نجوى قاسم ومحبّة الناس

محبّة الناس نبيهة جدا، وأكثر فطنةً من الأيديولوجيا، وأكثر اتساعا وجمالا ورحابةً من الميزانية المادية للقناة أو ضيق صدر المموّلين، وأكبر من احترازات اليسار أو اليمين معا، وأكبر حتى من أحقاد الساسة وتقلباتهم. 
إنسانة جميلة تؤدي واجبها باتّزان من غير شتائم أو إلقاء التهم أو اكتساب مشروعية على حساب قمع الخصوم، أو تدليل الأنصار، كما يفعل أحمد موسى بفجاجةٍ لا يحسد عليها، وكما تفعل أماني الخيّاط، بعد أن تطلق عنانها لنظرياتٍ تعب في دقّها في حجر الطعميّة أسامة الدليل أو”الزنظ”. ولا مجال بالطبع هنا لهرتلات عزمي مجاهد، وخصوصا في فترات الأمن القومي، أو من يقول: “اللي مش عاجبه البلد دي يدّينا عرض قفاه”، أشياء تذكّرك بأنك دخلت “مدبح”. 
احترام الضيف المخالف، مع أنها تعرف يقينا، أن “رأس المال” فوق العين والرأس، ولكن رأس المال أيضا لا يُجبرها على الردح بالشبشب والقبقاب. كانت، يرحمها الله، وكأنها تمشي فوق لغم، محترمة كل الضيوف، وخصوصا في مجمل الأحداث الأخيرة الدامية في ثلث البلاد العربية أو نصفها، من غربها إلى شرقها، سواء من تورّط في الأحداث، مباشرةً أو بشكل غير مباشر. كثرت أوجاع الوطن، والوجع يعدّي، وقلب الإنسان ليس آلةً لضخّ الدم فقط، فكان لا بد من أن يصل إليها الوجع بشكل ما، ومن يعش في الهم يُصب. 
القبول بالطبع من الله، والصمود الظاهري أمام الأحداث لا يبعد زحف الحزن إلى القلب، وهي تنتقل بهموم المهنة من الليبي إلى السوداني إلى الجزائري إلى السوري بكل تشعُّبات الخلاف، من اليساري إلى اليميني إلى الوسطي، ومن خان العسل شمالا، مرورا ببيروت وبغداد والسودان والقاهرة والجزائر. ماكينة من القبول والاحترام تلتزم الحياد وضبط النفس، وتبدو هادئةً وحيادية، وهي تعلم أن رأس المال، في الوقت نفسه، له المطالب، وإن لم تُقَل، يلمح بها. 
الأدب دائما كتاج فوق الرأس أيضا، وخصوصا فيمن يثق بنفسه عبر سنواتٍ من العمل، ومن العيب أن يمارس التفاهة على الناس كما يفعل بعضهم. واضحٌ أن القلب يتعب كلما تزيد قيمة الواحد أمام نفسه واحترام المشاهد. القلب يُطاوع صاحبه، خصوصا إذا حمل أمانة العمل. كانت تعرف أن الخصومة على الهواء فقط لأصحاب رأس المال، أما هي وإطلالتها فهي، في النهاية، للمشاهد، للناس، وأن الخصومة حتى وإن بقيت كالجمر تحت النار، فهي لا تخصّها، بل تخصّ رأس المال المهيمن، وهي فقط تنقل رسالةً بلطف ما، والقبول في النهاية من الله، والمحبة منه، والمشاهد هو الحكم، وهو الذي يفرّق بين المذبح والأستديو. 
تحضرني الآن صور لإبراهيم عيسي وقد علّق خلف ظهره “فردة كاوتش” بجواره، وكتب عليها “الإستبن”، في إشارة إلى محمد مرسي مع سكاكين وسواطير، بعدما صار مرسي رئيسا. وهذا هو الفرق ما بين الأستديو والمذبح، والمذيع والجزّار. فُجْر الخصومة لا يصنع إعلاما، بل يصنع جزّارين أمام الكاميرا. 
تأملوا ابتسامة المرحومة نجوى وهي تحاور، وتكشيرة أحمد موسي وهو يصرخ في قلب الأستديو قائلا: “أنا عاوز أشوف دم”. بالطبع، كانت المرحومة نجوى تعرف جيدا أن رأس المال “يأمر”، وأن رأس المال غلّاب، ولكنها كانت تؤمن أيضا أن الأذى أو السبّ أو استعراض الوطنية ليس مكانه الأستديو، وإنما ساحات الحرب أو مفاوضات الساسة، فخرجت سالمةً، وكسبت محبة الناس من دون تفرقة. 
رأس المال معذِّب جدا، والسعي وراء الشهرة بالطرق الاستعراضية معذِّب للبليد أيضا، خصوصا من لم يمنحه قبولا في عيون الناس وقلوبهم. ونجوى فتَح الله لها كل شبابيك القبول، فتدللت بلطفٍ جميلٍ بلا ميوعة، ولا تحامل على أي أحد. كانت تدفن مشاعرها هناك بحكمة المحبوب وبقدرة على الحوار، وتبدو قويةً بما يكفي، إلا أن كل هم له ثقل على القلب، أي قلب، حتى القتلة. وأمس استأذن القلب من الجميع، كي يرتاح في سلامٍ في عالم بلا قتل أو تنافس أو صراع، عند من منحها القبول من أوسع أبوابه.
الكاتب:عبد الحكيم حيدر   – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة