من تهمّه معاناة الليبيين أو السوريين؟

إنها المرّة الأولى التي يعبّر فيها مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسّان سلامة، عن غضبه الشديد من استمرار معاناة الليبيين، جرّاء الزيادة المستمرة في تدهور الأوضاع في بلادهم، عندما خرج غاضباً من جلسةٍ مغلقةٍ عقدها مجلس الأمن الدولي في السادس من يناير/ كانون الثاني الجاري، خصصت لمناقشة الأوضاع في ليبيا. وأرجع سلامة فورة الغضب التي ألمّت به إلى أن “الجميع يريد الحديث عن ليبيا، فيما القليلون يريدون الحديث عن الليبيين. قلائل هم من يتحدّثون عن الليبيين ومعاناتهم”، واعتبر أن ليبيا لا تعني بالنسبة إليه،”فقط النفط والغاز، بل كذلك قصة إنسانية. والليبيون يعانون لأنه لا توجد رسالة دولية واضحة وموحدة”. 
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو أن سلامة يعي تماماً أن مجلس الأمن  

الدولي تسيطر عليه دول خمس دائمة العضوية فيه، وتمتلك فيه حق النقض (الفيتو)، وصراعها على ليبيا وعلى سواها يعطّل مجلس الأمن، ويعطّل اتخاذ المجتمع الدولي أي قرارٍ في مصلحة الليبيين، وبما ينهي من معاناتهم المستمرة منذ التدخل الدولي في عام 2011، والذي كان مبرّره حماية المدنيين، وهذه يافطة كاذبة وخادعة، لأن لدى الدول التي تتدخل في الشأن الليبي سياسات وتوجهات ومصالح متعارضة، وتبرّر تدخلها تحت مختلف الذرائع الواهية.
وليس الأمر محصورا في الوضع الليبي، بل يمتد إلى مختلف الأوضاع في بلدان الثورات العربية وسواها، حيث ينظر المجتمع الدولي، ممثلاً بالقوى الدولية الفاعلة، إلى سورية مثلاً، مثلما ينظر إلى ليبيا، أي بوصفها موقعاً جيوسياسيا مهما، وأهميته الجيوسياسية مقيسة بالنسبة إلى مصالح كل دولة، فيما تنظر هذه الدول إلى السوريين والليبيين عارضا من أعراض الصراع الإقليمي والدولي على البلدين، أي بوصفهم وقوداً لنار تأجيج الصراع فيهما وعليهما، وبالتالي لا تقيم أي اعتبارٍ لمن يُقتل من الشعبين، الليبي والسوري، ولا لمعاناتهم ومآسيهم جرّاء استمرار الصراع. 
القرارات الأممية التي صدرت بخصوص الوضعين، الليبي والسوري، عديدة، لكنها لم تطبّق على الأرض، كما لم تثمر اجتماعات مجلس الأمن الدولي عن أي شيءٍ يصب في مصلحة الشعبين الليبي والسوري، لذلك من الطبيعي أن يبدي سلامة امتعاضه من مجلس الأمن الدولي، الذي اجتمع “14 مرة منذ الرابع من إبريل/ نيسان الماضي، ولم يتمكّن من إصدار قرار واحد ضد وقف العمليات العدائية”، لأن مهمة هذا المجلس، في الواقع، ليست هي كما يشاع، أو يعلن، حماية المدنيين الليبيين أو السوريين أو سواهما، بل تبينّ أنها تتجسّد في إدارة الأزمات في هذه البلدان، بما يطيل أمد الأزمات ويفاقم المآسي والمعاناة.
يُستخدم المدنيون الليبيون والسوريون وسواهما وقوداً للصراعات الدولية والإقليمية في ليبيا وسورية وسواهما، حيث تهاجم قوات الدول الخائضة في دماء الشعبين المدنيين وأماكن سكناهم وعملهم، وتقصف المدارس والمستشفيات والأسواق ومحطات المياه والكهرباء، لكن ساستها ينكرون ذلك، مثلما ينكر الساسة الروس حرب الإبادة التي يقودونها إلى جانب نظام الأسد في إدلب وسواها، منذ سنوات، بل ويكرّر ساستها اللازمة نفسها أن “لا حل عسكريا في سورية، بل حل سياسي”، والتي يكرّرها أيضاً ساسة دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة. وتتكرر اللازمة نفسها بخصوص الوضع في ليبيا، لكن تكرار هذه اللازمة المثيرة للغثيان، لا يمنعهم من الاستمرار في تأجيج الصراع في كلا البلدين، وإرسال المرتزقة لإطالة أمد الصراع.
وإذا كان غسّان سلامة مقتنعا بانقسام المجتمع الدولي، فالمستغرب منه إيمانه بإمكانية رأب الصدع والتوصل إلى توافق دولي، خصوصا بعد التدخل العسكري المباشر لكل من روسيا الاتحادية  

وتركيا، ودعمهما جهتين متعارضتين، إضافة إلى تدخلات كل من فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة ومصر والإمارات وسواها، وإرسال هذه الدول الأسلحة ومرتزقة للقتال إلى جانب الأطراف المتصارعة في ليبيا، على الرغم من أن مجلس الأمن أصدر في مارس/ آذار 2011 القرار رقم 1970، الذي يمنع “بيع أو توريد الأسلحة وما يتصل بها من أعتدة إلى ليبيا، ويشمل ذلك الأسلحة والذخيرة والمركّبات والمعدّات العسكرية والمعدّات شبه العسكرية وقطع الغيار”، وجرى تمديد القرار في العاشر من يوليو/ حزيران الماضي.
ويبدو أن الصراع في ليبيا وعليها سيطول أمده، خصوصا بعد التدخل العسكري المباشر لكل من روسيا وتركيا، ومسارعة الدول الأخرى إلى زيادة وتيرة تدخلها ودعمها المجاميع المسلحة، في حين أن المساعي الديبلوماسية والسياسية تراوح مكانها، حيث لم يتم البدء في المسارات الثلاثة التي يعمل عليها المبعوث الأممي، غسّان سلامة، والتي حدّدها في محور أول، اقتصادي ومالي، وثان، عسكري وأمني، وثالث، يتمثل في إطلاق حوار سياسي، على أمل أن يتمكّن من إطلاق محادثات سياسية، يتوقع أن تعقد في جنيف.
ويتطلب ذلك جهوداً حقيقية لمعالجة جذور الصراع في ليبيا، خصوصا عسكرة الثورة الليبية التي  

فتحت الباب أمام دخول مجموعاتٍ وكياناتٍ اجتماعية مسلحة جديدة، وترافق ذلك مع تغيير في هيكلية الجماعات والقوى الاجتماعية، وقابلها نهوض أنصار نظام معمر القذافي ووقوفهم في صف القوى الساعية إلى السلطة. إضافة إلى انخراط قوى مختلفة في تشكيلات عسكرية، بغية التصدّي لصعود الإسلاميين، والمجالس العسكرية التي تشكّلت بعد ثورة فبراير (2011)، ودخول قوى إقليمية ودولية على خط الصراع المسلح على السلطة، ونشوء محورين دوليين متصارعين، أسفرا عن تعطيل إمكانية التفاهم الدولي، والتوصل إلى حلّ سياسي للأزمة وتطوراتها ومساراتها.
ويطرح الدور الأممي في كل من ليبيا وسورية وسواهما أسئلةً بشأن مسؤوليته في حماية المدنيين، وحول ما تبقى من مصداقية لمجلس الأمن الدولي، بوصفه أعلى سلطةٍ إجرائيةٍ في العالم، حيث يشير واقع الحال إلى أنه لم يبق لهذا المجلس سوى دور شكلي أو رمزي، مجرّد من أية مصداقية عملية، وهو رأيٌ يعكس وجهة نظر أوساطاً واسعة من الرأي العام العالمي. وبات من الضرورة بمكان النظر في المشكلة الأكثر إلحاحاً، وهي حقّ النقض (الفيتو) الذي يبقى مشكلة المشكلات في مجلس الأمن، لأنه يشلّ فعالياته ومصداقيته، ويبقيه مجرّد أداة لحماية مصالح الدول الكبرى القوية دائمة العضوية، وليس لحماية المدنيين الليبيين أو السوريين أو سواهما.

الكاتب:عمر كوش  – المصدر:العربي الجديد
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة