بوتين في دمشق: شتان بين شمعة الكنيسة وخطّ الغاز!

التمثيلات المسيحية الأرثوذكسية، التي رافقت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة السورية دمشق، لم تكن زخرفة عابرة تتوازى مع، أو حتى تستكمل، ملاطفة المسلمين عبر الجولة في الجامع الأموي؛ ويصعب أن تكون عابرة بروتوكولية، أو رمزية فقط، ما دامت قد اقترنت بيوم الميلاد الأرثوذكسي تحديداً، وزيارة الكاتدرائية المريمية حيث مقرّ كنيسة أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس (قرابة 12 مليون من الرعايا، بين سوريا ولبنان والعالم). ذلك لأنّ بركة البطريركية الأرثوذكسية الروسية كانت في عداد أبرز العناصر الداخلية التي يسّرت صعود بوتين في هرم السلطة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وسرعان ما انقلبت العلاقة إلى حال من التحالف الوطيد، اتخذ لاحقاً صفة جيو ــ سياسية كونية حين تلازمت عودة الكرملين إلى استئناف قطبية الحرب الباردة، مع ترقية دراماتيكية لدور البطريركية الموسكوفية على نطاق العالم المسيحي.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2018 كان هذا الحلف قد تلقى ضربة قاصمة حين أحرزت الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا استقلالها عن البطريركية الروسية، التي ظلت الأمّ منذ سنة 1686 بموجب مرسوم أصدره زعيم الكنائس الأرثوذكسية البطريرك المسكوني برثولوميو، وشهدت تسليمه كاتدرائية سان جورج في اسطنبول؛ ليس من دون مغزى بيزنطي عميق يخصّ المكان، غنيّ عن القول. ويومذاك استدعى بوتين مجلس الأمن القومي الروسي في منتصف الليل لمناقشة الخطوة، التي لم يتردد في التحذير من أنها «يمكن أن تريق الدماء»، وترقى إلى مستوى الانشقاق العظيم الذي وقع سنة 1054 وأسفر عن انقسام المسيحية إلى كنيسة غربية وأخرى شرقية. ولا غرابة في هذا، بالطبع، لأنّ روسيا تعدّ ثلث الـ300 مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم الراهن؛ ومنذ سنة 988، حين اعتنق فلاديمير الأعظم العقيدة، ظلت الكنيسة الروسية تطمح إلى موقع «روما الثالثة»، بعد روما والقسطنطينية، فلماذا يتلكأ في متابعة المهمة فلاديمير هذه الأيام، بوتين، وهو السعيد بلقب «قيصر روسيا» المعاصر؟
غير أنّ حكاية التمثيلات الأرثوذكسية التي اقترنت بزيارة بوتين إنما تكتسب أكثر من بُعد واحد، سوريّ محليّ هذه المرّة؛ يتجاوز انحياز كنيسة أنطاكية التاريخي للنظام عموماً، ولآل الأسد خصوصاً؛ ويتصل بخيارات موسكو في السياسة الإقليمية، على نطاق أعرض،؛ وطبائع العلاقات مع نظام بشار الأسد، وشخصه، منذ التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا، خريف 2015. ثمة، أوّلاً، حقيقة إحصائية أولى تشير إلى أنّ بوتين لم يسبق له أن قام بزيارة إلى العاصمة السورية منذ أن تبوأ موقع الرئاسة في روسيا، مقابل زيارات عديدة قام بها إلى دول المنطقة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي على وجه التحديد. زيارته اليتيمة السابقة كانت إلى مطار حميميم، قبل ثلاث سنوات، لتفقد القوات الروسية التي حوّلت الموقع إلى قاعدة روسية، ويومها سرّب الكرملين ذلك الشريط المهين الذي يصوّر حرس بوتين وهم يمنعون الأسد من مرافقته أثناء المراسم؛ كما سُرّبت فقرات من ترحيب الرئيس الروسي بالضابط في جيش النظام سهيل الحسن، الملقب بـ«النمر»، على نحو تضمّن مهانة جلية واستهانة بشخص الأسد.

بينما أشعل شمعة في الكاتدرائية المريمية في دمشق، ثمّ بدا أشبه بقيصر يتفقد قواته على أصقاع نائية بعيداً عن مركز الإمبراطورية؛ فإنّ بوتين، في محطته التالية اسطنبول، دشّن خطّ الغاز «ترك ستريم» الذي يربط بين روسيا وتركيا؛ وشتان بين شمعة روحية هناك، وأنبوب طاقة ستراتيجي هناك!

وأمّا الزيارة الرئاسية الروسية، الوحيدة السابقة، فقد قام بها ديمتري مدفيديف، صيف 2010، وكانت الأولى لأيّ رئيس في عهد الاتحاد الروسي. يومها شدد الزائر على «تفعيل الحوار السياسي المتعدد الأبعاد»، و«إقامة نظام عالمي عادل يقوم على سيادة القانون الدولي، ومساواة كل الدول ـ أكانت كبرى أم صغرى ـ والتعامل بينها من أجل حلّ القضايا العالمية، بما فيها التحديات والمخاطر الجديدة التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين». كان لافتاً، كذلك، تذكيره (خلال مؤتمر صحافي مع الأسد) على أنّ العالم بأجمعه قدّر «القرار البعيد النظر» الذي اتخذه حافظ الأسد في «خياره الستراتيجي لمصلحة التسوية السلمية في الشرق الأوسط»؛ منوّهاً بأنّ الأسد الابن إنما «يتابع مسيرة والده، فيما يتعلق بالتقدّم نحو هذا الهدف». ولم يفوّت مدفيديف فرصة التأكيد على دور روسيا، بصفتها العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي وعضو «الرباعية» الشرق الأوسطية، في بذل «جهودها الجادّة من أجل المساعدة على إعادة إطلاق الحوار العربي ـ الإسرائيلي».
وهذا تفصيل يحيل إلى الفوارق في السياسات الروسية الإقليمية، بين علاقة موسكو مع النظام السوري، من جهة أولى لا تخفى فيها أنساق اختلال التوازنات من حيث تبعية النظام التي تزداد وتضطرد؛ وعلاقات موسكو مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في عهد بنيامين نتنياهو، حيث لا تخفى أيضاً أنساق التفاهم والشراكة، من جهة ثانية؛ وعلاقات موسكو مع تركيا، في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خاصة، حيث تفاهمات الشراكة أعلى بكثير من خلافات الافتراق، من جهة ثالثة. هذا إذا وضع المرء جانباً علاقات موسكو مع المملكة العربية السعودية، كما تنامت على نحو دراماتيكي خلال زيارة بوتين إلى الرياض في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، حيث لم يفت سيّد الكرملين التذكير بعلاقات روسية ــ سعودية عمرها 90 سنة، وأنّ التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بمعدل 15٪ خلال العام. وبينما أشعل شمعة في الكاتدرائية المريمية في دمشق، ثمّ بدا أشبه بقيصر يتفقد قواته على أصقاع نائية بعيداً عن مركز الإمبراطورية؛ فإنّ بوتين، في محطته التالية اسطنبول، دشّن خطّ الغاز «ترك ستريم» الذي يربط بين روسيا وتركيا؛ وشتان بين شمعة روحية هناك، وأنبوب طاقة ستراتيجي هناك!
وكانت محقة انتباهة كثير من السوريين، في أوساط الموالاة قبل المعارضة، إلى هذه الجولة الجديدة من امتهان الرئيس الروسي لرموز «السيادة الوطنية» السورية؛ مستذكرين تلك الجولة الأولى في مطار حميميم، حين استُدعي الأسد إلى القاعدة الروسية على عجل، ومن دون إخطار مسبق تقتضيه أبسط الأعراف الدبلوماسية. في دمشق تمّ الاستدعاء إلى ما سُمّي بـ«مقرّ فريق القوات المسلحة الروسية في سوريا»، الذي غاب عن جنباته أيّ رمز يدلّ على وجوده في سوريا، وليس صور «القائد إلى الأبد حافظ الأسد» وحدها، ولا صورة نجلَيْه باسل الأسد وبشار الأسد أيضاً، بل غاب حتى علم النظام أو بيارق ما تبقى من جيشه. ويصعب، إلا عند المطبّلين للنظام، أن يكون الأمر إهمالاً من جانب الفريق الروسي، أو سهواً عن تدابير بروتوكولية بسيطة ولكنها حاسمة؛ فالأمر ببساطة، هنا كما كان في حميميم، تذكير صريح بأنّ هذه على وجه الدقة هي طبيعة العلاقة بين نظام تابع وقوّة عظمى محتلة تعهدت إنقاذه وتتولى اليوم تسييره.
يصعب، كذلك، إهمال حقيقة أخرى بسيطة تفيد بأنّ بوتين لم يكن قادماً إلى دمشق أصلاً، عن سابق قصد وتصميم، بل كانت اسطنبول هي محطته الكبرى الأهمّ، لافتتاح خطّ الغاز؛ فلم يجد ضرراً (فما بالك أن يرى مانعاً!) في أن يعرّج على جيشه وضباطه المرابطين في سوريا، أهمّ معاقله الشرق ــ أوسطية حتى إشعار آخر، فيكرّم من خلالهم بطريركية موسكو وسائر الأرثوذكس. وما دامت المصادفة شاءت أن تترافق زيارته مع التسخين الأمريكي ــ الإيراني، وحديث العالم عن مخافر الوليّ الفقيه في العراق ولبنان وسوريا واليمن؛ فلِمَ لا يذكّر بوتين العالم إياه بأنّ المخفر هنا، في سوريا، روسي أوّلاً، وأنه السيّد فيه، والوليّ الآمر، ومالك الأوراق الأكثر تأثيراً على الطاولة؟ وكيف، بالفعل، لا يتذكر جميع المعنيين بالمنطقة، إقليمياً وعالمياً، بأنّ «القيصر» بارع في الجمع بين سوريا وتركيا وليبيا، علانية؛ مع مصادقة، ضمنية أو علنية، من واشنطن وتل أبيب؟

الكاتب:صبحي حديدي  – المصدر: القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة