهي حرب كان يمكن أن تحسم على نحو سريع وبأقل التكاليف، من خلال مواجهة إيران وحلفائها، لو كان الهدف هزيمة «داعش»، وليس الصعود على ظهر «داعش»، وقول كل واحد من الأطراف إنه شارك في الحرب وفي هزيمة «داعش»!

 

 

الكاتب:فايز سارة  – المصدر: الشرق الاوسط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة